رسالة 50: من كيرلس إلى الأسقف فاليريانوس ضد تعاليم نسطوريوس.
1- يكفي - بحسب ما أرى - أو بالحري فانه من طبيعة الحق أن نستدعي فطنة قداستكم، بشجاعة كبيرة، وأن نستعمل الدقة بأقصى ما يمكن في مواجهة ملاحظات بعض الناس الجزافية. فهم مثل القدامى يستعملون عبارات فارغة ويخلطون كل الأمور متظاهرين أنهم منشغلون بعناية بسر تأنس الرب الوحيد الجنس. ومع ذلك فإنهم لا يدركون حتى هذا، بل يغيرون السر إلى ما هو غير صحيح، ويفعلون هذا بسهولة، بينما هم يعتنقون تعاليم منحرفة، وأصعب شيء في هذه الأمور هو هذا: إنهم يتظاهرون بالرغبة في أن تكون لهم أفكار مستقيمة، وبإدعائهم أن لهم مظهر الميل نحو هذا - كما لو كانوا قد لبسوا قناعاً - فإنهم يسكبون سم كفر نسطوريوس في نفوس الناس الذين هم أكثر بساطة من غيرهم. فهم يشبهون معالجي الأجساد البشرية أي الأطباء الذي يمزجون العسل الحلو بعقاقيرهم المرة فهم إذ يخدعون الناس عن طريق ما هو مفيد، فإنهم يسلبونهم الإحساس بما هو كريه بطبيعته.
2- ولكننا لا نجهل أفكارهم إذ أن " لنا فكر المسيح" (1كو2 : 16) بحسب قول بولس الحكيم جداً. فإن كان هناك أحد ما يقول إن الله الكلمة وحيد الجنس الذي ولد من الله الآب بطريقة لا يمكن التعبير عنها، وهو أيضاً صانع الدهور نفسها، قد أخذ بداية وجوده من العذراء القديسة، فلا يبدو بالنسبة لهم أنه قد أخطأ الهدف فيما قاله. وإن كان كلمة الله هو روح بالطبيعة، فكيف ولد من جسد لأن الرب يقول "المولود من جسد هو جسد" (يو3 : 6). وحيث أن التعليم بخصوص سر المسيح يتبع مساراً أو طريقاً آخر مختلفاً نحو ما هو مباشر وراسخ وليس فيه تحريف، فلماذا يثرثرون باطلاً "بينما هم لا يفهمون ما يقولونه ولا ما يقررونه" (1تيمو 1: 7).
3- لأننا نقول إن كلمة الله الوحيد الجنس، لكونه روحاً مثل الله، حسب الكتب (يو4 : 24)، تجسد لأجل خلاص الناس وتأنس لا بتشكيل جسد لنفسه من طبيعته الخاصة، ولا بأن كف أن يكون ما كان عليه، ولا بخضوعه لأي تغير أو تحول، بل باتخاذه جسداً بلا دنس من العذراء القديسة، جسداً تحييه نفس عاقلة. لذلك أثبت أن هذا الجسد خاص به حسب إتحاد يفوق الفهم وبغير اختلاط ولا يمكن التعبير عنه مطلقاً، ولا كجسد لواحد آخر بل مدرك أنه هو جسده الخاص به. لذلك فقد أتي الوحيد الجنس إلى العالم "كبكر بين إخوة كثيرين " (رو8 : 29)، وهو الذي لا يحسب ضمن الخليقة إذ هو معروف أنه الله.
وبناء عليه فحينما يقال أنه ولد من امرأة (غلا4 : 4)، فبالضرورة أيضاً يشار إلى أنه ولد بحسب الجسد لكي لا يعتبر كأنه يتخذ من العذراء القديسة بداية لوجوده. ورغم أنه كائن قبل كل الدهور وهو الله الكلمة المساوي في الأزلية لأبيه الذاتي والقائم فيه، إلا أنه حينما أراد أن "يأخذ صورة عبد" (في2 : 7) بمسرة أبيه الصالحة، عندئذ يقال إنه خضع للولادة من امرأة بحسب الجسد مثلنا.
لذلك لابد من الإقرار أن المولود من الجسد هو جسد أما المولود من الله فهو إله. ولكن المسيح له الولادتان، إذ هو ابن ورب واحد مع جسده الخاص، ولكنه ليس بدون نفس - كما قلت - بل تحييه نفس عاقلة.
4- لذلك، دعهم لا يقسمون لنا الابن الواحد، واضعين الكلمة الابن الواحد على حدة، والذي من امرأة إنساناً على حدة، كما يقولون، بل بالحري يعرفون أن الله الكلمة لم يكن متصلاً بإنسان بل قيل إنه صار إنساناً "ممسكاً نسل إبراهيم" (عب2 : 16) حسب الكتب، وأيضاً "لكي يشبه أخوته في كل شيء " (عب2 :17)، عدا الخطية وحدها. هذه المشابهة من كل جهة أرادها أن تكون له وفوق كل التشابهات الأخرى، ولادته من امرأة، التي تعتبر من جهتنا خاصية إنسانية، وهو مثلنا، ولكن الوحيد الجنس يدرك أنه فائق على هذا، لأن الله صار جسداً. وتبعاً لذلك فالعذراء القديسة تدعى والدة الإله.
5- فإن قالوا إن الله والإنسان باجتماعهما معاً في واحد كوناً معاً مسيحاً واحداً وكل منهما محتفظ بأقنوم بدون اندماج، ولكن مميز بفكرنا، فمن الممكن أن يُرى أنهم لا يفكرون أو يقولون شيئاً دقيقاً في هذا الأمر. فالله والإنسان - لم يكونا مسيحاً واحداً باجتماعهما معاً، كما يقولون، بل كما قلت، فإن اللوغوس إذ هو الله أصلاً اشترك في الدم واللحم مثلنا أي أن الله صار إنساناً، وإنه قد اتخذ جسداً وجعله جسده الذاتي، لكي - كما أن أي إنسان منا معروف أنه إنسان واحد، وهو مكون من نفس وجسد - هكذا أيضاً المسيح يُعترف به أنه واحد، وهو ابن وهو رب.
6- طبيعة الإنسان يُعترف بها أنها واحدة، وإنه أقنوم واحد حتى وإن كان يعرف أنه من عناصر مختلفة بالنسبة للنفس، ولكنه جسدها الخاص، والاثنان يكونان معاً أقنوم الإنسان الواحد. ورغم أن الاختلاف المذكور بين النفس والجسد ليس غامضاً بالنسبة لذهننا وفكرنا إلا أن اجتماعهما معاً يكون إنساناً واحداً، حيث إن هذا الاجتماع هو بغير انفصال. وإذن، فإن كلمة الله الوحيد الجنس لم يأت كإنسان باتخاذه إنساناً، وبالرغم من أن له ولادة من الله الآب لا يعبر عنها، فإنه صار إنساناً بأن كون لنفسه هيكلاً بواسطة الروح القدس الواحد معه في الجوهر. لذلك أيضاً فهو يعرف أنه واحد، رغم أنه نظرياً وبحسب عقلنا فإن جسده كأن من طبيعة مختلفة بالنسبة له. ولنعترف بكل طريقة أن جسده لم يكن بدون نفس، بل كانت تحييه نفس عاقلة.
7- لقد عرفت أن البعض قد وصلوا إلى درجة من الجنون حتى أنهم لا يخجلون أن يقولوا إن الله الكلمة بسكناه في ابن معين، الذي ولد من العذراء، قد إلهه، ولكن أيها الفضلاء، أود أن أقول لهم، هذا ليس هو كلمة الله الذي تجسد وتأنس، بل بالحري، الحلول في إنسان، وهو بالطبع مثل الحلول في أحد الأنبياء القديسين.
ولكن الحديث عن السر بالنسبة لنا، كما قد تم توضيحه في التصريحات التي قدمناها قبل قليل، يعني أن الكلمة المولود من الله الآب صار جسداً حسب الكتب (يو 1 : 14). ليس إنه عانى تغييراً في طبيعته أو تبدلاً أو تحولاً، أعني إلى الجسد، بل انه جعل الجسد المحيي بنفس عاقلة، خاصاً به، وصار إنساناً.
فهو لم يتصل بإنسان أو يسكن فيه كما يقولون. فأن يقال أن ذلك الذي حصل على الحلول قد تأله، كما يؤكدون (لأن هذا بحسب تقديرنا ينبغي أن يستبعد كلية)، فكيف لا يكون هذا دليلاً على غباء مطبق؟ وهو معارض تماماً لرؤية الكتاب المقدس.
8- وبولس الموحى إليه من الله يقول أن كلمة الله، رغم أنه كان في صورة الله ومساوياً لأبيه في كل شيء، لم يحسب خُلسة أن يكون مساوياً لله، بل بالحري أخلى نفسه "أخذاً صورة عبد"، "صائراً في شبه الناس"، "كإنسان"، "ووضع نفسه" (في 2 : 6، 8) ولكنهم بتغيرهم طبيعة الأشياء إلى ضدها تماماً، ومساومتهم على معنى الحق بعدم تقوى، يقولون إن إنساناً قد أُله. وأكثر من ذلك، أيها الفضلاء، من هو الذي أخلى نفسه وكيف وضع نفسه؟ أخبروني، ما نوع صورة العبد التي أتخذها؟ لأن قولهم - كما يبدو لنا - يقدم إنساناً رُفع من مذلته مثلنا، صاعداً من الإخلاء الذي لنا إلى ملء اللاهوت، ومتغيراً من صورة العبد إلى صورة السيد. كيف يقولون إذن، إن الابن الوحيد الجنس أخلى نفسه، أو كيف احتمل هوانناً، إني لست قادراً على أن أفهم كيف أحتمل مذلتنا، إلا إذا كانوا يقولون إنه قد أخلى نفسه بسبب أنه قد كّرم الإنسان بمجده الخاص. فإن كان قد أُسئ إليه بتكريم الإنسان، وإن كان بتمجيد الإنسان يخلي نفسه، فكيف لا يكون من الأفضل أن يقال إنه لم يمنح لا الكرامة ولا المجد لي أحد؟ فليظل في رفعته الخاصة، دون تكريم أو تمجيد، لهذا الإنسان الذي أخذه، كما يقولون.
9- إلا تبدو الأمور التي قرروا أن يفكروا فيها ويسروا بقولها، مستوجبة لكل نوع من الضحك ومملوءة بغباوة مطلقة؟.
ولكن لو لم يكن له الملء حسب طبيعته الخاصة، فإن تعليم الحق لن يثير أي تشكك إطلاقاً في أنه أخلى نفسه. ولو لم يكن سامياً سمواً فائقاً وعالياً جداً في مقامه ثم نزل إلى ما لم يكن عليه، فلن يكون هناك أي مجال للتفكير في أنه وضع نفسه.
فالذي يأخذ صورة عبد تماماً بلا شك أن له الحرية بالطبيعة (أن يصير عبداً) قبل أن يأخذ هذه الصورة. والإنسان المخلوق لم يعرف أنه كان هكذا قبل أن يصير إنساناً.
10- لذلك، حيث أن الكتاب المقدس الموحى به من الله، يدعو هذا إخلاء وصورة عبد، وأنه صار إنساناً، ويقول أن ذلك الذي أحتمل هذه بإرادته هو الكلمة الذي من الله الآب، فلماذا يقبلون حكمة التدبير العجيب إلى المعنى المضاد، ويقولون إن إنساناً قد تأله، وبذلك لا يكون هناك أي اختلاف بين المسيحيين وبين أولئك " الذين عبدوا المخلوق دون الخالق" (أنظر رو1 : 25). وربما سيجادلون قائلين إن الملائكة القديسين أنفسهم قد انساقوا معنا إلى الخطأ. والكتاب المقدس يقول إن الملائكة طُلِبَ منهم أن يسجدوا للبكر عندما أُدخِل إلى العالم (أنظر عب1 : 6). فكيف يطلق اسم البكر على وحيد الجنس وإن لم يكن قد تجسد؟ لأنه إن كان صحيحاً ذلك القول "بكر بين أخوة كثيرين" (رو8 : 29)، إذن فهو يعرف بحق أنه البكر، حيث أنه نزل إلى الأخوية، التي من الواضح أنها أخوية معنا، حيث أنه إنساناً مثلنا، إذ قد صار "يشبه إخوته في كل شيء: (أنظر عب2 : 17)، ماعدا الخطية وحدها (أنظر عب4 : 15،2كو5 : 21). هذه النظرة وهذا الفكر سيكون كافياً لأجل تقوانا، أن الله صار جسداً، وهو يعطي الحياة لكل الأشياء، وله (أي الجسد) قوته (قوة الله) المحيية وقدرته، ويملك بوفرة، مجده الذي لا ينطق به ولا يقترب إليه.
11- ولكنه أمر غير معقول أن أولئك الذين ارتأوا أن يمسكوا بهذه الأفكار، ويضيفون اتهامات زائفة أخرى ضد العقائد المقدسة، يسلبون من شخص الابن الوحيد الإهانات التي أحتملها على أيدي اليهود، وبالإضافة إلى هذه يسلبونه حتى الموت حسب الجسد، وينسبون هذه الأشياء كما لو كان إلى ابن آخر امرأة على حدة.
لأنه يبدو مفضلاً جداً بالنسبة لهم - وأنا لست أعلم كيف - أن يقفزوا إلى فخ الهاوية وقاع الجحيم حسب الكتب (أم9 : 18س)، وذلك بواسطة الطريق غير المؤدي إلى التقوى. لأنه أمر معترف به أن اللاهوت - بسبب أنه بلا جسد - فهو غير قابل للألم ولا يُمس مطلقاً، لأن اللاهوت هو مغاير لكل خليقة منظورة وعقلية وهو بالطبيعة بلا جسد، وبلا دنس، ولا يُمس، ولا يمكن إدراكه.
وحيث عن كلمة الله الوحيد الجنس، إذ قد اتخذ جسداً من العذراء القديسة والدة الإله - كما سبق أن قلت مراراً وتكراراً - وإذ جعله خاصاً به، قدم نفسه رائحة طيبة لله الآب كذبيحة بلا عيب من أجلنا، وبهذه الطريقة قد تأكد أنه احتمل من أجلنا ما حدث لجسده. فكل ما حدث للجسد، ينسب بصواب إليه - ماعدا الخطية وحدها - لأنه جسده الخاص. وتبعاً لذلك حيث إن الله الكلمة تأنس، فقد ظل غير متألم بحسب لاهوته، ولكن بسبب أنه بالضرورة جعل جسده خاصة به، يُقلا بالتأكيد أنه احتمل ما هو حسب الجسد، رغم أنه من جهة إدراكنا له كإله، فهو لم يختبر الألم.
12- لذلك، فإن مظهر التقوى يحملهم بعيداً عن الحق لأنهم لا يدركون أن عدم قابليته للتألم قد ظلت محفوظة حسب وجوده الإلهي إذ هو الله ولكن تألمه لأجلنا بحسب جسده ينسب أيضاً إليه، فبينما هو الله بالطبيعة، فإنه صار جسداً، أي إنساناً كاملاً، لأنه من هو الذي قال لله الآب في السموات:" ذبيحة وتقدمه لم تُرد ولكن هآنذا، أجيء لأصنع مشيئتك يا الله" (عب10 : 5،7،مز39(40) : 7،9). لأن الذي هو كإله بدون جسد، يقول إن الجسد هُيئ له، لكي حينما يقدمه لأجلنا فإنه يُشفينا جميعاً "بجلدته" بحسب قول النبي (إش53 : 5). ولكن كيف يكون هو ذلك " الواحد الذي مات لأجل الجميع" (2كو5 : 14)، الواحد الذي هو بديل مستحق عن الآخرين، إن كان الألم يعتبر ببساطة خاصاً بإنسان ما، فإذا كان قد تألم بحسب طبيعته البشرية، فحيث إنه جعل آلام جسده خاصة به، عندئذ نقول بحق وصواب، أن موته هو وحده فقط بحسب الجسد يُعرف أنه مستحق عن حياة الكل، ليس موت واحد هو مثلنا نحن، حتى رغم إنه صار مثلنا، إلا أننا نقول إنه إذ هو الله بالطبيعة فإنه تجسد وتأنس بحسب اعتراف الآباء.
13- ولكن إذا سلب البعض من الابن الوحيد الألم بحسب الجسد، معتبرين الألم قبيحاً وغير مناسب وغير لائق، فدعهم لنفس الأسباب ينزعون منه أيضاً ميلاده بحسب الجسد من العذراء القديسة. لأنه إن كان القول بأنه تألم في جسده غير لائق به، فكيف لا يكون كذلك غير لائق به ما جرى قبل الآلام، أعني، ميلاده بحسب الجسد - أو على وجه العموم - أسلوب تأنسه؟ وهكذا يضيع السر المسيحي، ومن ثم يصير رجاء الخلاص باطلاً.
14- وقد يقول أحدهم:"ولكن كيف يتألم من لم يعرف الألم؟" إن الكلمة الذي من الله - كما قلت - من المسلم به أنه غير قابل للألم بحسب طبيعته الخاصة، ولكننا نعترف، بأنه تألم في جسده الخاص بحسب الكتب، لأنه هو نفسه كان في جسده المتألم، وبطرس سيعطيك، البرهان حيث أنه يكتب عنه،" الذي حمل هو نفسه خطايانا في جسده على الخشبة " (1بط2 : 24). لذلك، فالكلمة غير المتألم حينما يُنظر إليه على أنه هو الله بالطبيعة، ومع ذلك فإن آلام جسده تُعرف بأنها آلامه بحسب اتخاذه لذاته تدبيرياً. لأن ما هي الطريقة التي يمكن أن يصير بها من هو بكر كل خليقة والذي فيه "خلقت الرئاسات والسلاطين والعروش والسيادات " (أنظر كو1 : 16)، والذي فيه " تقوم كل الأشياء " متماسكة معاً، كيف يصير "بكر من الأموات" ، "باكورة الراقدين" (1كو15 : 20)، إن لم يكن الكلمة الذي هو الله قد جعل الجسد المولود للتألم، جسده الذاتي؟.
ولكن كما أنه " ولد من امرأة" (غلا4 : 4) بحسب الجسد وجعل الميلاد المماثل لنا إنسانياً، خاصاً به - رغم أن له ميلاده الخاص الذي هو من أبيه - هكذا أيضاً نُقّر أنه تألم في جسده إنسانياً مثلنا، على الرغم من أن عدم التألم هو خاص به بالطبيعة طالما يُنظر إليه أنه هو الله. وهكذا فهو يعرف أنه المسيح، وهكذا فهو أيضاً جالس مع أبيه، ليس كإنسان كُرّم بحلول الله الكلمة فيه بل كالابن بالحق حتى عندما صار إنساناً. لأن كرامة تميزه الجوهري محفوظة له، حتى وإن كان قد ظهر بحسب التدبير في "صورة العبد" (في2 : 7). لذلك - كما قلت - حتى إن كان مشتركاً في طبيعتنا كإنسان، فهو لا يزال في نفس الوقت فوق كل الخليقة كإله..
15- ولكني علمت عن شخص ما يشرح سبب الصعود إلى السموات، قائلاً إن الرب صعد إلى مكان آمن وبعيد عن الخطر، وإنه حسب مستحقاً للجلوس مع الآب حيث هناك - كما يقول - لا يستطيع عدو طبيعتنا أن يتآمر ضده أو يقترب منه ثانية. أخبرني إذن، هل صارت السماء قلعة وهل رحيله من بيننا الذي نعظمه كثيراً، قد صار بالأحرى، هروباً وليس صعوداً؟ وكما لو كان يبدو أن الشرير سيعد فخاً ثانياً له، كما يبدو، حتى بعد القيامة أيضاً " فمن هو الذي لا يبتعد بعيداً عن مثل هذه التقيوءات؟. أو من لا يقوم ويذهب بعيداً عن مثل هذه الأحاديث المشيئة الغريبة، مودعاً لزمن طويل أولئك الذين يتجاسرون أن يفكروا أو يقولوا مثل هذه الأقوال؟.
فَلتُبعد عنا هذه الأفكار الكريهة والساقطة. فإني أظن أنه ليس هناك شيء أكثر منها خرافة أو حماقة. إن الأمر قد وصل إلى مثل هذه الدرجة من الابتذال في الأفكار عندهم، حتى أنه ليس هناك أمر شائن أكثر من ذلك. لأنه حينما أكمل المسيح التدبير الخاص بنا وداس على الشيطان، وطرح كل قوته، " وأباد سلطان الموت نفسه" (عب2 : 14)، وجدد لنا طريقاً حديثاً حياً، بصعوده إلى السماء، "وظهوره أمام وجه الله الآب من أجلنا" كما هو مكتوب (أنظر عب9 : 24)، وجلس معه وهو الجسد، ليس كإنسان معتبراً على حدة، وليس كابن آخر مغاير إلى جانب اللوغوس، وليس كمن هو يسكن فيه، بل كالابن الواحد والوحيد بالحق، حتى حينما صار إنساناً. وتبعاً لذلك فهو يجلس معه كإله مع إله، وكرب مع رب، وكابن مع أبيه بالحق، ويوجد هكذا بالطبع على الرغم من أنه يدرك وهو مع جسد.
16- وربما لن يكون عسيراً - بواسطة مباحثات طويلة - أن نشير إلى عمق جهلهم، ولكن دحض مثل أفكارهم الباطلة هذه بمجادلات أكثر ربما يكون على نفس المستوى من الحماقة مع أولئك الذين يثرثرون بتلك التفاهات. إني أظن أنه ضروري بدون أدنى شك، بالإضافة إلى ما قد قيل، أن نهاجم الوسيلة بها يظنون أنهم يستطيعون أن يرعبوا جماعة الرب كما هو مكتوب " ليرموا في الدجى مستقيمي القلوب" (مز10)11) : 2)، أي أولئك الذين قد اختاروا أن يمضوا حياتهم ببساطة القصد والذين قد قبلوا نفوسهم تقليد الإيمان كيقين أكيد ويحفظونه مقدساً وغير مُحرّف.
أولئك الذين هم ماهرون في الخداع، بواسطة ابتداعات أفكارهم المعقدة، يجرفون معهم قليلي المعرفة كفريسة مبعدين إياهم عن الإيمان بالحق، وبواسطة تمثلهم بخبث بقية الهراطقة يقدمون بجهل ما اعتاد عليه الهراطقة دون أي اعتبار للمكتوب: "ويل للذين يسقون صاحبهم ويسكرونه مدمرين إياه" (حبقوق2 : 15س).
17- أولئك الذين يدافعون عن كفر آريوس، يقولون إن كلمة الله الوحيد الجنس هو من جوهر مختلف. وهم يضعونه في مرتبة تالية لذلك الذي ولده، ويزعمون بجسارة أنه مخلوق ومولود، ويخصون مع الخليقة ذلك الذي "به كل الأشياء" (رو11 : 36)، والذي "فيه خُلِقَ الكل" (كو1 : 16). ثم، إذ يتطفلون على سر تدبير الابن الوحيد الجنس بالجسد، فإنهم بأعظم شر يفسدون قوة الحق ويضعون أنفسهم تحت الاتهامات ببدعة أبوليناريوس، لأنهم يؤكدون بشدة أن كلمة الله أخذ جسداً، ولكنه ليس له نفس عاقلة تحييه. فهم بالحري يقولون إنه كان بدلاً من العقل والنفس في الجسد. ولكن كما قلت فإنهم بفعلهم هذا يقعون في أعظم جرم وهم يسلبون جسده النفس العاقلة الساكنة فيه، لكي لا يعتقدون أن الأقوال الخاصة ببشرية الرب كانت بحسب التدبير، وبحسب القياس الخاص بالإنسانية إذ أنه صار إنساناً.
لذلك فهم ينزلون به ويقولون إنه جوهرياً، يُحسب بين أولئك الذين هم أقل من الآب ويجمعون حججاً ليسندوا افتراءهم ضده، من الكتب المقدسة.
18- ولكن ها الآن، حتى الذين يقلدون جهلهم، يثورون بشدة ضد أولئك الذين لا يوافقوا على ثرثرات نسطوريوس الفارغة، ويحاصرون الإيمان الحقيقي الذي بلا لوم بعد أن يجمعوا معاً نفاية أفكارهم التي لا معنى لها. لأنهم يقولون إن بولس الموحى إليه من الله يقول عن المسيح مخلصنا جميعاً إنه "أخلى نفسه آخذاً صورة عبد صائراً في شبه الناس وإذ وُجِدَ في الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب. لذلك رفّعه الله أيضاً وأعطاه اسماً فوق كل اسم" (في2 : 6،9). وأيضاً في موضع آخر يقول: "إن الله كان في المسيح مصالحاً العالم لنفسه" (2كو5 : 19)، وأيضاً: "الذي فيه يحل كل ملء اللاهوت جسدياً " (كو2 : 9).
ويكفون أنفسهم مع أقوال بطرس الذي قال مرة: "يسوع الذي من الناصرة كيف مسحه الله بالروح القدس الذي جال يصنع خيراً ويشفي جميع المتسلط عليهم إبليس لأن الله كان معه" (أع10 : 38)، وأيضاً (مع أقوال بولس)، "الله الآن يأمر الناس في كل مكان أن يتوبوا متغاضياً عن أزمنة الجهل، لأنه أقام يوماً فيه مزمع أن يدين المسكونة بالعدل برجل فيه عينه مقدماً للجميع إيماناً من الأموات"(أع17 : 30،31).
19- وباقتباسهم هذه الكلمات وتلك التي قيلت بطريقة أخرى بحسب بشريته، وبصياغتهم لمجادلات حادة من أفكارهم البائسة فإنهم يسألون على التو: لمن قد أعطى الله الآب الاسم الذي فوق كل اسم؟ هل لكلمته الذاتي؟ ويقولون، كيف لا يكون ذلك ببساطة أمراً لا يصدق، لأنه كان دائماً الإله، المولود منه بحسب الطبيعة. فهذا الاسم يجب أن يعتبر بحق الاسم الذي فوق كل اسم. لأنه ما هو الاسم الذي بطبيعته يفوق اسم الله. ومن هو الذي مسحه بالروح القدس، أو من هو الذي كان الله معه؟ وإذ يقدمون موضوعات أخرى إلى جانب ذلك، فإنهم يخلطون الأمور خلطاً شديداً ويملأون أذهان البسطاء اضطراباً.
20- ولأنهم يصنعون تمايزات من جميع النواحي، إذ أنهم "نفسانيون لا روح لهم" (يهوذا : 19)، ولأنهم يقسمون المسيح والابن والرب الواحد إلى ابنين، فسوف يقعون في الشرك بسبب محاولاتهم الخاصة لأنهم يتظاهرون بالاعتراف بمسيح وابن واحد ويقولون إن شخصه واحد، ولكنهم يعودون فيقسمونه إلى أقنومين منفصلين ومفترقين أحدهما عن الآخر، فيمحون تعليم السر كلية. وهم في الواقع يقولون إن الذي ولد من امرأة أي صورة العبد، نال الاسم الذي فوق كل اسم، على حدة وبمفرده، وخضع لمسحة الروح القدس وحصل على الدوام على وجود الله معه، أي الكلمة الذي من الله الآب. ولكنه ظاهر أنهم يقذفون بقوة بمجادلات تفوح منها رائحة الحماقة الكريهة إلى أقصى حد. "ولكونهم أشرار" فلن يستطيعوا "أن يتكلموا بالصالحات "، بحسب قول المخلص (أنظر متى12 : 34).
21- فالذي له ميلاد غير المنظور وغير المُدرك من الله الآب، يُعترف أنه كان ولا يزال على الدوام إلهاً ورباً. فبسبب أنه ولد من امرأة بحسب الجسد بطريقة عجيبة وتفوق التعبير، بحلول الروح القدس عليها وتظليل قوة الله لها (أنظر لوقا1 : 35)، وبسبب أنه احتمل ميلاداً مثل ميلادنا لأننا هكذا نقرر أنه "أخلى نفسه ووضع نفسه وصار مطيعاً حتى الموت والصليب" (أنظر في2 : 6،9)، وبهذه الطريقة يُقَرر بحق أنه "نال الاسم الذي فوق كل اسم، لكي تجثو كل ركبة ممن في السماء وعلى الأرض ومن تحت الأرض، ويعترف كل لسان أن الرب يسوع المسيح هو في مجد الله الآب" (أنظر في2 : 9،11).
22- لأن الطبيعة العاقلة لا تجهل الكلمة الذي صار إنساناً هو الله. لأنه إن كان قد" أخذ الذي لنا"، واشترك مثلنا في الدم واللحم (أنظر عب2 : 14)، فهو مع ذلك لم يتخل عن أن يكون إلهاً ولا جعله يطرح جانباً أن يكون ما كان عليه، لأنه ظل معبوداً في مجد الله الآب. لأن المجد الذي له (أي لله الآب) هو أن يكون له ابنه الذاتي مالكاً معه ومعبوداً معه حتى رغم أنه قد صار إنساناً حسب التدبير لكيما يخلص كل من هم تحت السماء.
23- لذلك فحينما أومن به من قبل الملائكة القديسين ومن قبلنا نحن الذين على الأرض، أنه هو الله بالطبيعة والحق حتى وهو في الجسد، حينئذ فهو يُعرف أنه أخذ الاسم الذي هو فوق كل اسم. ليس أنه اكتسب هذا الأمر بواسطة الازدياد، لأن الذي كان وهو كائن وسيكون على الدوام، كيف أن يأخذ كواحد ليس له، بل بالحري فإن الله الآب أنار عقول الجميع ولم يسمح أن يبقى غير معروف كون الكلمة المتجسد هو الله بالطبيعة لأنه يقول: "لا يقدر أحد أن يأتي إلىّ إن لم يجتذبه الآب الذي أرسلني " (يو6 : 44).
24- وهذه المَسحَة أيضاً صارت له بحسب ناسوته. وكما أنه من البديهي أن الآب قدوس هكذا الابن الوحيد المولود منه، فهو قدوس بالطبيعة. لذلك يقال إنه مُسِحَ مثلنا أي تَقدّس من الآب حسبما اتضح أنه إنسان. لذلك يقال فإن بولس الحكيم جداً يكتب عنه وعنا أيضاً : "لأن المُقّدِس والمُقدسين جميعهم من واحد، فلهذا السبب لا يستحي أن يدعوهم إخوة قائلاً: "أخبر باسمك إخوتي" (عب2 : 11،12).
لذلك فلأن الوحيد الجنس - الذي هو قدوس بالطبيعة وهو مقِدّس الخليقة حمل لقب "الأخ" لنا، لذلك يقال إنه مُسِحَ إنسانياً كواحد منا، غير محتقر القياس الخاص واللائق ببشريته، بسبب التدبير لأنه هكذا يتحدث إلى المعمدان الموحى إليه من الله قائلاً: "يليق بنا أن نكمل كل بر" (مت3 : 15).
25- ولكن إن كان يقال إن الله يمكن إن يكون معه، فكيف جهل أولئك السفسطائيون المتشددون أن الآب، هو دائماً بالطبيعة مع الابن وهو فيه وحاصلاً عليه في ذاته. أو لم يتذكروا قول المسيح: "أنا معكم زماناً هذه مدته ولم تعرفني يا فيلبس؟ الذي رآني فقد رأي الآب" (يو14 : 9)، و" أنا والآب واحد" (يو10 : 3)، و"ألست تؤمن أني أنا في الآب والآب فيّ" (يو14 : 10). ولكنه كلّم تلاميذه القديسين في موضع آخر قائلاً: "هوذا تأتي ساعة وقد أتت الآن تتفرقون فيها كل واحد إلى خاصته وتتركونني وحدي. أنا لست وحدي لأن الآب معي" (يو16 : 32). وليس كما يظن - أولئك الذين بحماقة امتلئوا بتقيات آخرين - أن الكلمة وهو الله كان مثلما يكون ابن مع ابن آخر مغاير، أي الإنسان الذي أُخذ (هذا قطع وتقسيم يؤدي إلى وجود ابنين اثنين)، ولكن الله الآب كان مع ابنه أي مع كلمة الله المتجسد والمتأنس، لأن الآب غير منفصل عن الابن.
26- وحتى إن كان الله "مزمعاً أن يدين المسكونة برجل قد عينه فلا ينبغي أن يظن أحد - وهو يفكر تفكيراً سليماً - أن الكتاب المقدس يقول إن الابن الوحيد الجنس كما لو كان في إنسان معتبراً على حدة غير الابن الذي ولد من امرأة - سوف يدين كل من تحت السماء. ولكننا تقرر بالحري بجرأة، أن هذا بالضرورة هو الأمر المقدس الذي يلزم التفكير فيه، وهو نفس الأمر الذي يقوله المسيح: "لأن الآب لا يدين أحداً، بل قد أعطى كل الدينونة الابن، لكي يكرم الجميع الابن كما يكرمون الآب" (يو5 : 22،23).
لأن الله الكلمة بعد أن تأنس وحُسب بين الناس وسمي إنساناً معنا، إلا أنه مع ذلك فسوف يكون دياناً وإذ هو الرب والابن الوحيد (أنظر 1كو8 : 6)، حيث إن الله الآب يكون فيه حينئذ (أنظر يو14 : 11). وكما قلت، فإنه له الآب فيه وهو في الآب. وكما يوجد إله واحد يسوع المسيح الذي به كل الأشياء.
27- ومع ذلك، فهم يحرّفون حتى ما قيل بصواب بولس المبارك، ويجعلونه أمراً قبيحاً، لأنه قال بصواب تام: "كان الله في المسيح مصالحاً العالم لنفسه" (2كو5 : 19)، ولكنهم يصنعون قطعاً غائراً في المسيح والابن الواحد فاصلين إياه تماماً عن الله الكلمة ويزعمون أنه موجود في مسيح مختلف معتبراً على حدة، لكي ما يعتبر أنه حاصل على حلول لأي إنسان بدلاً من أن يكون قد تجسد. ولكن أيها الناس الحكماء، فإن الكتاب المقدس لا يوافق على أن يكون هذه الأمور صحيح. لقد خلطتم القراءة مع معاني الأفكار بأن قبلتموها إلى ما هو غير مناسب. إلا أنه من الضروري من جهتنا أن "نستأثر كل فكر إلى طاعة المسيح" (2كو10 : 5) كما هو مكتوب. لأن الله كان بنفسه مصالحاً العالم في المسيح. فحينما نصطلح مع المسيح فإننا نصنع المصالحة مع الله الآب، حيث أن الكلمة المولود منه ليس مختلفاً عنه من جهة ذاتية الجوهر. وهو لا ينقص نفسه حتى وإن صار إنساناً طالما أنه هو الابن الواحد بالطبيعة. وقد كان هو هكذا حتى بعد أن تجسد، فمن يستطيع أن ينكر لنا مصالحة في المسيح وأنه "هو سلامنا" (أفسس2 : 14). لأنه" هو الباب" (يو10 : 7)، "وهو الطريق " (يو2 : 14)، "وفيه يحل ملء اللاهوت جسدياً" (كو2 : 9).
28- ولكن من هو شديد في الرأي وحاذق في الافتراء، ويمد أذنيه إلى أعلا، ويقول: إن يُقال إن الذي يحل هو واحد، وبالمثل فإن الذي يتم فيه الحلول هو آخر، فكيف لا يكون من اللازم أن نفصل الأقنومين ونقول أن كلً منهما قائم بذاته على حدة. ثم أخبرني بعد ذلك كيف يبقى هناك شخص؟ لأنهم إن كانوا يتظاهرون بالقول بشخص واحد للمسيح، بينما أن هناك أقنومين منفصلين ومتميزين، فبالضرورة هناك شخصان أيضاً. ولكنهم يأتون كأنهم مشّرعون ويؤكدون بكل الوسائل وبكل طريقة ما يبدو لهم أنه صحيح. لأنهم يقولون: نحن نوحّد الشخص في الوقت الذي فيه يفصلون الأقنومين.
29- ولكن كيف لا يكون هذا غير معقول، وغباوة ومحيراً؟ وكما قلت، فإن الإنسان سوف يدرك بالنظر العقلي أن الجسد هو من جوهر آخر غير الكلمة المتحد به. ولكن حيث إن الكتب الإلهية الموحي بها تقول إن هناك ابناً ومسيحاً ورباً واحداً، وتقليد الإيمان يقول هذا أيضاً، وليس شيئاً آخر، فنحن بتأكيد على الإتحاد غير المنفصل الذي لكلمة الله الآب مع الجسد المحيي بنفس عاقلة، فإننا نعترف بوجود مسيح وأبن واحد. وحيث إن هناك ابناً واحداً، فنحن نقول إن شخصه واحد، تابعين في ذلك من جميع النواحي، الكرازة الإلهية المقدسة وتابعين أولئك الذين كانوا منذ البدء شهود عيان وخداماً للكلمة.
ولكننا نرفض من الشركة معنا[145] أولئك الذين قد اعتادوا أن يفكروا شيئاً مختلفاً عن هذا، وقد انحرفوا إلى ما لا ينبغي أن يكونوه باختراع قياسات غير ملائمة، قائلين لهم: "اسلكوا بنور ناركم وبالشرار الذي أوقدتموه" (إش50 : 11).
30- ولكن حيث إنني علمت أن بعضاً من هؤلاء الناس الأغبياء يتجولون قائلين إن تعليم نسطوريوس المنحرف قد انتشر بين كل الأساقفة المتقين لله في الشرق وأنهم يعتبرونه تعليماً صحيحاً ومن الضروري إتباعه، لذلك فكرت أنه ينبغي إيضاح الآتي،[146] وهو أن الأساقفة المتقين لله جداً في كل الشرق مع سيدي يوحنا، أسقف كنيسة أنطاكية المتقي لله جداً، جعلوا الأمر واضحاً للجميع من خلال اعتراف مكتوب وواضح أنهم يدينون :الابتداعات الدنسة" (1تيمو6 : 20) التي لنسطوريوس ويحرمونها معنا ولم يفكروا أبداً أنها جديرة بأي إعتبار، بل يتبعون التعاليم الإنجيلية والرسولية ولا يسيئون بأي طريقة إلى اعتراف الآباء.
31- لأنهم أيضاً اعترفوا معنا أن العذراء القديسة هي والدة الإله، ولم يضيفوا أنها والدة المسيح أو والدة إنسان، كما يقول أولئك الذين يدافعون عن أراء نسطوريوس التعيسة والكريهة. أما (الأولون) فيقولون بكل وضوح أنه يوجد مسيح وابن ورب واحد، الله الكلمة المولود بطريقة تفوق الإدراك من الله الآب قبل كل الدهور، وأنه وُلِدَ في الأزمنة الأخيرة من امرأة بحسب الجسد.
وهكذا فهو إله وفي نفس الوقت إنسان(إله وإنسان معاً)، كامل في الألوهية وكامل في الإنسانية، ويؤمنون أن شخصه واحد، غير مقسّمينه بأية طريقة إلى ابنين، أو مسيحين، أو ربين. لذلك فإن كان بعض شيء مختلف عن هذه الحقائق، فلا ينبغي تصديقهم، بل ينبغي طرحهم بعيداً كخادعين وأفاكين، لينحدروا إلى أبيهم الشيطان، فلا يزعجون أولئك الذين يرغبون أن يسلكوا باستقامة.
فإن زور بعض الناس خطابات لخدمة أغراضهم الخاصة، وأذاعوها كما لو بواسطة أشخاص أكثر منهم شهرة، فينبغي عدم تصديقهم لأنه كيف لأولئك الذين اعترفوا بالإيمان كتابة أن يكتبوا شيئاً مغايراً، كما لو كان قد حملهم الندم إلى حالة لا يرغبون فيها أن يفكروا حسب الحق.
32- سلم على الإخوة الذين معك. الإخوة الذين معنا يحيونك في الرب. وأصلي أن تكون قوياً في الرب.
وهذه الرسالة أيضاً، تأخذ نفس المنحى ولكن عكسياً. فبعد أن شرح الإيمان للأسقف فاليريان، تطرق إلى موضوع أساقفة الشرق وقال أننا وإياهم نؤمن نفس الإيمان. وطلب إلى فاليريان أن يقطع من الشركة من يقول غير هذا.
طبعاً يوجد هناك رسائل كثيرة للقديس كيرلس توضح ما نقوله، بأنه راح يُدافع عن نص المصالحة ويتبنى عباراته، ولكننا لسنا بصدد دراسة لاهوت القديس كيرلس. وإنما وضعنا هذه الرسائل لأن من يُلفق ويقول أن الصلح كان بغرض السلام فقط، قد استشهد بها. ولذلك أحببنا أن نتبين عدم صدق هذه الأقوال.
------------
الحواشي
-----------
[145] هنا نرى تأكيد القديس كيرلس على أنه لا يُساوم على الإيمان. وينفي كل ادعاء بأنه قد يصالح على حساب الإيمان القويم
[146] الآن سيبدأ بالدفاع عن نص المصالحة بينه وبين أساقفة الشرق، أي الأنطاكيين.

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات