Warning: preg_replace(): The /e modifier is deprecated, use preg_replace_callback instead in ..../includes/class_bbcode.php on line 2958

Warning: preg_replace(): The /e modifier is deprecated, use preg_replace_callback instead in ..../includes/class_bbcode.php on line 2958

Warning: preg_replace(): The /e modifier is deprecated, use preg_replace_callback instead in ..../includes/class_bbcode.php on line 2958

Warning: preg_replace(): The /e modifier is deprecated, use preg_replace_callback instead in ..../includes/class_bbcode.php on line 2958

Warning: preg_replace(): The /e modifier is deprecated, use preg_replace_callback instead in ..../includes/class_bbcode.php on line 2958

Warning: preg_replace(): The /e modifier is deprecated, use preg_replace_callback instead in ..../includes/class_bbcode.php on line 2958

Warning: preg_replace(): The /e modifier is deprecated, use preg_replace_callback instead in ..../includes/class_bbcode.php on line 2958

Warning: preg_replace(): The /e modifier is deprecated, use preg_replace_callback instead in ..../includes/class_bbcode.php on line 2958

Warning: preg_replace(): The /e modifier is deprecated, use preg_replace_callback instead in ..../includes/class_bbcode.php on line 2958
السنكسار اليومي { تم فهرسة السنكسار - انظر المشاركة الأولى } - الصفحة 5

الأعضاء الذين تم إشعارهم

صفحة 5 من 22 الأولىالأولى 12345678915 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 41 إلى 50 من 218

الموضوع: السنكسار اليومي { تم فهرسة السنكسار - انظر المشاركة الأولى }

  1. #41
    أخ/ت مبارك/ة الصورة الرمزية Mayda
    التسجيل: Sep 2007
    العضوية: 635
    هواياتي: Reading, Reading & Reading
    الحالة: Mayda غير متواجد حالياً
    المشاركات: 2,709

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    رد: السنكسار اليومي -7- كانون الأول

    [FRAME="11 70"](7 كانون الأول)

    * القديس أمبروسيوس أسقف ميلان *





    القديس أمبروسيوس أسقف ميلان

    (+367م
    )

    نشأته:
    ولد القدّيس أمبروسيوس في عاصمة بلاد الغال، أي فرنسا اليوم، سنة 334م أو ربما340م. كان أبوه، واسمه أمبروسيوس أيضاً، ضابطاً أعلى لشؤون فرنسا وإيطاليا وألمانيا وبريطانيا واسبانيا وموريتانيا. له أخوان مرسيلينا البتول وساتيروس، وكلاهما في الكنيسة قديس. وثمة قرابة تربطه بقديسة أخرى هي سوتيرا الشهيدة. رقد والده وهو صغير السن فعادت به أمه وبأخويه إلى روما، من حيث خرجت العائلة أصلاً.

    تلقى أمبروسيوس قسطاً وافراً من العلوم فدرس اليونانية ونبغ في البيان والفلسفة وبرز كخطيب مفوّه وشاعر أريحي. كل هذا ولم يكن بعد قد اعتمد، مع أنه من عائلة مسيحية، لأنه كان هناك اعتقاد شائع في أيامه أن من يسقط في الخطيئة بعد أن يكون قد اقتبل المعمودية يعرّض نفسه للهلاك. لهذا السبب جرى بعض الناس على عادة تأجيل معموديتهم إلى سن متقدمة. القديس أمبروسيوس كان من هذه الفئة من الناس، وكان ما يزال بعد في مصاف الموعوظين عندما تمّ اختياره أسقفاً لميلان في سن الرابعة والثلاثين.

    خرج أمبروسيوس إلى ميلان حيث كان مقر المحكمة العليا، فدرس القانون وبرع وشاع ذكره حتى بلغ أذني أنيسيوس بروبس، المولّى على إيطاليا فقرّبه إليه وجعله مستشاراً لديه ثم حاكماً لمقاطعتي ليغوريا وأميليّا اللتين ضمتا كلاً من ميلانو وتورينو والبندقية ورافينا وبولونيا. يذكر أن بروبس كان رجلاً مناقبياً فاضلاً نزيهاً حليماً. فلما أراد أن يزوّد أمبروسيوس بتوجيهاته لم يجد من النصح خيراً من حثّه على أن يحكم لا كقاض بل كأسقف.

    وبالفعل، سلك أمبروسيوس في حاكميته كأسقف، يقظاً، مستقيماً، رؤوفاً. ولما حانت الساعة لا حظ أهل ميلان أنه بالحقيقة أدنى إلى الأسقف منه إلى الحاكم فاختاروه أسقفاً عليهم.

    أسقفيته:
    مفاد ذلك أنه لما رقد أوكسنتيوس، أسقف ميلان، وكان آريوسياً، سنة 347م، اجتمع المؤمنون، صغاراً وكباراً، في الكنيسة الكبرى في المدينة ليختاروا له خلفاً. اختيار الأسقف، فيما يبدو، كان يتم يومذاك بالإعلان الشعبي. وإذ كان الشعب منقسماً على نفسه فقد تعذّرت تسمية أسقف يوافق عليه الجميع. وكادت تقع أعمال شغب فاستدعي الحاكم لضبط الوضع. فلما حضر وقف بالناس خطيباً فأعطاه الحاضرون سكوتاً عميقاً لأن الجميع كانوا يجلّونه. ففتح فاه ودعاهم إلى جعل اختيارهم بروح السلام ليكون لهم أن يختاروا الأفضل عليهم. اتسم كلامه بالحكمة والوداعة والعذوبة فلامس قلوب سامعيه وحوّل أنظارهم إليه، فهتفوا بصوت واحد: "أمبروسيوس أسقف!".

    لم يصدق أمبروسيوس، أول الأمر، لا عينيه ولا أذنيه. فلما استمر المحفل في الهتاف "أمبروسيوس أسقف!"، اضطرب وترك المكان للحال. ولما لحق به الناس حاول أن يظهر بمظهر الرجل العنيف ليردّهم عنه فلم يرتدّوا.

    فأقفل على نفسه إلى حلول الظلام. ولما خفتت الأصوات طلب الخروج من المدينة فهام على وجهه إلى الصباح، ولما عاد إلى نفسه وجد نفسه عند باب المدينة. واستمرت ملاحقة الناس له أياماً حاول خلالها التواري فباءت جميع محاولاته بالفشل إلى أن بلغ الخبر أذني الإمبراطور والنتنيانوس الأول فأنفذ أمراً بإلزامه بقبول الأسقفية. ولما لم يجد أمبروسيوس مفراً من الرضوخ أسلم نفسه لله وأذعن، فتمّت معموديته وارتقى الدرجات الكهنوتية حتى الأسقفية في غضون ثمانية أيام.

    وما أن ارتقى أمبروسيوس سدّة الأسقفية حتى عمد إلى توزيع ما اجتمع لديه من ذهب وفضة ومقتنيات على الفقراء، فيما وهب الكنيسة ما كان يملكه من أراض وعقارات. لم يترك من ثروته الطائلة غير نصيب متواضع اقتطعه لحاجات أخته مرسلينا المعيشية. وقد ذكر مترجمه أن تخلّيه عن غنى العالم وكراماته كان كلياً وبلا ندامة لدرجة أنه، مذ ذاك، لم تعد للمال والمجد الباطل وطأة عليه.

    بعد ذلك انصرف إلى دراسة الكتاب المقدّس وكتب الآباء ومعلمي الكنيسة، لاسيما القدّيس باسيليوس الكبير وأريجنيس المعلم. وقد اتخذ لنفسه مرشداً الكاهن سمبليسيانوس الذي خلفه أسقفاً وأحصي، لسيرته الفاضلة، بين القدّيسين.

    وقد جرى أمبروسيوس، منذ أول أسقفيته، على حفظ الإمساك بصرامة. أصوامه كانت يومية ما خلا في الآحاد والسبوت وأعياد بعض الشهداء. ولكي يجتنب الإسراف كان يمتنع عن قبول الدعوات إلى المآدب، لكنه كان يدعو الآخرين، أحياناً، إلى مائدة بسيطة متواضعة لديه. كان يقضي قسماً مهماًَ من ليله ونهاره في الصلاة، ويقيم الذبيحة الإلهية كل يوم ويعظ كل أحد.

    انصرافه إلى رعاية شعبه كان كاملاً. الفقراء في عينه كانوا الوكلاء والخازنين الذين يستودعهم مداخيله. اعتاد أن يستقبل الناس الوافدين إليه كل يوم طلباً لمشورة أو نصيحة. فإذا ما نفذ ما في يده كان مستعداً حتى لأن يبيع الأواني الكنسية ليسعف بها المحتاجين. وكان يقول: "إن إطعام الجياع حلالاً. وما كان ليتوسّط لإنسان في وظيفة لها علاقة بالقصر الملكي، ولا حاول البتة أن يقنع أحداً بالانخراط في العسكرية، لكنه كان يسعى أبداً إلى إنقاذ حياة المحكومين بالموت. اعتاد أن يبكي مع الباكين وأن يفرح مع الفرحين. كان على رقة ورأفة فائقين. الخطأة التائبون كان يرأف بهم رأفة عظيمة ويدعوهم إلى الإعتراف بخطاياهم ويبكي عليهم ومعهم. وكان يحث المؤمنين على المناولة بتواتر. ولا يختار أحداً إلى الكهنوت إلاّ بحرص عظيم.

    كان شديد العناية بكهنته، يحبّهم ويسهر على نفوسهم، يعلّمهم بالمثال ويرشدهم بالكلمة. الكاهن الصالح كان عنده كنزاً ثميناً عظيم القيمة، يفوق كل ما نتصّوره قدراً.

    كان يحب التبسّط في الكلام على بركات البتولية. أخته مرسيلينا كانت بتولاً. من نسميهم نحن اليوم راهبات كانوا يسمَّون في أيامه عذارى أو بتولات. بعض البتولات كان يبقى في دورهن وبعضهن كان يقتبل حياة الشركة. أخته كانت من الفئة الأولى. وقد سألته أن يكتب عن البتولية فوضع ثلاث مقالات في العذارى، عرض في الثالثة منها طريقة حياتهن فدعاهن إلى الاعتدال والامتناع عن زيارة الناس والانصراف إلى الصلاة والتأمل والبكاء والعمل بأيديهن لا ليؤمنّ لأنفسهن حاجات الجسد وحسب بل ليكون لهن ما يعطينه للمحتاجين. ويبدو من كلامه أن كثيرات كن يقبلن على الحياة البتولية بدليل سعيه إلى الإجابة على اعتراض قوم قالوا إن تزايد البتولات المكرّسات يشكل خطراً على البشرية لأن الراغبات في الزواج في تناقص مطّرد.


    أمبروسيوس والآريوسية:
    هذا وقد اهتمّ القدّيس أمبروسيوس بتنظيف أبرشيته من خمير الهرطقة الآريوسية حتى أنه في غضون اثني عشر عاماً من بدء أسقفيته، لم يبق على أرض ميلان مواطن واحد على الآريوسية ما خلا بعض الغوط وأفراد قلائل من العائلة المالكة. صلابته حيال الهراطقة والهراطقات كانت لا تلين. الإمبراطورة يوستينة الآريوسية حاربت بضراوة، لكنه تمكن بعون الله والتفاف المؤمنين حوله والصمود من رد خطرها عن نفسه وعن شعبه. مثل ذلك أنها أوفدت قرابة عيد الفصح من السنة 385م عدداً من خدامها تطلب منه أن يسلم إحدى كنائسه لأتباع آريوس لتكون لها ولعائلتها ولهم مكان صلاة، فامنتع. فأوفدت موظفين كباراً فردّهم. فبعثت بضباط يضعون اليد على الكنيسة فاهتاج الشعب وخطف أحد الكهنة الآريوسيين. فلما بلغ الخبر أذني الأسقف القديس أرسل للحال كهنة وشمامسة استعادوه سالماً لأنه لم يشأ أن تهرق نقطة دم واحدة. ولما جاء إليه قضاة يطلبون منه أن يسلم الكنيسة لأنها حق للإمبراطور، أجاب: "لو سألني ما هو لي، أرضي أو مالي، لما منعته عنه مع أن ما أملك هو للفقراء، ولكن ليس للإمبراطور الحق فيما هو لله..... إذا كان في نيتكم أن تكبلوني بالأصفاد أو أن تسلموني للموت، فأنا لا أستعفي. لن أحتمي بالناس ولا بالهيكل....". في المساء خرج أمبروسيوس من الكنيسة إلى بيته حتى إذا ما أراد الجند التعرض له لا يتأذّى أحد من المؤمنين. ثم في صباح اليوم التالي توجّه إلى الكنيسة العتيقة فألفى الجند يحيطون بالمكان فسأل بعض كهنته أن يذهبوا إلى الكنيسة الجديدة موضع النزاع ويقيموا الذبيحة الإلهية فيها، وإن تعرض لهم العسكر فليهددوهم بالحرم ففعلوا. وإذ كان الجند من حسني العبادة لم يتعرّضوا للكهنة بسوء فدخل هؤلاء الكنيسة وتمّموا الخدمة الإلهية وكان الجند بين الحاضرين. استمر الوضع مشدوداً لبعض الوقت وأمبروسيوس والشعب لا يلينون إلى أن اضطر الإمبراطور إلى التراجع عن موقفه.

    هذا كان فصلاً من فصول اضطهاد يوستينة للقديس أمبروسيوس والأرثوذكسيين.

    مرّات حاولت يوستينة ترحيله ففشلت ومرة أرسلت إليه من يضربه بالسيف فيبست يده، ومرة لازم الكنيسة أياماً والشعب من حوله, والكنيسة يحاصرها الجند ويمنع الخارجين منها. وفي عظة تفوّه بها قدّيسنا في تلك الحقبة السوداء خاطب الشعب المؤمن بمثل هذه الكلمات: "أخائفون أنتم أن أتخلى عنكم لأنجو لنفسي؟! لا! لا يمكنني أن أتخلى عن الكنيسة لأني أخاف سيد الخليقة أكثر مما أخاف سيد القصر. ربما أمكنهم أن يجرّروا جسدي خارجاً لكنهم لا يقدرون أن يفصلوني عن الكنيسة بالفكر..... لا تضطرب قلوبكم! لن أتخلى عنكم أبداً، ولكن لن أرد العنف بالعنف. بإمكاني أن أتنهد وأبكي. الدموع هي سلاحي الأوحد في مواجهة السيوف والجنود. ليس للأساقفة غير الدموع يدافعون بها عن شعبهم وعن أنفسهم. لا أستطيع, لا بل ليس لي الحق أن أقاوم بطريقة أخرى..... وإن راموا تصفيتي فليس لكم إلا أن تكونوا متفرجين لأنه إذا كانت هذه مشيئة الله فكل احتياطاتكم باطلة. من يحبّني يعطني أن أصير ضحيّة للمسيح.... لن أعطي لقيصر ما هو لله..... أيطالبوننا بالجزية؟ الكنيسة تدفعها! أيرغبون في عقاراتنا؟ بإمكانهم أن يأخذونها! ما يقرّبه الشعب المؤمن كاف لسد حاجة فقرائه. يأخذون علينا أننا ننفق بوفرة على الفقراء. هذا لا أنكره أبداً لأنه لي فخر. صلوات الفقراء هي حصني. أولئك العمي والمخلعون والمسنّون أشدّ بأساً من خيرة المحاربين... القيصر في الكنيسة هو لكنه ليس فوق الكنيسة...."

    أخيراً رقدت يوستينة واضطربت الظروف السياسية والعسكرية الإمبراطور والنتينيانوس الثاني، ابنها، أن يغيّر موقفه حتى إنه صار يعتبر القديس أمبروسيوس بمثابة أب له. وبقي كذلك حتى وفاته.

    يذكر، في مجال تحصين المؤمنين ضد الهرطقة الآريوسية، إن القديس أمبروسيوس عمد إلى وضع أناشيد تتضمّن حقائق الإيمان القويم أخذ الشعب في إنشادها. بالمناسبة، إلى القديس أمبروسيوس يعود الفضل في إدخال الترتيل المزموري على الأسلوب التناوبي المعروف في الشرق. هذا الأسلوب ازدهر في ميلان أولاً ثم انتقل إلى كل كنائس الغرب.

    مؤدب الملوك:
    وفي العام 390م جرت في تسالونيكي حوادث مؤسفة. أحد الضبّاط هناك احتجز سائقاً للعربات ممن يشتركون عادة في مباريات ميدان السباق في المدينة. السبب كان ارتكابه شائنة. وإذ بلغ الخبر الإمبراطور ثيودوسيوس وأن حالة من الفوضى تسود المدينة أمر العسكر بأن يحصدوا سبعة آلاف من سكانها في ثلاث ساعات. وهذا ما فعلوه بوحشية منقطعة النظير دونما تمييز بين مذنب وبريء، بين شيخ وفتى.

    وانتهى الخبر إلى القدّيس أمبروسيوس فكان حزنه على ما جرى عميقاً. لاسيما وثيودسيوس صديق حميم له.ثيودسيوس في تلك الفترة كان في ميلان والجوار. ميلان كانت المركز الإداري للشق الغربي من الإمبراطورية آنذاك. وإذ كان ثيودوسيوس، وقت حدوث الفاجعة، بعيداً يومين أو ثلاثة عن ميلان، وشاء أمبروسيوس أن يعطيه فرصة للعودة إلى نفسه قام فخرج من المدينة بعدما بعث إليه برسالة رقيقة صارمة حثّه فيها على التوبة وأعلمه أنه إلى أن يتمّم فروض التوبة كاملة فإنه لن يقبل تقدماته ولن يقيم الذبيحة الإلهية في حضرته. فمهما كان احترامه له فالله أولى، وليست محبته لجلالته للمحاباة بل لخلاص نفسه.

    وعاد الأسقف بعد حين إلى المدينة وجاء ثيودوسيوس على عادته إلى الكنيسة غير مبال بما سبق لأمبروسيوس أن وضعه عليه. فخرج إليه قديسنا خارج الكنيسة ومنعه من دخولها قائلاً له: يبدو، يا سيدي، أنك لا تدرك تمام الإدراك فظاعة المذبحة التي ارتكبت مؤخراً. لا يحولنّ بهاء أثوابك القرمزية دون اضطلاعك بأوهان ذلك الجسد الذي تغطيه. فأنت من طينة واحدة ومن تسود عليهم، وثمة سيد واحد لكلّ المسكونة. بأية عينين تعاين بيته؟ بأية قدمين تتقدّم إلى هيكله؟ كيف ترفع إليه في الصلاة تلك اليدين الملطختين بالدم المهراق ظلماً؟ أخرج من هنا ولا تزد على إثمك إثماً فتجعل جريمتك أفظع مما كانت. خذ عليك بهدوء النير الذي عيّنه لك الرب الإله. إنه نير صعب ولكنه دواء لصحة نفسك". فحاول ثيودوسيوس أن يخفّف من حدّة جريمته فقال: داود أيضاً أخطأ؛ فأجابه الأسقف: "إن من أخطأت نظيره عليك أن تتوب نظيره!".

    ورضخ ثيودوسيوس. إنكفأ عائداً إلى قصره وأقفل على نفسه في بكاء وتضرع إلى الرب الإله ثمانية أشهر. وجاءه أحد مستشاريه ممن نصحوه بضرب أهل تسالونيكي على نحو ما حدث، أقول جاءه مخففاً عنه عذاب الضمير وحزنه على نفسه من حيث أنه لم يفعل إلا ما تقتضيه الضرورة وتستلزمه المسؤولية فأجابه بدموع: "أنت لا تعرف ما في نفسي من القلق والاضطراب فأنا أبكي وأنوح على شقاوتي. كنيسة المسيح مشرّعة للشحّاذين والعبيد فيما أبواب الكنيسة، وبالتالي أبواب السماء، موصدة دوني، لأن الرب الإله قال: "كل ما تربطونه على الأرض يكون مربوطاً في السماء!".

    وخرج ثيودوسيوس إلى الأسقف قبل تمام توبته وسأله الحلّ من الخطايا فلم يشأ بل جعله في مصاف التائبين بعدما اعترف بجريمته علناً. وكان يركع عند باب الكنيسة ويردّد مع داود النبي: "نفسي لصقت بالتراب فأحيني حسب كلمتك" (مزمور25:118). وبقي على هذه الحال مدة من الزمان يضرب أحياناً صدره وأحياناً ينتف شعره فيما كانت الدموع تنهمر على خديه متوسلاً رحمة ربه، نائحاً. على خطيئته على مرأى من الناس الذين كان التأثر يبلغ بهم حدّ البكاء معه والتضرع إلى الرب من أجله. وقبل أن يمنحه القديس أمبروسيوس الحلّ من خطيئته ألزمه بإصدار مرسوم بإعطاء مهلة ثلاثين يومأ قبل تنفيذ أي قرار بمصادرة أملاك أحد من الناس أو الحكم عليه بالموت لئلا يكون القرار المتخذ بحقه قد اتخذ بتسرع أو عن هوى.

    إلى ذلك قيل أن ثيودوسيوس جاء إلى الكنيسة مرة وكان الوقت أحد الأعياد الكبرى. فبعدما قدّم قربانه على حسب العادة المتبعة بقي في حدود الهيكل حيث كان الإكليروس فسأله أمبروسيوس إذا كان يريد شيئاً، فقال: الاشتراك في القدسات! فبعث إليه برئيس شمامسته يقول له: "لا يحق، يا سيدي، إلا للإكليروس أن يقفوا في الهيكل. لذلك أسألك أن تخرج وتقف في مصاف الشعب. الرداء القرمزي يؤهلك للإدارة ولا يؤهلك للكهنوت". فخرج ثيودوسيوس عن طيبة خاطر ووقف بين العامة. ولما عاد إلى القسطنطينية بعد إقامة في الغرب استمرت قرابة الثلاث سنوات أبى أن يقف في الهيكل حيث كانت العادة هناك واكتفى بموضع خاص بين الناس وكان يقول بتنهد: "كم هو صعب عليّ أن أتعلم الفرق بين الكهنوت والإمبراطورية! ها أنا محاط بالمتملقين من كل صوب ولم أجد غير إنسان واحد قوّمني وقال لي الحق كله. أنا لا أعرف سوى أسقف أصيل واحد في المسكونة، وهذا الأسقف هو أمبروسيوس!".


    إشعاعه:
    هذا ويذكر مترجم القديس أمبروسيوس أنه أقام ميتاً في فلورنسا وطرد الأرواح الشرّيرة من بعض الناس وشفى عدداً من المرضى. كما جرى الكشف بهمته عن رفات عدد من القدّيسين أمثال بروتاسيوس وجرفاسيرس ونازاريوس وكلسيرس. هؤلاء تعيّد لهم الكنيسة المقدّسة مجتمعين يوم الرابع عشر من شهر تشرين الأول.

    وقد سطع بهاء قداسة القديس أمبروسيوس في كل مكان حتى إن بعض الفرس من ذوي الرفعة أتوه مستبركين مسترشدين، كما أن شعباً بربرياً يعرف بـ "المركوماني" اهتدى إلى المسيحية بتأثير منه.

    خلّف أمبروسيوس جيلاً من القدّيسين أمثال أوغسطينوس الذي عمّده سنة 387م وبولينوس النولي مترجمه وهو نوراتس وفيليكس.

    وقد كان رقاده يوم الرابع من نيسان سنة 397‏م، ليلة سبت النور، عن عمر ناهز السابعة والخمسين. أما عيده في السابع من كانون الأول فلسيامته يحصى القديس أمبروسيوس في عداد آباء الكنيسة الغربية الأربعة الكبار بجانب كل من إيرونيموس وأوغسطينوس وغريغوريوس الكبير.


    طروبارية باللحن الرابع
    بِمَا أنَّكَ مُعَلِّمٌ إِلهيّ ورَئِيسُ كَهَنَةٍ حَكيم تَقودُ المُؤمِنينَ إِلى حَقائِقِ العَقائِدِ أيُّها البَارُّ أُمبروسيوسْ مُبَدِّداً ضَلالةَ المُهَرْطِقينَّ بِأقْوالِكْ ومُظْهِراً نِعْمَةَ حُسْنِ العِبادَةِ المُعْطاةِ مِنَ اللهْ فَأحْفَظْ بِها مُكَرِميكَ سَالِمينَ مِنَ الأذىْ.
    [/FRAME]

  2. #42
    أخ/ت مبارك/ة الصورة الرمزية Mayda
    التسجيل: Sep 2007
    العضوية: 635
    هواياتي: Reading, Reading & Reading
    الحالة: Mayda غير متواجد حالياً
    المشاركات: 2,709

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    رد: السنكسار اليومي -8- كانون الأول

    [FRAME="11 70"](8 كانون الأول)

    * القديس باطابيوس البار *



    القديس البار باطابيوس



    لا نعرف تماماً متى عاش القدّيس باطابيوس. بعض الدارسين يجعل رقاده في القرن السابع الميلادي.
    ‏ولد في صعيد مصر لعائلة تقية. أحسّ ببطلان العالم بقوة منذ نعومة أظفاره فمال عن الحياة الدنيا إلى الحياة الرهبانية الملائكية.

    ‏خرج إلى الصحراء لا يدري كيف يتدبر ولا ماذا يعمل ولا إلى أين يتجه. شوقه أخرجه إليها كما أخرج الكثيرين من قبله. وهج النور الإلهي الساكن في مقتحمي البرّية الأبرار، في تلك الأيّام، جذب الكثيرين إليها. وإذ ألقى باطابيوس بنفسه في أحضان الصحراء ظنّ، بكل بساطة، أنه إنما يلقي بنفسه، بالإيمان، في أحضان الله الحي. ولم يخيبه ربه، لأن من قال: "كل من يأتي إليّ لا أطرحه خارجاً"، و "لا أهملك ولا أتركك"، تلقّف عبده برحمته ورعاه بحنانه، فنما باطابيوس في النعمة والقامة وتكمّل في الهدوء وكل فضيلة وماثل المعلم في الوداعة وتواضع القلب، فمّن عليه المعلم بمواهب جمّة حتى صار منارة لكثيرين ومشفى لأدواء العديدين.

    ‏وسطع نور الرب في عبده فاهتدى إليه الناس وصاروا يتدفّقون عليه. وخشي باطابيوس، من كثرة المقبلين إليه، أن يخسر سيرة الهدوء والصلاة المستمرة ففكر بالانتقال إلى مكان آخر لا يدري بأمره فيه أحد. ولكن، إلى أين؟ إلى عمق الصحراء؟ كلا، بل إلى عمق المدينة وصحراء الغربة فيها، إلى المدينة المتملكة، القسطنطينية! هذا ما أوحت به إليه عناية ربّه فانتقل إلى موضع قريب من كنيسة السيدة في ناحية بلاشيرن المعروفة في قلب القسطنطينية.

    ‏نعِم قدّيسنا بالهدوء في "برّية القسطنطينية" ردحاً من الزمان. قسى ‏على نفسه فيها أكثر من ذي قبل. عاد لا يبالي بالكلية لا بطعام ولا بلباس. صار كملاك في الجسد. وقد تقدّم في صلاة القلب إلى حد أنه تمكّن، بنعمة الله، من الارتقاء إلى السموات ومعاينة القوّات العلوية تمجّد الله على الدوام.

    ‏شفاء الأعمى:
    ‏يحكى أن شاباً تقياً فاضلاً كان أعمى منذ مولده. هذا سمع بفضائل القدّيس ونعمة الله عليه. فقدم إليه وفعل ما فعله أعمى أريحا (مرقس64:10...) لما درى بمرور السيد بقربه. أخذ الشاب يصرخ إلى القديس: "ارحمني يا ابن النور والنعمة، ارحمني باسم الرب! أنر عينيّ لأتمكن، أنا غير المستحق، من رؤية خليقة الله وشكره عليها!". فتحنّن عليه القديس ورثى لحاله. وإذ عرف بروحه أن له إيماناً ليشفى، سأله، عن تواضع، مريداً أن يعطي المجد لله: "ما الذي تراه فيّ، يا بني، لتسألني أن أشفيك مع أن الله وحده الشافي؟". فأجابه الشاب بدموع: أنا واثق يا أبي أنك قادر أن تفتح عينيّ لأنك خادم لله! إذ ذاك رفع القدّيس صوته قائلاً له: باسم الرب يسوع المسيح الذي يرّد البصر للعميان ويقيم الموتى ليَعدْ إليك نور عينيك! فلما قال هذا انفتحت للحال عينا الأعمى وأبصر كل شيء من حوله بوضوح. فمجّد الله بفرح عظيم، وكذا فعل الحاضرون، وتعجبوا بالأكثر لأنهم كانوا يعلمون أن الإنسان الذي جرت له الآية أعمى منذ مولده.

    ‏رجل ممعود:
    ‏كان رجل يعاني من انتفاخ مؤلم في معدته فعرض نفسه على أطباء كثيرين فلم ينتفع شيئاً. أنفق كل ما كان له ولم يجد أحد علاجاً لحاله، لا بل ساء وضعه وانحبست المياه في بدنه وانتفخ كله. فلما يئس من عون الناس ذهب إلى قديس الله فألفاه القديس في أسوأ حال لأن جلده كان قد أضحى كجلد الماعز وكان يعاني آلاماً فظيعة. فصلّى القديس بدموع ورسم عليه إشارة الصليب ودهنه بالزيت المقدس قائلاً له: الرب الإله يشفيك اليوم برحمته، يا بني! وللحال انفتحت مسام جلده وخرجت منها مياه قذرة كريهة الرائحة واستمرت كذلك إلى أن شفي تماماً. ففرح وشكر ومجّد الله كثيراً.

    الشاب والروح الخبيث:
    ‏كان في شاب روح خبيث تسلّط عليه بالكلية، فكان يمزّق ثيابه ويركض عرياناً. وكان الروح الخبيث يدفعه إلى النار والماء ليميته فصار في خطر مبين.
    وحدث أن سار الروح الخبيث بالشاب مرة إلى البحر ليلقيه فيه. وفي الطريق،مرّ بالقديس. فلما عاين الروح الخبيث رجل الله صرع الشاب للحال واهتاج فيه حتى صارت عينا الشاب تتحركان بتوتر في كل اتجاه وتنقلبان وأخذ يتمرّغ ويُزبد ويصرّ بأسنانه. فدنا منه قديس الله، فاضطرب الروح الخبيث بالأكثر، وسُمع يقول: ما هذه المصيبة التي حلّت بي؟! أإلى هنا أتى باطابيوس أيضاً؟! إلى أين أذهب بعد اليوم؟! إلى أين أهرب منك أيها الناصري؟! أذهب إلى الصحراء فتطردني! أذهب إلى المدينة فتخرجني! وأنا بعلامة الصليب أُضرب وأتحطّم!

    ‏ولما تلفّظ الروح الخبيث بهذه الكلمات رفع الشاب في الهواء وأخذ يخبطه.
    إذ ذاك رفع القديس يمينه ورسم إشارة الصليب في الهواء قائلاً: اخرج أيها الروح الخبيث من هذا الشاب إلى البرّية ولا تعد إليه! الرب يسوع المسيح يأمرك بي، يا من تعترف بقوته مرغماً!
    ‏ولما قال قديس الله هذا سقط الشاب أرضاً وخرج منه الروح الخبيث كغيمة دخان. فبكى الشاب من الفرح ومجّد الله وشكر قديسه.

    ‏سرطان الثدي:
    ‏امرأة كانت تعاني من سرطان الثدي ساءت حالها جداً وأخذ الدود يخرج من صدرها. كانت قد أنفقت كل معيشتها على الأطباء ولم تستفد شيئاً. لم تعد لها طاقة على الحياة فطلبت الموت. هذه سمعت بالقديس باطابيوس فذهبت إليه وسجدت عند قدميه وتوسلت إليه: اشفني يا خادم الله أنا البائسة! ارأف بي أنا الشقية! حتى قبل أن أسكن القبر يأكلني الدود! وأنا في أوجاع لا تطاق! فقال لها القديس: إذا كان لك إيمان بالرب يسوع ولا تشكّين فهو يشفيك! فتنهدت المرأة بدموع وقالت له: أؤمن بالرب يسوع القادر على كل شيء وأومن بأنه رحيم وهو يشفيني! فسألها القديس أن تريه موضع المرض، فأرته إياه فتعجّب وقال لها: مرضك صعب يا امرأة، ولكن بالإيمان كل صعوبة تهون. لذلك أقول لك اذهبي بسلام. أنت منذ الآن معافاة من دائك. فشفيت المرأة من ساعتها وذهبت تمجّد الله بفرح عظيم. ولم تترك أحداً مرّت به إلاّ أخبرته بما فعل لها رجل الله حتى شهرته بين الناس.

    رقاده:
    ‏كان رقاد القديس، كما يبدو من سيرته، في أحد الديورة لأن الذين اجتمعوا إليه ليودعوه كانوا من النسّاك. كانوا شديدي الحزن على قرب مغادرته لهم. فما كان منه سوى أن عزّاهم وكلّمهم عن الحياة الأبدية وسألهم الصلاة عنه وعن أنفسهم. ولما استكمل كلامه استودع روحه بين يدي الله بسلام وفرح. وقد دفن في كنيسة القديس يوحنا المعمدان.

    طروبارية باللحن الثامن
    بكَ حفظت الصورة باحتراس وثيق، أيها الأب بطابيوس. لأنكَ قد حملتَ الصليب فتبعتَ المسيح، وعملتَ وعلَّمتَ أن يُتغاضى عن الجسد لأنهُ يزول، ويهتَّم بأمور النفس غير المائتة. فلذلك أيها البارَّ تبتهج روحُكَ مع الملائكة.

    قنداق باللحن الرابع
    إن الشعوب إذ قد وجدوا هيكلك أيها القديس مستشفى روحيّاً، فهم يتقدمون إليه برغبةٍ، مستمدين أن ينالوا شفاء الأسقام، وغفران ذنوب الحياة، لأنكَ قد ظهرتَ منجداً لجميع الذين في الشدائد أيها البار بطابيوس
    [/FRAME]

  3. #43
    أخ/ت مبارك/ة الصورة الرمزية Mayda
    التسجيل: Sep 2007
    العضوية: 635
    هواياتي: Reading, Reading & Reading
    الحالة: Mayda غير متواجد حالياً
    المشاركات: 2,709

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    رد: السنكسار اليومي -9- كانون الأول

    [FRAME="11 70"]
    (9 كانون الأول)


    * حبل القديسة حنّة جدّة المسيح الإله *



    حبل القديسة حنّة بمريم، والدة الإله

    ‏لا ذكر لجدّي الإله, يواكيم وحنّة, في كتب العهد الجديد. ولكن شاع ذكرهما في الكنيسة, في أورشليم, أقلّه منذ القرن الرابع الميلادي. وعن أورشليم أخذت الكنيسة الجامعة ما يختص بهما.

    ‏الصورة المتداولة في التراث الكنسي عن يواكيم وحنّة أنهما كانا زوجين تقيّين مباركين سالكين بمخافة الله. ولكن لم يكن لهما ولد لأن حنّة كانت عاقراً. هذا النقص في حياة يواكيم وحنّة كان لهما سبب حزن وضيق ليس فقط لأنه من المفترض أن يتكمّل الزواج بالإنجاب بل, كذلك, لأن العقم, في تلك الأيام, كان الناس يعتبرونه عاراً, وفي نظر الكثيرين من اليهود لعنة أو تخلياً من الله.

    لهذا كان هذان الزوجان الفاضلان لا يكفّان عن الصلاة بحرارة إلى الرب الإله ليفتح رحم حنّة ويمنّ عليهما بثمرة البطن. ولكن لم يشأ الرب الإله أن يلبي رغبة قلبيهما حتى جاوزت حنّة سن الإنجاب. لم يكن هذا إعراضاً من الله عنهما بل تدبيراً لأن قصده, كما ظهر فيما بعد, كان أنيعطيهما, ويعطي البشرية من خلالهما, أعظم عطيّة. ولكي لا يشكّ أحد في أن ما حدث هو من الله ترك حنّة تتجاوز سن الإنجاب.

    ‏استمر يواكيم وحنّة في الصلاة إلى العليّ بحرارة حتى بعد فوات الأوان على حنّة. وكان هذا تعبيراً عن ثقتهما الكاملة بالله أنه قادر على كل شيء. وفي العهد القديم أكثر من مثل عن نساء مباركات أنعم الرب عليهن بثمرة البطن بعد أن كنّ عاقرات, كحنّة أم صموئيل النبي, وبعضهن تجاوز سن الإنجاب كسارة. أما الرب الإله فارتضى مثل هذا التدبير لأنه شاء أن يكونالمولود الآتي لا ثمر الطبيعة البشرية وحسب, بل ثمر النعمة بالأولى.

    ‏فلما حان زمان افتقاد يواكيم وحنّة, أرسل الرب الإله ملاكه إلى حنّة وبشّرها بأن صلاتها وصلاة زوجها قد استجيبت وأن العليّ سوف ينعم عليهما بمولود يكون بركة عظيمة لكل المسكونة. وآمن يواكيم وحنّة بكلام الملاك. وحبلت حنّة وأنجبت, في زمن الولادة, مولوداً أنثى, مريم المباركة, والدة الإله.

    ‏الحبل بمريم:
    ‏ولئن كانت ولادة مريم بتدخّل من الله فإن الحبل بها كان بحسب ناموسالطبيعة, أي إن الحبل بها جاء على أثر لقاء يواكيم وحنّة بالجسد, مثلهما مثل أي زوجين عاديين, وأن ما ورثته عن أبيها وأمها, لجهة الطبيعة البشرية, هو ما يرثه كل مولود عن أبويه, أي, بصورة خاصة, العبودية للموت والنزعة إلى الخطيئة أي إلى صنع ما يخالف الله. هذا الميل إلى الخطيئة هو بالذات ما عبّر عنه المرنّم في المزمور الخمسين حين قال إنه "بالخطيئة ولدتني أمي".

    هذه الحالة التي هي نصيبنا جميعاً لا ذنب لأحد منا فيها, بل هي الحالة التي ورثناها عن أدم وحوّاء بعدما خطئا إلى الرب الإله وسقطا من الحالة التي كانا يتمتعان بها في الفردوس. وهذا ما عبّر عنه الرسول بولس حين قال: إنه "بإنسان واحد دخلت الخطيئة إلى العالموبالخطيئة دخل الموت" (رومية12:5). مريم, والدة الإله, إذاً, هي واحدة منا ولا تختلف عنا في ما ورثناه عن أدم وحوّاء, لذلك عندما سرّ الربّ الإله وارتضى أن يسكن فيها ويولد منها, سرّ وارتضى أن يسكن, من خلال مريم, فينا جميعاً لأن مريم واحدة منا في الطبيعة البشرية وفي الحالة التي صارت إليها الطبيعة البشرية. مريم, بهذا المعنى, هي باكورة الخليقة الجديدة، حوّاء الجديدة, أمّنا جميعاً, كما كانت حوّاء الأولى باكورة الخليقة العتيقة. ومريم أيضاً رمز الخليقة الجديدة.

    ‏نقول هذا لأننا نريد أن ننبّه إلى أن الرب يسوع المسيح وحده, دون سائر البشر- بمن فيهم مريم- كان حرّاً من الموت ومن دون أي ميل إلى الخطيئة. كما نلفت إلى أن مريم, والدة الإله, كانت طاهرة لا بسبب خلوّ الطبيعة البشرية التي اتخذتها من أي نزعة إلى الخطيئة, بل لأنها, شخصياً, كانت بارّة, لا بل أبرّ أهل الأرض, زهرة البشرية بكل معنى الكلمة, وكذلك لأن الروح القدس حلّ عليها وقوة العليّ ظلّلتها (لوقا35:1).

    ‏هذا هو موقف كنيستنا الأرثوذكسية. وليس هذا هو موقف الكنيسة الكاثوليكية التي تدعي أن مريم, من لحظة الحبل بها, كانت حرّة من الموت ومن أي نزعة إلى الخطيئة, تماماً كالرب يسوع المسيح نفسه له المجد. أي أن مريم, بلغة الكنيسة الكاثوليكية, كانت حرّة من "الخطيئة الجدّية". هذا هو مضمون عقيدة الحبل بلا دنس عند الكاثوليك, التي أعلنت كعقيدة ملزمة، لأول مرة, بعدما كانت رأياً في الكنيسة, في8 كانون الأوّل سنة 1854م.

    حبل حنّة في الخدمة الليتورجية:
    لو نظرنا في المعاني التي تتضمنها خدمة هذا العيد, اليوم, لبانت لنا ملامح الصورة التي ترسمها الكنيسة له. دونك بعض هذه المعاني:

    1‏- حنّة امرأة عاقر لكنها عفيفة, متألهة العزم, حفظت, هي وزوجها, بدقة, شريعة الله وتممت سننها وعبدت الله بغير عيب. لهذا السبب استجاب الله صلاتها وأزال عار عقرها وشفى بالأوجاع قلباً موجعاً, فحملت حنّة التي ستلد بالحقيقة معطي الشريعة. لذلك نحن المؤمنين نغبطها.

    2- ليس يواكيم وحنّة وحدهما المعنيّين. كل البشرية معنية بهذا الحدثالعظيم. فيه تتجدّد وبه تبتهج لأن "عار العقر قد زال بجملته". النصوص تتحدث عن حنّة, أحياناً, بلغة المفرد وأحياناً بلغة الجمع. حنّة رمز للبشرية العاقر التي سرّ الرب الإله أن يخصبها بالحياة. خدمة اليوم تدعو الجميع إلى الفرح بالعيد. يا آدم وحوّاء, ويا إبراهيم ويا جميع رؤساء الآباء ويا جميع القبائل ويا أقطار الأرض اطرحوا عنكم الحزن وابتهجوا لأن علّة الفرح والخلاص للعالم تنبت اليوم من بطن عادم الثمر.

    3 ‏- اليوم تمّت أقوال الأنبياء. كل الرموز التي أشاروا بها إلى والدة الإله تحقّقت. لهذا السبب قالت إحدى أناشيد اليوم: "إن الجبل المقدّس يستقر في الأحضان. والسلم الإلهية تنتصب. والعرش العظيم للملك يُهيّأ. ومكان اجتياز الإله يُعدّ. والعليقة الغير المحترقة قد أخذت في الإفراع. وخزانة طيب التقديس "تفيض الآن أنهاراً..." (القطعة الثالثة على يا رب إليك صرختفي صلاة الغروب).

    4 ‏- وكما أن البشرية بأسرها معنية بموضوع عقر حنّة وإثمارها, كذلككل واحد منا بصفة شخصية. الثمرة هي الفضيلة والعقم هو الخلو منها. حنّة مثال لنا. فكما تمّمت أحكام الشريعة وعبدت بلا عيب فمنّ عليها الرب الإله بوالدة الإله وأم الحياة, كذلك إذا حفظ كل منا الوصية بأمانة وعبد باستقامة فإن روح الله يسكن فيه وتكون له الحياة الأبدية. في أحد أناشيد قانون السحر, اليوم، تضرّع إلى والدة الإله أن تقصي عن ذهننا العقيم عدم الإثمار بكليته وأن تُظهر أنفسنا مثمرة بالفضائل (الأودية الثالثة. السيّدية).

    هذا بعض مضامين العيد الذي نحتفل به اليوم. ولعل خير خاتمة ننهي بها حديثنا عنه القنداق الذي يعبّر عن شموليته وتدبير الله فيه باقتضاب: "اليوم تعيّد المسكونة لحبل حنّة الذي هو من الله لأنها ولدت التي ولدت الكلمة بما يفوق الوصف". ‏


    طروبارية باللحن الرابع
    اليوم أربطة العقر تنحلُّ، لأن الله إذ قد استجاب صلاة يواكيم وحنة، وعدهما أن سيلدان على غير أملٍ علانيةً، فتاة الله التي وُلد منها هو غير المحدود صائراً إنساناً، آمراً الملاك أن يهتف نحوها: افرحي أيتها الممتلئة نعمةً، الرب معكِ.

    قنداق باللحن الرابع
    اليوم تعيّد المسكونة، لحبل حنة الذي هو من الله، لأنها قد ولَدت التي ولَدت الكلمة، بما يفوق الوصف.
    [/FRAME]

  4. #44
    أخ/ت مبارك/ة الصورة الرمزية Mayda
    التسجيل: Sep 2007
    العضوية: 635
    هواياتي: Reading, Reading & Reading
    الحالة: Mayda غير متواجد حالياً
    المشاركات: 2,709

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    رد: السنكسار اليومي -10- كانون الأول

    [FRAME="11 70"]
    (10 كانون الأول)


    * القديسون الشهداء ميناس الرخيم الصوت وهرموجانيس وإفغرافوس *





    القديسون الشهداء ميناس وهرموجانيس وإفغرافوس


    ليس واضحاً متى تمّت شهادة هؤلاء القدّيسين الثلاثة. قيل في زمن الإمبراطور الروماني يوليوس مكسيمينوس الذي تولّى الحكم لفترة قصيرة بين العامين 235 و238 للميلاد. وقيل أيضاً في زمن الإمبراطور مكسيميانوس هرقل الذي تبوّأ العرش الروماني وزميله ذيوقليسيانوس بين العامين 285 و305م.

    أنّى يكن الأمر فإن ميناس. كما ورد في التراث. رجل أثينائي وصف بـ الرخيم الصوت أو الحسن النغمة لفصاحة لسانه وحسن منطقه. حصلت في أيامه انقسامات سياسية بمدينة الإسكندرية وحقّق المسيحيون نجاحات ملحوظة في نشر الإنجيل بين السكان فيها. ولما كان ميناس أحد مستشاري الإمبراطور فقد أوفده هذا الأخير لمعالجة الخلافات السياسية الحاصلة وضرب المسيحيين في المدينة وملاحقها.

    ميناس، من ناحيته، كان مسيحياً متخفياً. لم يجاهر بمسيحيته، إلى ذلك الزمان، لأنه لم يكن قد أدرك بعد أن ساعته قد جاءت ليتمجّد ابن الله فيه.

    توجّه ميناس إلى الإسكندرية وعالج صعوباتها بالحسنى، فتمكن، بما أوتي من حكمة ودراية، من تهدئة الحال وإصلاح الأمور. هذا على الصعيد السياسي. أما وضع المسيحيين فلم يشأ ميناس أن يعالجه وفق رغبة الإمبراطور. فقد أيقن أن ساعة الاعتراف بالمسيح قد حانت. وهكذا بدل أن يقمع المسيحيين أطلق يدهم وشجّع على نشر كلمة الإنجيل. وقد ذكر أن الرب الإله أجرى على يديه آيات جمّة علامة للرضى الإلهي عن هذا العمل المبارك وتأكيداً لصدقية البشارة وقوتها. ويبدو أن الوثنيين في المدينة أخذت كلمة الخلاص بمجامع قلوبهم وأدهشتهم أعمال الله بحيث أن كثيرين منهم نقضوا هياكلهم وانضموا إلى الكنيسة.

    ولم تلبث أخبار الإسكندرية والجوار أن بلغت أسماع الإمبراطور الروماني فخشي على مصر أن تتحوّل بأكملها إلى المسيحية. وإذ رأى في ما كان يجري فيها تهديداً لحكمه وتآمراً عليه. أوفد، على جناح السرعة، رجلاً اسمه هرموجانيس، موثوقاً لديه، ليرد ميناس إلى صوابه، لو أمكن، أو يعمد إلى تصفيته وتصفية المسيحيين ويعيد الأمور، من ثم، إلى نصابها.

    هرموجانيس كان أيضاً من أثينا. لم يعرف المسيح لكن الوثنية لم تفسده. كان مستقيماً عادلاً طيباً وموظفاً أميناً، لكنه، في جهله، ظنّ أن من حق الإمبراطور عليه أن يكون مطيعاً له. تصرّف،أوّل أمره، كأي عامل ملكي ينفّذ الأوامر ويفرض أحكام قيصر. وما أن انكشفت الحقيقية لعينيه، على غير ما كان يتصوّر، حتى اهتدى، فكان له موقف آخر.

    دخل هرموجانيس مدينة الإسكندرية بمواكبة عسكرية مهمة. وأول ما فعله أن ألقى القبض على ميناس وأودعه السجن. ثم أوقفه أمامه للمحاكمة بعد أيام بحضور جمهور من الناس.

    أجاب ميناس على اتهام هرموجانيس له بأنه تمرّد على قيصر فأكد ولاءه له في كل شأن من شؤون الحكم والإدارة المدنية والعسكرية إلا ما له علاقة بعبادة الله، خالق السماء والأرض. ميّز بين ما هو لله وما هو لقيصر، الأمر الذي لم يكن مألوفاً يومذاك، لا بل كان يُعتبر خطراً على تماسك الدولة ووحدتها. الفكرة كانت أن من يخضع لقيصر يخضع لآلهة قيصر. الموضوع كان جديداً على هرموجانيس. المطلوب، بالنسبة إليه، كان الطاعة لقيصر. قضية الأوثان، بحد ذاتها، كانت ثانوية لديه.

    واستطرد ميناس فسرد بثقة وهدوء كيف أن الله لم يكف عن إظهار عجائبه به، أي ميناس، منذ أن التزم البشارة بكلمة الخلاص. وفيما كان ميناس يعرض تفاصيل بعض ما جرى له، أخذت أصوات من بين الحضور ترتفع مؤكدة صحة ما يقول. وإذ احتدّت المشاعر في المكان وبان كأن الاجتماع على وشك أن يتحوّل إلى تظاهرة مسيحية انفضّت الجلسة إلى اليوم التالي.

    في اليوم التالي، أتي بالقديس في محضر الناس وجعل هرموجانيس أمامه آلات التعذيب راغباً في استعمال لغة غير اللغة التي استعملها في اليوم الفائت عسى ميناس، بالتخويف، أن يعود إلى طاعة قيصر كاملة غير منقوصة. وما أن اتصل الكلام الذي كان قد انقطع البارحة حتى بدا لهرموجانيس أن منظر آلات التعذيب لم يغيّر شيئاً من موقف ميناس. إذ ذاك أيقن أن لغة الكلام وحدها لا تنفع، فأشار إلى الجلاّدين أن يعذّبوه، فحطموا كعبيه وفقأوا عينيه وقطعوا لسانه وأعادوه إلى سجنه على أمل إلقائه للوحوش في اليوم التالي.

    موقف ميناس أثناء التعذيب كان لافتاً. فرغم آلامه التي من المفترض أن تكون مبرّحة بدت نفسه في سلام. لم يتلوّ بمرارة ويأس كما اعتاد هرموجانيس أن يعاين السفلة والمجرمين يفعلون وهم تحت التعذيب. كأنما كانت في نفس ميناس قوة لم ينجح التعذيب، على قسوته، في النيل منها, وذاك الوجه الذي فاض نوراً على ما ارتسم عليه من ألم انطبع في وجدان هرموجانيس، فحسب موقف ميناس بطولة تستحق الثناء.
    وبات هرموجانيس على انطباعات من هذا النوع.
    أما ميناس الملقى في السجن فجاء إليه الرب يسوع شخصياً أثناء الليل وعزّاه ومسّ جراحه فعاد صحيحاً.

    وأطل الصباح ودبّت الحركة، فأرسل هرموجانيس في طلب ميناس. كان يظنّ أنه قد مات، لكنه رغب، لإحساسه بالرجولة، أن يجمع الناس ويثني على بطولة ميناس في مواجهة التعذيب والمعذّبين. وكم كانت دهشته فائقة حين وقف ميناس لديه سليماً معافى وكأن جسده لم ينل ما ناله البارحة. إذ ذاك أدرك هرموجانيس أنه عظيم الإيمان بالمسيح وعظيم إله المسيحيين فآمن وجاهر بإيمانه أمام الشعب. ثم اعتمد، وقيل تسقّف على الإسكندرية بعد معموديته بوقت قصير.

    في تلك الأثناء كان الإمبراطور ينتظر أخباراً طيبة من عامله في الإسكندرية، فإذ به يتلقى خبر ما حدث فيها فطار صوابه وقرّر أن يتوجه إلى هناك بنفسه لمعالجة الأمر بطريقة مضمونة.

    وكان أن خاب القيصر، في الإسكندرية، أشدّ الخيبة إثر وقوف ميناس وهرموجانيس لديه. دفاعهما أفحمه وزاده غيظاً فعذّبهما إلى أن قطع هامتيهما.

    أما إفغرافوس الذي قيل إنه كان كاتباً لقيصر، أو ربما للقدّيس ميناس نفسه، فاجترأ، بعد كل ما عاين وسمع، أن يقف أمام الإمبراطور الهائج ويرسم على نفسه إشارة الصليب ويجاهر بإيمانه بالمسيح. فما كان من قيصر سوى أن استّل سيف أحد حرّاسه وضربه به فقتله.

    هكذا أكمل الثلاثة شهادتهم للمسيح فأحصتهم الكنيسة المقدّسة معاً في هذا اليوم المبارك، ولكن بقي في الذاكرة أم ميناس كان أبرزهم.

    هذا وقد جرى نقل رفات الثلاثة إلى مدينة القسطنطينية، في القرن الخامس للميلاد. ولكن يبدو، على الأقل، أن رفات القديس ميناس فقدت ردحاً من الزمان إلى أن تمّ الكشف عنها من جديد في أيام الإمبراطور البيزنطي باسيليوس الأول (867-886م). مذ ذاك صار يقام عيد لاكتشاف رفات القديس ميناس في اليوم السابع عشر من شهر شباط.

    طروبارية باللحن الثامن
    إن شهداء المسيح، إذ أنهم أماتوا بالإمساك وثبات الأهواء المحرقة وحركاتها، نالوا نعمةً ليطردوا أسقام المرضى، ويصنعوا العجائب أحياءً وبعد الموت، فبالحقيقة أنهُ لعجب مستغربٌ، أنَّ عظاماً مجرَّدة تفيض الأشفية، فالمجد لإلهنا وحده.

    قنداق باللحن الأول
    لنكرّمنَّ جميعاً بالترنيمات الشريفة، مينا العجيب وأرموجانيس الإلهي مع إفغرافوس، لأنهم إذ قد كرَّموا الرب وجاهدوا من أجلهِ، وبلغوا إلى مصفّ العادمي الأجساد في السماوات، فهم يفيضون العجائب.


    [/FRAME]

  5. #45
    أخ/ت مبارك/ة الصورة الرمزية Mayda
    التسجيل: Sep 2007
    العضوية: 635
    هواياتي: Reading, Reading & Reading
    الحالة: Mayda غير متواجد حالياً
    المشاركات: 2,709

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    رد: السنكسار اليومي -11- كانون الأول


    [FRAME="11 70"]
    (11 كانون الأول)

    * القديسان الباران دانيال العمودي وليوّنديوس *



    القديس البار دانيال العمودي العجائبي
    (+493م)

    تاريخ سيرته:
    ‏ولد القديس دانيال العمودي سنة409م. ترهّب في سن الثانية عشرة. أمضى خمسة وعشرين عاماً في الحياة الديرية. تنقّل بين أبرز نسّاك زمانه على مدى خمس سنوات. في سن الثانية والأربعين استقر في مدينة القسطنطينية. أقام حبيساً في هيكل سابق للأوثان تسع سنوات. في سن الحادية والخمسين صعد على العمود. عاش عمودياً بقية حياته. رقد في الرابعة والثمانين وثلاثة أشهر، سنة493‏م.

    ‏ولادته ونشأته:
    ‏اسم أبيه إيليا واسم أمّه مرتا. هذان كانا من قرية صغيرة تدعى ميراثا في أرض سميساط من بلاد ما بين النهرين. كان أبواه سريانيين وكانت أمه عاقراًً. زوجها والعشيرة كانوا يعيّرونها ومرتا كانت في مرارة النفس كل يوم من أيام عقرها.
    ‏مرة، في نصف الليل، خرجت من الدار وزوجها نائم، فبسطت ذراعيها ‏إلى السماء وصلّت بحرارة ومرارة قلب ودموع: "أيها الرب يسوع المسيح. يا طويل الأناة على خطايا الناس. يا من خلق المرأة، في البدء، لتكاثر جنس البشر. أنت ارفع عنّي العار وامنحني ثمرة البطن لأقدّمه إليك، أنت سيد الخليقة".
    ‏ولم تنقضِ أيام كثيرة حتى حبلت مرتا وأنجبت، في زمن الولادة، صبياً ‏هو قديسنا، صاحب هذه السيرة.

    ‏لا نعرف بأي، اسم كان أبواه يدعوانه إلى سن الخامسة. في الخامسة ‏أخذاه إلى دير في جوار القرية وقرّبا عنه تقدمات من ثمار الحقل. سأل رئيس الدير والديه: "ما اسم الصبي؟" فذكرا اسماً لم يحفظه التاريخ، فلم يرق له بل قال:"لا، بل يسمى بالاسم الذي سوف يكشفه الله لنا". على الأثر وجّه الرئيس كلامه إلى الصبي قائلاً: "اذهب، يا بني، إلى الطاولة، هناك، وأتني بكتاب!" الطاولة كانت مقابل الهيكل وكانت عليها كتب مختلفة لاستعمال الرهبان. فركض الصبي وأمسك بأحد الكتب وعاد فإذا به نبوءة دانيال فدعي الصبي باسم نبي الله.

    ‏ورغب والدا دانيال إلى الرئيس أن يقيم الصبي عنده لأنه نذير للرب فلم يشأ. ولعّل والديه أحبّا أن يفعلا بابنهما ما فعلته أم صموئيل بولدها (1صموئيل1-2)، ولكن لم تكن ساعته قد حانت بعد.

    ‏عاش الصبي في كنف والديه إلى سن الثانية عشرة. فلما سمع أمّه تقول له، مرة: "يا بني، أنت نذير للرب. أنا نذرتك إليه"، قام فخرج من القرية دون أن يعلم أحد بأمره، وتوجّه إلى دير يبعد عن القرية مسافة ستة عشر كيلومتراً. فلما فتحوا له ووقف أمام رئيس الدير ارتمى عند قدميه ورجاه أن يقبله في عداد رهبانه. كان في الدير خمسون راهباً. فتحفّظ الرئيس لأن دانيال كان صغير السن ولا طاقة له على احتمال قسوة الحياة الرهبانية. وإذ حاول صرفه واعداً إياه بأن يقبله فيا المستقبل متى اشتدّ عوده، أجاب دانيال بإصرار: "خير لي أن أموت، يا أبتي، وأنا أكابد أتعاب الرهبنة من أن أفارق الدير". ولما لم يجد رئيس الدير سبيلاً إلى إقناع الصبي بالعودة إلى بيته ولمس فيه رغبة جامحة لاقتبال الحياة الملائكية رضخ وقبله.

    ولم يطل الزمان حتى اكتشف أبواه أنه في الدير، فماذا كان رد فعلهما؟ فرحا جداً وشكرا الله على تحننه على الصبي وعليهما ورجيا رئيس الدير أن يلبسه ثوب الرهبنة بسرعة لأنه لم يكن قد فعل إلى ذلك الوقت. فما كان من الرئيس سوى أن أرسل في طلب دانيال وسأله إذا كان يرغب في لبس الثوب الرهباني أم يفضّل تأجيل ذلك إلى ما بعد، فأجاب الصبي: "اليوم قبل الغد يا أبتي!". "لكني أخاف عليك يا بني لأن نظام حياتنا قاس!". "أنا أعلم أني صغير السن وضعيف لكني أثق بالله وبصلواتك أن من يقبل نيّاتنا هو يقوينا!".

    ولبس دانيال ثوب الرهبنة وانصرف والداه بعدما أوصاهما رئيس الدير بألا يزوراه إلا قليلاً لئلا يعثراه ويجرحا سعيه الرهباني من حيث لا يدريان لأن الشيطان يستغل زيارات الأهل ليشوّق الراهب، وهو في التعب والجهاد، للعودة إلى العالم.

    دانيال راهباً:
    أحرز دانيال تقدماً كبيراً في أتعاب النسك والصلاة. وكان رئيس الدير شغوفاً به لا يكفّ عن مدحه. والرهبان أيضاً كانوا يتعجّبون ويتحيّرون وربما يغارون. كل هذا سبّب لدانيال ضيقاً كبيراً ففكرّ بمغادرة الدير وزيارة ‏المدينة المقدّسة، أورشليم، وكذلك القديس سمعان العمودي الذي كان خبره على كل شفة ولسان. دانيال، من ناحيته، كان يشعر برغبة جامحة في نفسه إلى السير في خطى هذا القديس العظيم.

    ‏ولكن لم يشأ رئيس الدير أن يعطي دانيال البركة لإتمام قصده، فسكت وأسلم نفسه لله قائلاً إذا شاء الرب أن أخرج إلى هناك فهو يجد الطريقة لتحقيق ذلك.

    ‏ولم يمض وقت طويل حتى استدعى رئيس أساقفة إنطاكية كافة رؤساء الأديرة في الكرسي الإنطاكي إليه للبحث في أمر يهمّهم.
    ‏خرج رؤساء أديار بلاد ما بين النهرين إلى إنطاكية، لهذا الغرض، وكان بينهم رئيس الدير الذي كان دانيال المغبوط نازلاً فيه. ولحسن التدبير الإلهي أن رئيس الدير اصطحب دانيال مرافقاً له في سفره.
    ‏اجتمع رؤساء الأديرة إلى رئيس أساقفة إنطاكية وحقّقوا الغاية التي دعوا من أجلها في وقت قصير. على الأثر قفل الجميع عائدين كل إلى ديره.

    ‏أما رؤساء أديرة ما بين النهرين فعادوا معاً. وفي الطريق نزلوا في قرية اسمها تلانيسي كان فيها دير كبير جداً. الرهبان المسافرون ينزلون عادة في الأديرة التي يصادفونها. وكان القديس سمعان العمودي قد استقر في تلانيسي بعضاً من الوقت، وفيها تدرّب على النسك. وكان موضع عموده غير بعيد عن المكان.

    ‏في تلك الليلة التي نزل فيها القرية رؤساءُ أديرة ما بين النهرين، عرض الرهبان المحليّون لأخبار القديس سمعان، فما كان من الرؤساء ‏الزائرين سوى أن استغربوا واستهجنوا طريقة القديس سمعان وتكلّموا عليه بالسوء معتبرين نسكه ضرباً من ضروب الإدّعاء والمجد الباطل. ولكن، أقنع رهبان الدير زوّارهم بأن يذهبوا غداً إلى القديس سمعان وينظروا ‏وبعد ذلك يحكمون.

    خرج رؤساء الأديرة ومرافقوهم، في اليوم التالي، لزيارة القديس سمعان على عموده. فما إن وصلوا حتى لاحظهم القديس فأشار إلى بعض تلاميذه أن يدنوا السلّم من العمود لكي يصعد إليه الشيوخ الزائرون لأنه أراد أن يقبّلهم قبلة المحبة. كان الوقت صيفاً والحر شديداً والمكان قفراً فتعجّب الشيوخ لاسيما وقد رأوا صبر القديس وترحيبه بالغرباء. لكنهم لم يشاؤوا أن يصعدوا إليه لأن قلوبهم نخستهم وشعروا بأنهم أساؤوا لأنهم ظنّوا في القديس سوءاً، فقالوا: "كيف نصعد إلى رجل الله لنقبّله بشفاهنا التي تكلّمت عليه بالسوء؟!". لذلك تذرّع بعضهم بالشيخوخة وبعضهم بالمرض وبعضهم بالضعف ولم يصعد إليه أحد منهم. أما دانيال فتوسّل إلى رئيسه أن يسمح له بالتبرّك من القديس فسمح له. فلما صعد إليه باركه سمعان وسأله: "ما اسمك؟" فأجاب: "دانيال!" فقال له: "كن رجلاً يا دانيال! تقوّ واحتمل فإن مشقّات كثيرة بانتظارك. لكني أثق بالله الذي أنا خادمه أنه سوف يقوّيك ويكون رفيق دربك!" ثم وضع يده على رأسه وصلّى وباركه وصرفه.

    ‏إلى أرض جديدة:
    ‏بعد ذلك بزمن رقد رئيس الدير واختير دانيال ليأخذ مكانه. لا نعلم كم بقي رئيساً. جلّ ما نعرفه أنه أخذ يعدّ العدة، منذ وقت مبكّر، لمغادرة الدير لأن رغبة قلبه كانت أن يتحوّل إلى حياة النسك. لهذا السبب عيّن الثاني بعده في الدير رئيساً وارتحل. توقف دانيال عند القديس سمعان أسبوعين وتبرّك منه. ثم إذ كان في نيّته أن يزور كنيسة القيامة في أورشليم لينصرف بعد ذلك إلى الصحراء الداخلية سلك الطريق إلى فلسطين.

    ‏ولكنه فيما كان جاداً في التوجّه إلى هناك سمع أن الطريق خطرة لأنها تمر بالنواحي التي يقيم فيها السامريون، وهؤلاء كانوا في ثورة ضدّ المسيحيين. ففكر دانيال في نفسه ما عساه يفعل. لم يشأ أن يزغزغ نيتّه، لذا قال حتى ولو متّ لا أتراجع لأنه شيء عظيم أن يموت الإنسان من أجل إيمانه بالرب يسوع.
    ‏وانتصف النهار ودانيال غارق في أفكاره. وإذا براهب وقور كثيف الشعر يقترب منه. فتطلع دانيال إليه فرآه على هيئة القديس سمعان نفسه.

    ‏فسأله الشيخ: "إلى أين أنت ذاهب يا بني؟" أجاب: "إلى الأرض المقدسة، إن شاء الله!" قال: "حسناً قلت إن شاء الله! ألم تسمع بأخبار المتاعب في فلسطين؟" أجاب: "بلى، لكنْ الرب معيني، لذا أرجو أن أعبر بسلام. حتى ولو كان عليّ أن أكابد الآلام فلا بأس لأنّا لله، وإن متنا فإليه راجعون". فحاول الشيخ أن يثنيه عن عزمه فلم يقتنع. فغضب وأشاح بوجهه عنه قائلاً:"لست أطيق مجادلتك. ليست هذه عادتنا!" فسأله دانيال: "بمَ تنصحني أنت يا أبتي؟" فأجاب: "بأن تذهب إلى القسطنطينية. هناك تجد مبتغاك، والرب الإله يرعاك!". عند هذا الحدّ من الكلام بلغ الراهبان ديراً وكان النهار قد أمسى، فسأل دانيال الشيخ: "أنبيت في هذا الموضع؟" أجاب: "أجل! أدخل أنت أولاً وأنا أتبعك!" فدخل دانيال وانتظر فلم يوافه الشيخ. فخرج وبحث عنه فلم يجده. سأل عنه فلم يقل له أحد إنه رآه. فتحيّر دانيال وأخذ يضرب أخماساً بأسداس.

    بات دانيال ليلته في الدير. وفي نصف الليل إذ كان الجميع نياماً جاء"الشيخ في رؤيا وقال لدانيال: "اعمل ما أوصيتك به!" ثم فارقه.
    ‏وفي اليوم التالي تساءل دانيال: "من يكون هذا الشيخ؟ أملاكاً أم "إنساناً؟!" ولما لم يجد جواباً وجّه طرفه ناحية القسطنطينية وارتحل.

    في ناحية أنابلوس:
    وصل دانيال إلى القسطنطينية فنزل في ناحية أنابلوس في كنيسة صغيرة تحمل اسم رئيس الملائكة ميخائيل. أقام هناك إلى أن سمع ذات يوم قوماً يتجاذبون أطراف الحديث باللغة السريانية، ففهم أن في الجوار هيكلاً تسكنه الشياطين وهي تتسبب في ترويع الناس وقد غرقت سفن بسببها، وبسببها تأذّى الكثيرون حتى لم يعد إنسان يجرؤ على المرور من هناك. فاستفسر دانيال عن الموضع فدلّوه عليه، فلما بلغا دخل وهو يردّد المزمور القائل: "الرب نوري ومخلّصي ممن أخاف. الرب عاضد حياتي ممن أجزع؟".
    وإذ أمسك بصليب كان في حوزته جال بالمكان وأخذ يسجد عند كل زاوية من زواياه مصليا‏. وأسدل الليل ستاره. ‏واشتدّت العتمة ودانيال داخل الهيكل يصلّي، فإذا بحجارة تتساقط في ‏المكان من حوله، وصخب كأنه لجمهور، يطرقون ويضجّون، ولكن لم ‏يعترض أحد دانيال بأذى.

    وانقضت الليلة الأولى وكذلك الثانية على هذه الحال دون أن يذوق القادم ‏الجديد طعم النوم.
    ‏وفي الليلة الثالثة غفا.

    ‏للحال تراءت له أشباح كثيرة لها أشكال عمالقة، وأخذ بعضها يقول له: ‏"من غرّك أن تأتي إلى هذا الموضع يا حقير؟! أتريد أن تهلك يا شقي؟! هيّا بنا نجرّره خارجاً ونلقيه في الماء!". آخرون حملوا حجارة كبيرة ووقفوا ‏عند رأسه يرومون تهشيمه.

    ‏واستفاق رجل الله من دون أن يستبد به اضطراب وأخذ يطوف بزوايا الموضع من جديد يصلّي ويرتّل ويقول للأرواح الخبيثة:"أخرجي من ههنا وإلا التهمتك ألسنة اللهب بقوة الصليب المحيي وأجبرت على الفرار!" لكن اشتد هياج الأرواح الشرّيرة وعلا صياحها. فلم يعرها القديس انتباهاً، بل ذهب وأقفل على نفسه في المكان وترك نافذة صغيرة في الباب يستطيع من خلالها أن يكلّم الناس، ثم انصرف إلى النسك والصلاة والسهر.

    ‏ولم يطل بدانيال الوقت في ذلك الموضع حتى عمّ صيته بين الناس، فأخذوا يتدفقون عليه، رجالاً ونساء وأطفالاً. وكان الجميع يتعجّبون ويقولون: انظروا كم أضحى هذا المكان هادئاً! بعد أن كان مرقصاً للأبالسة صار، بفضل صبر رجل الله هذا، مكاناً يتمجّد فيه اسم الله ليل نهار.

    عملاء الحسد:
    وكان على كنيسة رئيس الملائكة ميخائيل عدد من الكهنة السذّج. هؤلاء حرّك الأبالسة فيهم روح الحسد فجاءهم فكر يقول لهم: "ليس حسناً أن تتركوا الرجل يقيم ههنا. ها قد ذهب إليه العالم كله وأنتم متروكون ولا ما تعملون!" فاهتاج الكهنة وذهبوا إلى المدينة واشتكوا قائلين: "ها قد أتى إلينا رجل لا نعرف أصله، أقفل على نفسه بالقرب من كنيستنا، وجذب الكثيرين إليه، رغم كونه رجلاً هرطوقياً، وهو سرياني اللسان ولا نعرف كيف نكلّمه!" فأجابهم الأسقف، وهو أناطوليوس البطريرك (449-458‏م)، قائلاً: "إذا كنتم لا تعرفون لغته ولا كلمتموه فكيف عرفتم أنه هرطوقي! اتركوه بسلام، لأنه إذا كان من الله فسيثبت، وإذا لم يكن من الله فسينصرف عنكم من ذاته قبل أن تطردوه! لا تكونوا عثرة لأحد ولا تتسبّبوا بفضيحة!". فعلى كلمة البطريرك عاد الكهنة إلى كنيستهم بسلام ولو إلى حين.
    ولكن، لم تهدأ الأبالسة.

    اجتمعت الأشباح على القديس من جديد بسيوف وهي تصرخ: "من أين جئت يا رجل؟ أعط مكاناً لنا لأننا نقيم في هذا الموضع من زمان، أم تريد أن نقطّع أطرافك تقطيعاً؟!" ثم إذ دنت الأشباح من القديس كلّم بعضها بعضاً قائلاً: "لا نقتلنّه بل نجرّرنّه خارجاً ونغرقنّه في المياه كما أغرقنا السفينة!". ثم أخذت تتحرك من حوله كما لو كانت تريد الإمساك به وجرّه إلى الخارج بالفعل. فانتصب رجل الله وصلّى ثم قال للأبالسة: "الرب يسوع المسيح، مخلّصي، الذي وثقت وأثق به، هو يغرّقكم في أعماق الهاوية!". ولما قال لهم هذا ولولوا بصوت عظيم وأخذوا يطيرون حول وجهه كأسراب الخفافيش، ثم أزت أجنحتهم وخرجوا من النافذة الصغيرة خاسئين.
    ولم يستسلم الشيطان.

    عاد إلى الكهنة، ضعاف النفوس، كهنة كنيسة رئيس الملائكة وأهاجهم من جديد فذهبوا إلى البطريرك وقالوا له: "يا سيد، إن لك سلطاناً علينا! هذا الرجل المقيم في جوارنا لسنا نطيق بقاءه، فمره أن يخرج من هنا لأنه دجّال!" فما كان من أناطوليوس البطريرك سوى أن أوفد ضابط الكنيسة العظمى برفقة شمامسة إلى القديس، فخلعوا الباب واقتادوه إلى البطريرك. فلما وقف القديس أمام البطريرك سأله هذا الأخير عن نفسه وعن إيمانه، ولما ‏أجاب حسناً بوساطة مترجم، وقف أناطوليوس وعانقه وطلب منه أن يلازم الدار البطريركية إذ رأى فيه نعمة عظيمة.

    ‏ومرض البطريرك فطلب صلاة القديس، فصلّى القديس من أجله، وبنعمة الله شفاه. وإذ رغب البطريرك إلى رجل الله أن يقيم بجواره في أي دير يختاره لم يشأ بل قال: "إذا كنت تريد أن تسدي إليّ بخدمة فإني أسأل قداستك أن تعيدني إلى المكان الذي قادني الرب إليه أولاً". فأمر البطريرك بإعادته إلى مكانه مكرّماً. أما الكهنة المفترون فشاء أن يلقي عليهم الحرم ولكن توسّط لديه القديس ورجاه أن يسامحهم.
    دامت إقامة دانيال في هيكل الأوثان تسع سنوات.

    نحو السيرة العمودية:
    ‏وحدث لخادم الله أن دخل مرة في غيبوبة وعاين عموداً شاهقاً من سحاب السماء وعليه سمعان المغبوط محاطاً بشبه ملاكين مجلّلين بالبياض. وإذ بصوت سمعان يناديه قائلاً له: "تعال إليّ يا دانيال!". فأجاب: "يا أبي، يا أبي، كيف أقدر أن أرتقي إلى علوّك الشاهق؟" فأرسل سمعان الشابين قائلاً لهما: "انحدرا إليه وأتياني به!" فنزلا وأخذا دانيال ورفعاه إلى سمعان. فضمّه سمعان إلى صدره وقبّله قبلة مقدّسة. في تلك اللحظة بالذات، دعا ‏آخرون سمعان للذهاب معهم فتبعهم فساروا به إلى السماء ودانيال وراءه على العمود مع الرجلين. وإذ بصوت سمعان يصدح في أذني دانيال: "اثبت وكن رجلاً!" فكان الصوت في أذنيه كالرعد.

    ‏ولم تمض على تلك الرؤية أيام قليلة حتى وصل إلى القسطنطينية سرجيوس، أحد تلاميذ سمعان، وأخبر عن رقاد معلمه. كان في حوزته معطف القديس الجلدي حمله بركة إلى لاون الإمبراطور. ولكن، حدث، بتدبير الله، أن الإمبراطور كان منهمكاً بشؤون الحكم فلم يتسنّ لسرجيوس مقابلته. وإذ انتظر طويلاً على غير طائل قرّر الخروج إلى دير الذين لا ينامون. ولكن إذ كان على المسافرين إلى هناك أن يركبوا المياه، كان لا بد لهم أن يمروا بالقرب من أنابلوس. فلما بلغوا الموضع، سمع سرجيوس عن دانيال وكيف طرد الأبالسة التي اعتادت أن تروّع الناس وتغرق السفن العابرة في القناة، فتحرّك قلبه وسأل إذا كان بإمكانه أن ينزل إلى القديس ‏ليتبرّك منه، فأجابه الجميع بالإيجاب لأنهم هم أيضاً رغبوا في أخذ بركته.

    ولما جاء سرجيوس إلى القديس استقبله هذا الأخير بالعناق، لاسيما بعدما عرف منه أنه تلميذ سمعان المغبوط. أخبره سرجيرس أن سمعان رقد، ‏ فردّ عليه دانيال بأن أطلعه على الرؤية التي كانت له. فتفرس سرجيوس فيه متعجباً ثم قال له: "إذن إليك أرسلني الله لا إلى الإمبراطور!" ثم أخرج المعطف الجلدي وأعطاه إياه. فأخذه دانيال وضمّه إليه بدموع قائلاً: "مبارك أنت يا الله، يا من تصنع كل شيء بحسب مشيئتك، يا من حسبتني في حقارتي أهلاً للبركة التي حملها إليّ خادمك هذا!" في تلك الأثناء، تضجّر ركاب السفينة من تأخر سرجيوس وناداه أحد البحّارة أن ينزل سريعاً وإلا. ‏يتركونه وراءهم فأجابهم:"امضوا في سبيلكم، الله معكم! أما أنا فباق هنا لأن الله شاء فاقتادني من أب إلى أب!".

    ‏ولازم سرجيوس دانيال إلى أن عاين في رؤية، ذات مرة، ثلاثة رجال قالوا له: "قل للأب دانيال أن زمانك، في هذه الكنيسة، قد اكتمل، فهيّا انصرف من ههنا وباشر ما أعدّه لك الله!". فلما عاد سرجيوس إلى نفسه أخبر معلّمه بما رأى فأيقن دانيال أن ساعة دخوله الجهاد الأكبر قد دنت. مذ ذاك أرسل سرجيوس ليبحث له عن مكان مناسب لنصب العمود على إحدى الهضاب في الجوار، فيما أخذ مرقص، أحد أبناء القديس دانيال الروحيين، على عاتقه تأمين حجارة العمود.


    [/FRAME]



    [MOVE="right"]يتبع[/MOVE]



  6. #46
    أخ/ت مبارك/ة الصورة الرمزية Mayda
    التسجيل: Sep 2007
    العضوية: 635
    هواياتي: Reading, Reading & Reading
    الحالة: Mayda غير متواجد حالياً
    المشاركات: 2,709

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    رد: السنكسار اليومي -11- كانون الأول {تكملة}

    [MOVE="right"]تكملة السنكسار -11- كانون الأول[/MOVE]


    [FRAME="11 70"]
    صاحب الأرض يحتجّ:
    وجهز كل شيء، فخرج المغبوط من منسكه أثناء الليل. ولما صعد على العمود صلّى هكذا: "أيها الرب يسوع المسيح، إني، باسمك القدّوسّ، أدخل في هذا الجهاد، فبارك قصدي وساعدني على إتمام سعي".

    ولم يطل بقديسنا المقام حتى بلغ خبره جيلانيوس، صاحب الأرض، وكان مقتدراً، فغضب غضباً شديداً وصعد إليه برفقة عدد من عمّاله وفي نيته أن يلقيه خارجاً. أكثر تلك البقعة كان مزروعاً كرمة. كان الجو صاحياً وموسم القطاف على الأبواب. فجأة تحركت الغيوم بسرعة وعصفت الأهوية ونزل البرّد وضرب عناقيد العنب وأوراق الكرمة فأتلفها.

    انذهل الرجال لهذا المنظر وبالجهد بلغوا العمود.
    كلّم جيلانيوس المغبوط بقسوة. كان وقحاً ولم يعتبر. ولكن أمام صمت القديس ووداعته شعر العمّال بنخس القلب فقالوا لجيلانيوس: "دعه وشأنه ولا تزعجه!العمود، في كل حال، في طرف أرضك، ولا يعيق مزروعاتك في شيء!". فأصرّ جيلانيوس على القديس أن ينزل ولو بضع درجات. وكالحمل الوديع أخذ المغبوط في النزول. فلما رآه جيلانيوس قد فعل ووقع نظره على رجليه المنتفختين المتقرّحتين انعصر قلبه وركض ورجا المغبوط أن يعود إلى مكانه ويصلّي له. فباركه القديس وصحبه وعاد إلى عموده، فيما انحدر جيلانيوس وعمّاله من هناك بسلام.

    ولم تمضِ أيام معدودة على ما حدث حتى صعد صاحب الأرض إلى دانيال من جديد، ولكن، هذه المرة، لأنه رغب إليه بإصرار أن يسمح له بإقامة عمود أكبر وأوسع من الذي كان القديس واقفاً عليه. فقبل رجل الله العطية وشكر وبارك. ولما زار أحد الغيارى دانيال بعد أيام احتج لديه أنه قبل عموداً من رجل وقح عامله بفظاظة، فأجابه القديس: "قبلته منه لأني لم أشأ أن أجرحه!".

    شاب فيه روح نجس:
    وقدم إلى القديس رجل اسمه سرجيوس من بعيد، من نواحي تراقيا. هذا كان له ابن شاب يدعى يوحنا فيه روح شرّير. فلما بلغ سرجيوس العمود ألقى بنفسه أمام القدس باكياً منتحباً صارخاً: "يا خادم الله، ارأف بابني، فإن فيه روحاً نجساً يعذّبه. ومنذ ثلاثين يوماً والروح الخبيث يتلفّظ باسمك، وقد مضى علينا ثمانية أيام ونحن نبحث عنك. وها قد أتينا إليك فأعنا!". وكان جيلانيوس وآخرون واقفين، فلما رأوا منظر الصبي وأبيه انفجروا باكين. فقال القديس لسرجيوس، وكان هذا الأخير شيخاً: "كل من يسأل بإيمان يعطيه الله ما أراد. فإذا كنت تؤمن أن الله، بوساطتي أنا الخاطئ، سوف يشفي الصبي، فبحسب إيمانك يكون لك!". ثم أشار إلى تلميذه أن يعطي الصبي بعضاً من الزيت المقدّس ففعل. فاهتاج الروح الخبيث فيه وخبطه أرضاً فأخذ يتدحرج. ثم صار يلعن ويسب واعداً بالخروج منه ولكن بعد أسبوع!.

    يذكر أن القديس كان قد أخرج روحاً خبيثاً، قبل حين، من ابنة رجل اسمه كيروس، قنصلاً سابقاً. ومنها أيضاً لم يخرج الروح إلا بعد أسبوع.

    وحدث لما كان القديس على وشك الانتقال إلى عموده الجديد، أن الروح الخبيث اهتاج في يوحنا لأنه شعر بقوة تدفعه خارجاً، فصرخ بصوت عظيم قائلاً: "يا لعنف هذا الساحر الكاذب! عندما كان بعد في منسكه أخرجني من ابنة كيروس فمضيت إلى تراقيا ونزلت في هذا الشاب، وها قد عاد بي من تراقيا ليضطهدني! ماذا تريد مني يا دانيال؟ يا للمصيبة! عليّ أن أخرج من هذا الإنسان أيضاً!" وبعد أن تهجّم على القديس وعذّب الشاب خرج منه بقوة الرب الإله. فلما خرج فاحت منه رائحة كريهة كانت قوية لدرجة أن الحاضرين اضطروا أن يغطوا أنوفهم، فيما انطرح الشاب على الأرض بلا حراك وهو فاغر فمه حتى قال الجميع إنه قد مات. فأمر القديس أباه أن يجلسه ويسقيه من الزيت المقدّس. فما أن فعل حتى تقيّأ دماً أسود متخثراً.

    إذ ذاك صرخ رجل الله من فوق العمود: "يا يوحنا، ما الذي يوجعك؟! قم على قدميك!" للحال نهض الصبي كما من رقاد النوم وركض إلى العمود وقبّله شاكراً الله وقدّيسه. فأخذ الجميع خوف ورفعوا أيديهم إلى السماء وهم يبكون ويهتفون: "يا رب ارحم. يا رب ارحم...".
    ‏بعد ذلك ترهّب الشاب ولازم المغبوط.

    ‏المتهكّمون والمفترون:
    ‏وسلّط الشيطان على قديس الله عدداً من المتهتّكين للطعن فيه وتشويه سمعته بين الناس.
    ‏امرأة زانية استأجرها قوم فصعدت إلى حيث كان قديس الله وادّعت أنها أغوته، ولفّقت بشأنه رواية مشينة قام أصحابها بترويجها، فاضطربت المدينة بين مصدِّق ومكذِّب. ولم يشأ الله للمفترين أن ينجحوا فاستبدّ بالمرأة روح خبيث عذَّبها فاعترفت أمام الجميع بأنها افترت على رجل الله وأن فلاناً وفلاناً من الناس وعدوها بمال لقاء ما فعلت.

    ‏ولم يخرج الروح الخبيث من الزانية حتى صعد بها قوم إلى القديس، فتوسّل إلى الرب الإله ساعات من أجلها بدموع.
    ورجل غنيّ ضعيف النفس متعجرف حرّكه إبليس فصعد وأفراد عائلته إلى موضع القدّيس وأخذ يتكلم عنه بمزاح وتجريح مدّعياً أنه جاء ليتبرّك منه فإذا به يتعثر من تصرفاته. ثم أخرج من عبّه سمكة قال إنه وجدها عند أسفل السلّم واتهم القدّيس بالإدّعاء وحب البطن. فتشوّش الناس من كلامه. ولكن لم يلبث الرجل وجميع أفراد عائلته أن أخذتهم الرعدة وقبض عليهم الروح النجس، فأخذ الرجل يطوف بالمكان كالمجنون معترفاً، رغماً عنه، بما شيّعه عن المغبوط زوراً. أما قديس الله فتحنّن عليه وعلى عائلته وشفاهم، بنعمة الله، بعد ثلاثة أيام.
    ‏ورجل غوطي من العسكر سخر من القديس وتهكّم عليه فسقط من علو،‏ حيث كان، وقضى.

    القديس ولاون الإمبراطور:
    ‏سمع الإمبراطور الكثير عن القديس وكان، أوّل أمره، يسأل صلاته وبركته عن بعد، عبر آخرين، ثم صار يأتي إليه ويستشيره في شؤون الحكم، إذ كانت للقديس موهبة التبصّر والنبوءة. كما اعتاد أن يصطحب بعض ضيوفه من الملوك والسفراء إلى رجل الله. وقد ورد أنه كلما كان الإمبراطور يأتي لزيارة القديس كان ينزل عن حصانه أول ما يظهر له القديس على عموده من بعيد، ولا يمتطيه ثانية، في رحيله عنه، إلا بعد أن يغيب عن عينيه. وقد أقام للقديس عموداً ثالثاً أكبر من سابقيه، كما استقدم من إنطاكية بعضاً من رفات القديس سمعان، بناء لطلب المغبوط، وبنى كنيسة بقرب العمود، جعل الرفات فيها، وكذلك ديراً للإخوة ومضافة‏ للغرباء.

    نبوءة تتحقق:
    ‏وكُشف لدانيال أن غضب الله على وشك أن يحلّ بالمدينة المتملكة إلا أن. يتوبوا، فأعلم الإمبراطور والبطريرك بالأمر ورجاهما أن يدعرا الناس إلى التوبة وأن تقام الصلوات والتضرعات لرفع الغضب الآتي. ولكن كان عيد الآلام الخلاصية لربنا يسوع المسيح على الأبواب ولم يشأ الإمبراطور والبطريرك أن يبلبلا الشعب ويحزناه قائلين متى عبر العيد نفعل ذلك. ولكن مرّ العيد وما بعد العيد وانتسي الأمر.
    ‏وكان بعد بضعة أشهر أن شب في المدينة حريق هائل، في اليوم الثاني ‏من شهر أيلول سنة465‏م، قضى على قسم كبير من المدينة وامتد من البحر إلى البحر، حتى اضطر الإمبراطور أن يترك المدينة لمدة ستة أشهر. كان الأسى عارماً وأكثر الناس اضطروا إلى مغادرة منازلهم. وقد صعد الكثير منهم إلى القديس يبكون ويولولون ويصفون هول المأساة ويستشفعون. فبكى المغبوط وقال لهم: "لقد شاء الإله الرحيم أن يقيكم، بصلاحه، مما كان ‏مزمعاً أن يأتي عليكم، فلم يبق صامتاً بل أعلمكم بالأمر قبل حدوثه علّكم تتّقون. ولو تضرعتم إليه بدموع واصطلحتم لصرف غضبه عنكم ووفرّتم على أنفسكم آلاماً هذا مقدارها. فأهل نينوى قديماً أنذرهم النبي بالخراب المزمع أن يحلّ بهم فانتصحوا وتابوا فسومحوا... والآن أتوسّل إليكم أن تحملوا هذا النير الملقى على عواتقكم لأن الخادم الأمين يقبل التأديب من يد معلمه بممنونية. فإن فعل حسبه سيّده أهلاً لا لكرامته السابقة وحسب بل لكرامة أعظم".
    ‏على هذا النحو، وبأقوال كهذه الأقوال، نجح القديس في تحويل يأس ‏العديدين إلى رجاء فانصرفوا متعزّين.

    ‏القديس كاهناً:
    ‏ورغب الإمبراطور إلى البطريرك جنّاديوس أن يسيم القديس كاهناً ‏فخرج إليه بعد تردّد. ولما طلب السلّم متذرّعاً بأنه من زمان وهو يشتهي أن يصعد إليه ليحظى ببركة صلواته، صمت القديس. كان يعرف قصد البطريرك جيداً، ولم يشأ أن يوعز بتقديم السلّم لتواضعه وشعوره بعدم الاستحقاق. أخيراً سامه البطريرك عن بعد. وبعدما فعل قال له: باركنا يا ‏كاهن العلي فأنت قد صرت كاهناً! أنا صلّيت من هنا والرب الإله جعل يده عليك من هناك! فهتفت الجموع: "مستحق. مستحق!". إذ ذاك أذعن القديس للأمر وأشار بتقديم السلّم فصعد البطريرك إليه. وبعدما تبادل وإياه القبلة المقدسة تناول كل منهما الجسد والدم الكريمين من يد الآخر.

    ‏القديس والعاصفة الثلجية:
    ‏وهبّت عاصفة ثلجية على الناحية التي كان فيها العمود. لم يعتد القديس، إلى ذلك الحين، أن يتظلّل بشيء البتة. ولكن كان عليه معطف من جلد. ومن شدة الأهوية تمزّق وقذفته العاصفة بعيداً. ثم إن الجليد والثلج غطيا رجل الله دون أن يتمكن تلاميذه من الاقتراب إليه الليل بطوله. ولما هدأت العاصفة في اليوم التالي بدا القديس كأنه جثة أو عمود ملح. لقد غدا شعره قطعة جليد ووجهه مغطى كما بزجاج. لا حركة ولا كلمة! فأسرع تلاميذه ببعض الماء الدافئ وأخذوا إسفنجا وصاروا يفركونه قليلاً قليلاً. وبالجهد استعاد قدرته على الكلام. ولما قالوا له مذعورين: "لقد كنت في خطر عظيم يا أبانا!" أجاب وكأنه صحا لتوه من رقاد النوم: "صدقوني، يا أولادي، إني كنت، إلى هذه الساعة، في راحة كاملة! فعندما اشتدت العاصفة وتمزّق معطفي شعرت بأسى عميق دام قرابة الساعة. وبعد أن أغمي عليّ قليلاً صحوت وطلبت من الإله الرحيم أن يعينني! فإذا بي أغفو. وبدا لي إني استلقيت على سرير وكانت عليّ أغطية وشعرت بالدفء، ورأيت رجلاً جالساً عند رأسي كان، بحسب ظني، الرجل الذي التقيته في طريقي إلى الأرض المقدسة واختفى عني. كان يكلّمني بحب كبير حتى أنه أخذني بين ذراعيه وأدفأني وقال لي: أحبّك حباً كبيراً وأحببت أن أكون بقربك! إن ‏أغصاناً مثمرة عديدة سوف تزهر من جذرك! وإذ كنت أنعم بصحبة الرجل أيقظتموني. قال القديس ذلك بحزن وكأنه لام تلاميذه على ما فعلوا.

    من تلك الحادثة أصرّ لاون الإمبراطور على القديس أن يقبل بأن يقام له على العمود ملجأ يلتجئ، إليه في العواصف والأعاصير، وبالجهد رضخ.

    ضابط اسمه تيطس:
    ‏وأحب لاون الإمبراطور أن يكسب ودّ رجل مغوار كان مقيماً في بلاد ‏الغال، له تحت إمرته رجال عديدون مدرّبون تدريباً جيداً على القتال. اسم الرجل كان تيطس. هذا استقدمه الإمبراطور إلى القسطنطينية وأرسله لزيارة قديس الله. فلما وقع نظر تيطس على المغبوط وسمع كلامه تعلّق قلبه به وقال: "كل تعب الإنسان يذهب على الغنى وجمع المقتنيات وإرضاء الناس. ولكنْ ساعة موته تذهب بكل ما يكون قد جمعه. لذلك خير لنا أن نكون خداماً لله لا للناس!". تفوّه تيطس بهذا وألقى بنفسه أمام رجل الله متوسلاً إليه أن يقبله في عداد رهبانه. فلما بارك القديس عليه وأثنى على عزمه، استدعى تيطس جنوده وقال لهم: "من الآن فصاعداً أنا جندي للملك السماوي. لقد كنت إلى الآن ضابطاً عليكم. لا نفعت نفسي ولا نفعتكم بل كنت أحثّكم على القتل وإراقة الدماء. أما الآن فإني أتخلى عن كل ذلك. فمن أراد منكم أن يبقى معي فليبق. لا ألزمكم بشيء. وها أمامكم أموال فخذوا منها وعودوا إلى بيوتكم". ثم وزّع عليهم المال، وانصرفوا كلهم إلا اثنان لازماه واقتبلا دعوته إلى الحياة الرهبانية.

    ‏أما تيطس فأخذ يراقب القديس في سرّه ليرى ما يأكل وما يشرب وكيف يقضي حاجة نفسه. وقد بقي كذلك أسبوعاً كاملاً دون أن يتمكن من معرفة شيء عنه. فصعد إليه ورجاه أن يفسِّر له الأمر، فتطلع القديس إليه بحنان وقال له: "صدّقني يا أخي إني آكل وأشرب ما يكفيني لحاجتي. أنا لست روحاً ولا من دون جسد. أنا إنسان مثلك من لحم ودم... وأجاهد لأحفظ عفّة بطني. وإذا جرِّبت بأخذ ما يزيد عن حاجتي قاصصت نفسي...!"فسأله تيطس: "إذا كنت أنت الذي تقف في وجه الرياح ولك مثل هذا الجسد تجاهد لتحفظ عفّة البطن لخير نفسك فما الذي عليّ أنا أن أفعله، أنا الشاب القوي بالجسد؟ "فأجابه القديس: "افعل ما يقدر جسدك عليه! لا تحمِّل جسدك أكثر من طاقته ولا أقل من استطاعته. لو كنت لتشحن السفينة فوق حمولتها لتسببت في غرقها، ولو كنت لتتركها دون حمولة كافية لكانت الرياح تقلبها. إني بنعمة الله، يا أخي، أعرف طاقتي وأقيس طعامي على قدر حاجتي.
    فذهب تيطس منتفعاً من كلام الشيخ ومارس نسكاً على قدر طاقته إلى أن رقد مرضياً لله.

    القديس وباسيليوس:
    ‏بعد الإمبراطور لاون اعتلى العرش زينون ثم حلّ محله باسيليسكوس المغتصب (475-476م). هذا احتضن أفكاراً هرطوقية ودخل في صراع مكشوف مع البطريرك أكاكيوس (471-489م) وقد بعث باسيليسكوس إلى المغبوط برسول يستميله إليه سائلاً بركته فردّ عليه القديس بالجواب التالي: "أنت لا تستحق البركة لأنك قبلت أفكاراً يهودية وألغيت تجسّد الرب يسوع وأقلقت الكنيسة المقدّسة واحتقرت خدّامها. ومكتوب: لا تعطوا القدس للكلاب ولا تطرحوا درركم قدّام الخنازير. لذلك اعلم أن الله سوف ينزع ملكك وطغيانك".

    ‏أما أكاكيوس فبعث إلى القديس برهبان قائلاً له: "اقتدِ بالمسيح معلمك الذي أحنى السموات ونزل وتجسّد من عذراء قديسة وعاشر الخطأة وبذل دمه ليقتني العروس التي هي الكنيسة. والآن والكنيسة يهينها الأشرار وشعبها تبعثره ذئاب شرسة وراعيها تضربه العاصفة، أقول لك لا تتجاهل شيبتي بل أمل أذنك وتعال افتدِ أمّك الكنيسة!" فلما أتوا إليه سجدوا أمامه ونقلوا له ما آلت إليه حال الكنيسة والبطريرك والكهنة والشعب المؤمن فاستمهلهم ليصلي. وفي نصف الليل، جاءه صوت يقول له: "قم انزل مع الآباء ولا تتردّد، ثم عد واستكمل خط سيرك بسلام!". للحال أيقظ القديس تلاميذه، ونزل عن عموده بصعوبة كبيرة لآلام قدميه، وذهب مع الآباء إلى المدينة فبلغوا الكنيسة العظمى قبل الفجر.

    ‏ولما أطلّ الصباح وبدأ الناس بالتوافد إلى الكنيسة، رأوا المغبوط ‏فاندهشوا وأذاعوا أن القديس حضر فاجتمعت المدينة كلها إليه.
    ‏وأحس باسيليسكوس بأن نزول القديس إلى المدينة استقطب الناس ‏فخشي على حكمه وتراجع. توجه إلى الكنيسة العظمى صاغراً وتقدّم هو والبطريرك إلى رجل الله وسجدا عند قدميه، فحيّاهما ودعاهما إلى السلام فيما بينهما، وألزم باسيليسكوس بتحرير دستور يعلن فيه التزامه الإيمان القويم لتهدئة ثائرة الشعب. وبعدما تمّم كل شيء وانصرف الشعب كل إلى بيته عاد رجل الله إلى عموده. ولكن قبل أن يصعد إليه من جديد أسرّ لمن كانوا حوله أن نيّة باسيليسكوس غير صافية وإن الله سيقصيه عن الحكم في وقت قصير. وهكذا كان، إذ لم تمرّ أشهر قليلة على نزول القديس إلى المدينة حتى أطيح بباسيليسكوس وعاد زينون ليحكم حتى العام 491م.

    أشفية أيضاً وأيضاً:
    ‏لم ينقطع سيل القادمين إلى القديس طلباً للاستشفاء. ولوداعته لم يكن ‏يردّ أحداً، والله أجرى على يديه عجائب جمّة. من هذه العجائب أن رجلاً اسمه هيباسيوس لم يحسب نفسه مستحقاً للمجيء إلى رجل الله. وكان شبيهاً بقائد المئة في الإنجيل. فقد اعتاد كلما مرض أحد من أهل بيته مرضاً صعباً أن يبعث إلى القديس برسالة يسأله فيها الصلاة من أجله. وما أن يصل جواب القديس إليه مكتوباً حتى يأخذه ويجعله على المريض كما لو كان يد ‏الرب يسوع المسيح بالذات فيشفى المريض للحال.

    تنبؤه بموت زينون الملك:
    ‏عرف القديس بروحه، قبل حين، أن زينون الملك على وشك المغادرة إلى ‏ربّه فبعث إليه بعدد من الرسائل الغامضة. أخيراً كلمه بصراحة قائلاً له أن بإمكانه أن يكون واثقاً من رحمة ربه عليه إن هو اهتمّ، في ما بقي له من عمر على الأرض، بالامتناع عن اشتهاء ما للغير وأن يتخلّص من المخبرين ويعامل برأفة وكرم كل الذين أساؤوا إليه لأن الله لا يُسرّ بأمر كما يُسرّ بالصفح واللطف.

    ‏مرض القديس ووصيته: ‏
    ومرض القديس ورغب الكثيرون في إعداد مقبرة حجرية فخمة له. فعلّق على ذلك بالقول: "كل هذا الذي ينوون فعله عظيم وفي مستوى إيمانهم بالله وكاف ليستنزل عليهم رضى ربهم، ولكن لا يناسبني أن يكون لي مكان راحة من حجر وعلى هذا القدر من الغنى، بل أشتهي أن أدفن في التراب لأن أمر الله هو هذا: "أنت من التراب وإلى التراب تعود..." رغبتي هي أن أدفن عميقاً في الأرض وأن تكون بقايا القديسين الشهداء موضوعة فوقي، حتى إذا ما رغب أحد في زيارة مكان راحتي ليتقوى إيمانه يحيّي القدّيسين ويأخذ منهم جائزة أعماله الصالحة وينجّي نفسه من الدينونة".
    وبالفعل، لما رقد القديس تمّم تلاميذه وصيته وجعلوا فوق قبره رفات الفتية الثلاثة القدّيسين حنانيا وعازاريا وميصائيل.

    دعاؤه لتلاميذه:
    قبل رقاد القديس بسبعة أيام وهو عارف بكل شيء، جمع تلاميذه وقال لهم: "أخوتي وأبنائي، ها أنا ذاهب إلى الرب يسوع المسيح. الله الذي خلق كل الأشياء بكلمته وحكمته، السماء والأرض والبحر وكل ما فيها، وأخرج جنس البشر من العدم إلى الوجود، الذي هو رهيب لملائكته رئيف بالناس، الذي أحنى السموات ونزل إلى الأرض، كالمطر الهاطل على الحضيض، على العذراء القديسة مريم، والدة الإله، الذي سرّ وارتضى أن يتجسّد منها بطريقة لا يعرفها أحد غيره، وأن يُرى من الناس على الأرض، الرافع خطايا العالم، الذي تألم من أجلنا، وبجراحه على الصليب شفى جراحنا الروحية وسمّر الصك الذي كان ضداً لنا، هو يشدّدكم ويحفظكم سالمين من كل شر ويسدّد إيمانكم به ثابتاً راسخاً لا يتزعزع إن كنتم تحفظون الوحدة والمحبة الكاملة فيما بينكم إلى آخر نفس لكم! ليسبغ الله عليكم النعمة لتخدموه بلا عيب وتكونوا جسداً واحداً وروحاً واحداً، ثابتين في التواضع والطاعة. لا تهملوا الضيافة. احذروا أن تفصلوا أنفسكم عن أمكم المقدسة التي هي الكنيسة. تحوّلوا عن كل أسباب الإساءة وطحالب الهراطقة الذين هم أعداء، للمسيح، لتكونوا كاملين كما أن أباكم السماوي هو كامل. والآن أستودعكم الله، يا أولادي الأحبة، وأضمّكم جميعاً إلى صدري بمحبة الأب. الرب معكم!".

    ‏رقاده:
    ‏رقد القديس دانيال عند الساعة الثالثة من نهار السبت الحادي عشر من شهر كانون الأول سنة 493 ‏م. وقد ذكر أن إنساناً ممسوساً قال الروح النجس فيه أنه سوف يخرج من الرجل في الساعة التي يأتي الملائكة والأنبياء والرسل والشهداء والقدّيسون لنقل القديس إلى السماء. وهذا ما حدث. كان ‏القديس قد بلغ الرابعة والثمانين من العمر.

    طروبارية باللحن الأول
    لقد صرتَ للصبر عموداً، وللآباء القدماءِ ضارعتَ، مبارياً لأيوب بالآلام وليوسف بالتجارب، ولسيرة عادمي الأجساد وأنت بالجسد، فيا أبانا البارّ دانيال توسل إلى المسيح الإله، أن يخلص نفوسنا.

    قنداق باللحن الثاني
    لما صبوْتَ إلى العلويات، انتزحتَ عن السفليات، وجعلتَ العمود سماء ثانية، وبهِ تلألاتَ بشعاع العجائب أيها البار، فتشفع إلى المسيح الإله على الدوام،أن يخلص نفوسنا.

    [/FRAME]

  7. #47
    أخ/ت مبارك/ة الصورة الرمزية Mayda
    التسجيل: Sep 2007
    العضوية: 635
    هواياتي: Reading, Reading & Reading
    الحالة: Mayda غير متواجد حالياً
    المشاركات: 2,709

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    رد: السنكسار اليومي -12- كانون الأول

    [FRAME="11 70"]

    (12 كانون الأول)

    * القديس اسبيريدون العجائبي أسقف تريميثوس *



    القديس اسبيريدون العجائبي
    (+348م)

    نشأته:
    ولد القديس اسبيريدون وعاش في جزيرة قبرص. احترف رعاية الأغنام وكان على جانب كبير من البساطة ونقاوة القلب. وإذ كان محبّاً لله، نما في حياة الفضيلة، محبةً للقريب ووداعةً وخفراً وإحساناً واستضافةً للغرباء. كل من أتى إليه زائراً كان يستقبله، على غرار إبراهيم خليل الله، وكأنه المسيح نفسه. الإنجيل، بالنسبة إليه، كان سيرة حياته لا كلاماً إلهياً وحسب. كان لا يردّ محتاجاً. كل محتاج كان يجد عنده تعزية ولو يسيرة. قيل إنه اعتاد أن يستودع نقوده صندوقاً مفتوحاً كان لكل محتاج وصول إليه. لم يهتمّ أبداً بما إذا كان صندوقه فارغاً أو ممتلئاً. هذا في نظره كان شأن ربّه. هو المعطي في كل حال ونعم الوكيل! كما لم يكن ليسمح لنفسه بالحكم على المقبلين إليه إذا كانوا محتاجين بالفعل أم لا، مستحقّين أو غير مستحقّين.

    ‏ذكر عنه المؤرّخ سوزومينوس، في مطلع القرن الخامس الميلادي، أن زمرة من اللصوص حاولت سرقة بعض من أغنامه ليلاً فمنعتها يد خفيّة وسمّرتها في مكانها. ولمّا أطلّ الصباح واكتشف القديس اسبيريدون اللصوص وعظهم وصلّى عليهم وحلّهم من رباطهم وأطلقهم بعد أن زوّدهم بأحد كباشه. قال لهم أنهم تكبّدوا من المشاق ما لم تكن له ضرورة لأنه كان بإمكانهم أن يحصلوا على ما يريدون دون ارتكاب خطيئة قاسية كالتي ارتكبوها ودون تعريض أنفسهم للهلاك؛ فقط بمجرد السؤال. لو طلبوا منه ‏لأعطاهم!
    ‏هذا وتفيد الشهادات أن القديس اسبيريدون تزوّج ورزق ابنة وحيدة اسمها سلام (ايريني). فأما زوجته فرقدت بعد سنوات قليلة من زواجه وأما ‏ابنته فتبتّلت إلى أن رقدت في الرب وأبوها حي يرزق.
    ‏يذكر، وفق ما أورد سوزومينوس، أنه كانت للقديس عادة أن يمسك ‏وعائلته عن الطعام أياماً في الصوم الفصحي ولا يتناول منه شيئاً. وقد كان يحدث أن يمرّ به غريب أضنته أتعاب السفر، فكان رجل الله يستضيفه برأفة وفرح ويعّد له طعاماً يتقوى به. وإذا لفته الضيف إلى أنه مسيحي وأن عليه أن يحفظ الصيام كان القديس يخفّف عنه مؤكداً أنه ليس في الطعام ما ‏ينجّس وأن للصوم استثناء.

    ‏ذاع اسم القديس اسبيريدون في قبرص ذيوعاً كبيراً. فلما رقد أسقف تريميثوس، المدينة الصغيرة القريبة من السلامية، عند شاطئ البحر، وقع اختيار المؤمنين بالإجماع عليه رغم أن ثقافته بالكتب كانت متواضعة. ولم تغيّر الأسقفية من طريقة عيش القديس شيئاً لأنه استمرّ راعياً للأغنام، فقير اللباس، لا يمتطي دابة بل يسير على قدميه، ويعمل في الفلاحة. لكنه، منذ أن تسقّف، التزم مهامه الرعائية بجد كبير ومواظبة وإخلاص.

    كانت أبرشيته صغيرة جداً والمؤمنون فيها فقراء، لكنهم غيارى على الإيمان. لم يكن في المدينة الصغيرة من الوثنيين غير قلة قليلة.
    ‏وقد جرى القديس على قسمة مداخيله إلى قسمين: قسم درج على إعطائه ‏للفقراء، وقسم تركه لكنيسته وأهل بيته وإقراض الناس. لم يعتد أن يحمل همّ الغد. يكفي اليوم شرّه ويرسل الله غداً ما لا تعلمون! هذا كان عنوانه في تعاطيه والمحتاجين.

    ‏لما أثار الإمبراطور الروماني مكسيميانوس غاليريوس اضطهاداً على المسيحيين لحق القديس اسبيريدون نصيب منه. فقد ذكر أنه نتيجة اعترافه بالمسيح فقد عينه اليمنى وقطع المضطهدون أوصال يده اليسرى وحكموا عليه بالأشغال الشاقة في المناجم.

    لم تكن العلوم الإنسانية مألوفة لقدّيس الله لكنه كان يعرف الكتاب المقدّس جيّداً. وإذ حدث، مرة، أن التقى أساقفة قبرص معاً قام فيهم تريفيلوس، أسقف "لادري"، واعظاً. تريفيلوس، حسبما أورد القديس إيرونيموس، كان أبلغ خطباء زمانه. فلما عبر بالقولة الكتابية "قم احمل سريرك وامش" استعمل عوض لفظة "سرير" الكتابية باليونانية لفظة أخرى متأنقة لعله حسبها أفصح من الأولى وأدق وأوفق. فاستهجن قديس الله فعلته وأن يُظن أنه يضيف بذلك نعمة إلى بساطة الكلام الإنجيلي فوقف سائلاً معترضاً إذا كان الواعظ يعرف اللفظة الموافقة أكثر من الرسول نفسه، صاحب الإنجيل؟
    ثم إنه قيل إن القديس اسبيريدون اشترك في المجمع المسكوني الأول الذي انعقد في مدينة نيقية، سنة325 ‏م، بناء لدعوة قسطنطين الملك. فلما حضر كان بهيئة راعي غنم وله صوف الخروف على كتفه، بعين واحدة ويده اليسرى ملتوية ولحيته بيضاء ووجهه مضيء وقوامه قوام رجل صلب على بساطة أخّاذة، فلم يكن من الإمبراطور والموجودين إلاّ أن وقفوا له إجلالاً بصورة عفوية.
    ‏وقد جاء في التراث أن القديس اسبيريدون أفحم أحد الفلاسفة الآريوسيين في المجمع. لم يفحمه بقوة الكلام بل بالبساطة وبرهان الروح القدس فيه. وكان من نتيجة ذلك أن عاد الآريوسي عن ضلاله.

    ‏قرابة ذلك الوقت رقدت ابنته سلام (إيريني). وكان أحد العامة قد استودعها غرضاً جزيل القيمة، ربما كان ذهباً، فخبّأته في مكان آمن لا يدري به أحد غيرها. فلما كاشف الرجل قديس الله بالأمر فتّش له عنه فلم يجده. وإذ كان العامي حزيناً وبدا في حال التأثر العميق، تحرّك قلب القديس شفقة عليه فذهب، وفق شهادة المؤرّخين الكنسيّين سقراط وسوزومينوس، إلى قبر ابنته ودعاها بالاسم وسألها عن المكان الذي خبّأت فيه الأمانة. فأجابته ودلّته على المكان بدقّة. فذهبوا وفتّشوا فوجدوه حيث قالت لهم.
    ‏هذا وتنسب للقديس اسبيريدون عجائب كثيرة قيل إنه اجترحها واستأهل بسببها لقب "العجائبي".

    ‏من ذلك أن امرأة فقيرة، غريبة اللسان، جاءته بابنها ميتاً وألقته عند قدميه، فصلّى عليه، فأقامه الرب الإله بصلاته من الموت.
    ‏ومن ذلك أنه أبرأ قسطنديوس قيصر، ابن قسطنطين الكبير، إثر مرض عضال ألمّ به وهو في أنطاكية. وبعدما تمّ شفاؤه نصحه القدّيس بأن يحذر على صحة نفسه بالأولى، لأنه كان آريوسي النزعة، وأن يرأف بعباد الله. ومن ذلك أنه استنزل المطر بعد قحط، مرة، وأوقفه بعد وفرة مرة أخرى. ومن ذلك أنه حوّل حيّة إلى ذهب محبة بفقير، ثم بعد قضاء الحاجة أعاد الذهب حيّة.

    ‏ومن ذلك أنه كان علاماً بالقلوب يحرّك النفوس برأفته إلى التوبة. مثل ذلك أن امرأة زانية دنت منه تروم لمسه فلم يأنف منها ولا صدّها، بل رمقها بنظرة حنان حزيناً عليها فنفذت نظرته إلى أعماقها، فألقت بنفسها، بصورة عفوية، عند قدميه وغسلتهما بدموعها معترفة بخطاياها، فأقامها وهو يقول لها، على مثال المعلم: "مغفورة لك خطاياك! اذهبي بسلام ولا تخطئي بعد!".

    ‏ومن ذلك أنه خرج مرة إلى كنيسة منعزلة أهملها المؤمنون، وشاء أن يقيم فيها الذبيحة الإلهية. لم يشعل الخدّام في المناسبة إلا مصابيح قليلة لأنهم قالوا لم يحضر من الناس غير أفراد قلائل. ولكن ما إن انطلقت الخدمة حتى بدا أن الحاضرين أكثر بكثير مما كان منظوراً، وجلّهم كان لا من البشر بل من الملائكة. فما أن استدار الأسقف باتجاه الشعب وأعطى السلام: "السلام لجميعكم!" حتى صدحت في الكنيسة أصوات الملائكة مجيبة: "ولروحك أيضاً!". على هذا النحو استمر القداس الإلهي: القديس يؤمّ الخدمة والملائكة تجيب. أمّا قناديل الزيت فامتلأت زيتاً وأضاءت بالأكثر.

    ‏ومن ذلك أن شمّاساً أخرس اشتهى أن يصلّي صلاة وجيزة عند الظهر في أوان الحر فرأف به القديس وتضرّع إلى الرب الإله من أجله، فانحلت عقدة لسانه وفتح فاه وصلّى. لكنْ أخذه العُجب فأطنب في الصلاة لأجل السبح الباطل فأعاده القديس أخرس أصماً لا ينطق بشيءٍ البتة.

    ‏ومن ذلك أنه خفّف مرة فيض نهر كان يتهدّد السكان.
    ‏ومن ذلك أن تاجراً رغب في شراء مائة من العنز من قطيع الراعي القدّيس. فلما حضر لاستلامها دفع ثمن تسع وتسعين منها لأنه قال ليس من عادة القديس أن يعدّ المال. وإذ أخذ مائة بهيمة وهم بمغادرة المكان أبت إحداها إلا أن تعود إلى الصيرة. فأمسكها وأخذها بالقوة، فأفلتت منه وعادت إلى الصيرة.ففعل ذلك ثانية وثالثة فلم ينجح. فالتفت إليه رجل الله وخاطبه بوداعة: لعلك لم تدفع ثمنها يا بني! فاعترف التاجر واستسمح ودفع ثمن الباقية. إذ ذاك فقط خرجت البهيمة بهدوء وانضمت إلى القطيع المباع.
    ‏رقد القديس في الرب في اليوم الثاني عشر من شهر كانون الأول من السنة الميلادية 348. كان قد بلغ من العمر ثمانية وسبعين عاماً. آخر ما يذكر التاريخ عنه أنه اشترك، سنة347م، في مجمع سرديكا دفاعاً عن القدّيس أثناسيوس الكبير.

    ‏هذا وتستقر رفات القديس اليوم في جزيرة كورفو اليونانية. جسده لم ينحل إلى اليوم. بقي في قبرص حتى القرن السابع الميلادي، ثم إثر الفتح العربي جرى نقله إلى مدينة القسطنطينية حيث أودع كنيسة قريبة من الكنيسة الكبرى. وفي العام 1456‏م تمّ نقله خفية إلى جزيرة كورفو بعدما سقطت القسطنطينية في أيدي الأتراك. لقد كان جسد القديس وما زال إلى اليوم ينبوعاً لأشفية كثيرة وهو شفيع كورفو حيث سجّل أنه أنقذ الجزيرة من وباء الكوليرا مرة، ومن الغزو الأجنبي مرة أخرى. وهناك اعتقاد سار بين العامة اليوم أن القديس ما زال يجول، بصورة عجيبة، في الأرض يشفي المرضى ويغيث المبتلين. وهم يستدلّون على ذلك من الجوارب التي جرى أهل الدير الذي يستكين فيه جسده على إلباسه إياها. هذه تغيّر له مرة في السنة، وكلما آن أوان استبدالها لاحظ المقامون على خدمته أنها تكون قد بليت أو تكاد من الجهة التي يطأ المرء بها في العادة. أما الجوارب المستعملة فتُوزّع بركة على المؤمنين.

    ‏ليتورجياً، تغبط الكنيسة القديس اسبيريدون باعتباره قانوناً لرؤساء الكهنة وتورد اسمه بين القدّيسين النماذج في إفشين "خلّص يا رب شعبك...". كما تصفه بـ "مجرى المحبة الذي لا يفرغ" وتعتبره "العقل الإلهي الوديع الكامل المزيّن بالبساطة الحقيقية" وتشبّهه بموسى لبساطته وداود لوداعته وأيوب لسيرته التي لا عيب فيها.

    وترتل له الطر وبارية التالية:
    ‏"لقد ظهرت عن المجمع الأوّل مناضلاً. وللعجائب صانعاًُ. يا أبانا ‏سبيريدونوس المتوشح بالله. فلذلك خاطبت الميتة في اللحد. وحوّلت حيّة إلى ذهب. وعند ترتيلك الصلوات المقدّسة. كانت لك الملائكة شركاء في الخدمة. أيها الكلي الطهر. فالمجد للذي مجّدك. المجد للذي كلّلك. المجد للصانع ‏بك الأشفية للجميع".

    ‏هذا وقد درج، في بعض الأحيان، أن تصوّر الكنيسة القديس اسبيريدون، ‏في إيقوناتها، وعلى رأسه ما يشبه السلّ، إشارة إلى كونه راعي غنم، وفي يده اليسرى حجر فخّاري يظهر عمودياً وقد خرجت من طرفه الأعلى نار ومن طرفه الأسفل مياه. وبالعودة إلى سيرة القديس الموسّعة يتبيّن أن لهذا الحجر قصّة مفادها أنه خلال المجمع المسكوني الأوّل (نيقية325‏م) الذي قيل أن اسبيريدون اشترك فيه، أفحم القديس أحد الآريوسيين البارزين لما أثبت له، بالبرهان الحسي، كيف يمكن لله أن يكون واحداً في ثلاثة أقانيم، آباً وابناً وروحاً قدساً. فلقد ذُكر أن القديس أخذ قطعة فخار بيساره

    وعمل إشارة الصليب بيمينه قائلاً:
    v ‏"باسم الآب" ، فخرجت للحال من الفخار، من فوق، نار.
    v ‏"والابن"، فخرجت من الفخار، من تحت، مياه.
    v ‏ "والروح القدس"، فاتحاً يده، فبان الفخار بعد فخاراً من تراب.
    ‏إثر ذلك، على ما قيل، أكبر الآباء القدّيسون رجل الله اسبيريدون على ‏ما فعل، ولم يسع الآريوسي إلا التسليم بالأمر الواقع والإقرار بصحّة إيمان ‏رجل الله بالثالوث القدّوس.


    طروبارية باللحن الأول
    لقد ظهرتَ عن المجمع الأول مناضلاً، وللعجائب صانعاً يا أبانا اسبيريدونس المتوشح بالله، فلذلك خاطبتَ الميتَة في اللحد، وحوَّلتَ حيةً إلى ذهب، وعند ترتيلك الصلوات المقدسة، كانت لك الملائكة شركاء في الخدمة أيها الكلي الطهر، فالمجد للذي مجَّدك، المجد للذي كلَّلك، المجد للفاعل بك الأشفية للجميع.


    قنداق باللحن الثاني
    أيها الكلي الطهر، لما جُرحتَ بمحبة المسيح، مرقياً عقلك نحو شعاع الروح، وجدت العمل أيها المُلهَم من الله بالنظر الفعلي، صائراً مذبحاً إلهيّاً، مستمداً للجميع الإشراق الإلهي.


    [/FRAME]

  8. #48
    أخ/ت مبارك/ة الصورة الرمزية Mayda
    التسجيل: Sep 2007
    العضوية: 635
    هواياتي: Reading, Reading & Reading
    الحالة: Mayda غير متواجد حالياً
    المشاركات: 2,709

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    رد: السنكسار اليومي -13- كانون الأول

    [FRAME="11 70"]
    (13 كانون الأول)

    * القديسون الشهداء أفستراتيوس وأفجانيوس وافكسنديوس ومرداريوس وأوريستوس *



    القديسون الشهداء أفستراتيوس وافكسنديوس وأفجانيوس ومرداريوس وأوريستوس


    (+305م)



    عاش هؤلاء القدّيسون الخمسة واستشهدوا في أرمينيا. وقد بذلوا دماءهم تمسكاً بالإيمان بالرب يسوع المسيح في زمن الإمبراطورين الرومانيين ذيوكليسيانوس ومكسيميانوس حوالي العام 305 ‏للميلاد.

    ‏أما أفستراتيوس فكان من مدينة تدعى أروراكا، لكنه سكن في مدينة ‏ساتالا. كان ينتمي إلى الأرستقراطية وكان لامعاً. شغل مناصب هامة في المدينة وكان مسيحياً، لكنه لم يكن قد جاهر بمسيحيته إلى ذلك الوقت. أسبابه تبقى ملكاً له. ربما لم تكن ساعته قد جاءت بعد. فلما حمل الحكام بضراوة على المسيحيين وجرى القبض على عدد منهم في ساتالا حيث ضُربوا وعُذِّبوا وسجنوا، صدمت أفستراتيوس جهادات المعترفين المباركة فاشتهى، هو أيضاً، أن يكون له نصيب في الشهادة لاسم الرب يسوع. لكن كانت الشجاعة تنقصه وخشي أن تخور عزيمته تحت وطأة التعذيب متى حلّت ‏الساعة. كان بحاجة لعلامة، لتثبيت، لعون القائل: "بدوني لا تستطيعون أن تفعلوا شيئاً". وإذ راودته شتى الأفكار خطر بباله أن يستطلع مشيئة الله على النحو التالي: أوفد أحد خدّامه حاملاً السير خاصته، وهو علامة رفعته، إلى الكنيسة وأوصاه أن يضعه على المذبح ثم يتنحى جانباً ويلاحظ من يأتي أولاً ويأخذه. وقد جعل أفستراتيوس في قلبه أنه إذا كان هذا الإنسان أفكسنديوس الكاهن تكون هذه علامة من الله أنه يدعوه إلى الشهادة.

    وبالفعل تمّم الخادم ما طلبه منه سيِّده وعاد إليه قائلاً: "هو أفكسنديوس الكاهن!" فتشدّد أفستراتيوس وزال من أفق نفسه كل أثر للخوف والتردّد. لم يفكّر للحظة أن ما حدث حدث بالصدفة. والرب الإله ثبّت عزمه. من تلك الساعة أخذ يعدّ العدّة للدخول في ساحة الجهاد. ماذا فعل؟ أعدّ مأدبة فاخرة دعا إليها أقرباءه وأصدقاءه، وفي أثنائها أعلن لهم بفرح كبير أنه على وشك أن يتلقى كنزاً لا يبلى. لا هو أفصح، كما يبدو، ولا المدعوون فهموا ولو تظاهروا، من باب اللياقة، بمشاركته الفرح.
    ‏وحلّ اليوم التالي.

    ‏كان ليسياس، آمر المدينة، مزمعاً أن يوقف السجناء المسيحيّين أمامه ‏ليحاكمهم. فما أن فُتحت الجلسة حتى تقدّم أفستراتيوس وأعلن أنه مسيحي، ثم طلب الانضمام إلى مصف الموقوفين. فبدا ليسياس للحظات كأنه أُخذ على غفلة وارتبك، لاسيما وأفستراتيوس معروف جداً في قومه، لكنه سرعان ما تمّلك نفسه واستعاد المبادرة ليأمر الجند بتجريد المعترف من إشارات مهامه الرسمية وتعريته وجلده قبل استجوابه. وبعدما فعلوا علّقوه بالحبال فوق جمر النار وأشبعوه ضرباً وحشياً. كل هذا وأفستراتيوس غير مبال بما أنزلوه به، كأننا بالتعذيب كان يطال آخراً سواه ولا يطاله. وعلى غير ما كان متوقعاً، وجّه القدّيس كلامه إلى الحاكم شاكراً معلناً أنه "الآن علمت أني هيكل الله والروح القدس ساكن فيّ!" فاغتاظ ليسياس وأمر بفرك جراحه بالملح والخل ففعلوا فلم يُجدِهم الإمعان في التعذيب نفعاً، لا بل قيل إنه ما أن حلّ المساء حتى التأمت جراح رجل الله التئاماً عجيباً.

    ‏وفيما كان أفستراتيوس في خضم الجهاد بجانب سائر المعترفين اهتزت نفس أفجانيوس الضابط فيه لعذاباتهم فطفر نحو الحاكم طلب الانضمام إلى الموقوفين لأنه هو أيضاً مسيحي.
    ‏وكان مساء وكان صباح يوماً واحداً.

    ‏في صبيحة اليوم التالي، أخرج الجنود الموقوفين من السجن واقتادوهم سيراً على الأقدام إلى مدينة نيقوبوليس. وإذ رغب ليسياس في أن يسخر من أفستراتيوس، "أكرمه" بأن جعل في رجليه حذاء مزروعاً بالمسامير.

    يومان مضنيان قضاهما المجاهدون في سيرهما إلى نيقوبوليس. وفي الطريق إلى هناك. كان لا بدّ للمشاة وآسريهم أن يمّروا بأروراكا، مسقط رأس أفستراتيوس، فتعرّف على هذا الأخير مواطن له اسمه مرداريوس فاعتراه الذهول لمنظره واهتزّت نفسه فيه لأنه أكبر فعلة هذا الرجل وتخلّيه عن مجد العالم ومتعته. وإذ تحرّكت الغيرة على الإيمان في نفسه وزكّتها زوجته قرّر، لتوّه، الالتحاق بتلامذة المسيح هؤلاء المساقين إلى الموت. الفرصة الآن لاحت، كيف يفوّتها؟! فقام للحال وودّع امرأته وقبّل ابنتيه الصغيرتين ووكل عائلته إلى واحد من معارفه الطيّبين، ثم أسرع فانضم إلى قافلة الشهداء.
    ‏وأُوقف المجاهدون أمام الحاكم من جديد.

    ‏كان أول الماثلين أفكسنديوس الكاهن. سؤل سؤالاً أو اثنين، ثم اقتيد إلى غابة منعزلة. هناك عمد جلاّدوه إلى قطع رأسه، ثم أخفوا الرأس بين الشجر الكثيف وطرحوا الجسد طعمة للحيوانات المفترسة. لكن بعض المسيحيّين الأتقياء تسلّلوا إلى هناك فأخذوا الجسد وبحثوا عن الرأس فدلّهم عليه أحد الغربان فالتقطوه وانصرفوا.

    ‏بعد أفكسنديوس كان دور مرداريوس. لم يكن لمرداريوس غير جواب واحد على كل الأسئلة الموجّهة إليه: "أنا مسيحي!" فأمر الحاكم بتثبيت يديه ورجليه بأوتاد إلى خشبة وقلبت الخشبة فصار رأسه متجهاً إلى أسفل ورجلاه إلى أعلى، وأشار بضربه حتى الموت بقضبان معدنية محمّاة. وقبل أن يلفظ الشهيد أنفاسه الأخيرة، خرجت من فمه، على ما قيل، صلاة ما زالت كنيستنا تردّدها إلى اليوم في خدمة نصف الليل والساعة الثالثة وصلاة النوم الكبرى.

    والصلاة هي التالية:
    ‏"أيها السيد الإله الآب الضابط الكل، والرب الابن الوحيد يسوع المسيح والروح القدس، اللاهوت الواحد والقوة الواحدة، ارحمني أنا الخاطئ، وبأحكام تعلم بها خلّصني أنا عبدك غير المستحق، فإنك مبارك إلى دهر الداهرين، آمين".
    ‏ثم بعد مرداريوس أوقف أفجانيوس.

    ‏تكلم أفجانيوس بلهجة ثابتة واثقة فازداد الحاكم حقداً واشتد حماقة ‏وغيظاً. فأوعز إلى جنده بقطع لسانه وبتر يديه ففعلوا. أما بقية جسده فأوسعوها ضرباًَ وحطموا عظامه بقضبان من حديد، واستمروا كذلك إلى أن ‏أسلم الشهيد نفسه قرباناً بين يدي الله الحيّ.

    ‏عند هذا الحد من الوحشية والتفظيع خرج ليسياس الحاكم إلى العسكر ‏ليقف على سير تدريباته. فحدث أن مجنّداً حديثاً اسمه أوريستوس، صلباً، حسن المنظر وقوراً، استرعى انتباهه. وإذ أخذ المجنّد رمحه بان في صدره صليب خرج من تحت قميصه فلاحظه ليسياس وسأله عنه فاعترف بجرأة ولم ينكر أنه تلميذ للمسيح، فأُوقف للحال. ولما لم يشأ الحاكم الاستمرار في عمليات تعذيب الموقوفين خشية إثارة حفيظة المسيحيين بعدما شعر بأنهم ‏كثر في المدينة أمر بسوق أفستراتيوس وأوريستوس إلى سباسطيا المعروفة بشهدائها الأربعين ليمثلا أمام حاكمها أغريقولاوس.
    ‏استغرق الوصول إلى سباسطيا خمسة أيّام.

    ‏دخل أفستراتيوس في نقاش مع الحاكم بعدما أتاح له فرصة الكلام، فعبّر له عن عقم الأوثان وبطلان الفلسفة، وكلّمه عن الله، خالق السماء؟ والأرض، وعنايته بالناس منذ البدء، وعن الرب يسوع المسيح. فارتبك الحاكم لأنه لم يكن لديه ما يجيب به. وإذ فشل في فرض هيبته بالإقناع شاء أن يفرضها بما أوتي من سلطان فقال للموقوف أن عليه أن يمتثل لأمر قيصر ويقدّم العبادة لآلهة قيصر وإلا استأهل الموت، فلم يذعن أفستراتيوس له. فاغتاظ الحاكم لكنه لم يشأ للحال إنزال عقوبة الموت به، ربما لأنه عرف أنه من الأرستقراطية ورغب في استعادته بالتخويف. لهذا السبب أمر بتمديد أوريستوس على سرير حديدي محرق. إزاء تسارع الأحداث، اضطربت نفس المجنّد فشجّعه أفستراتيوس وثبّته، فأسلم أوريستوس الله أمره واستودعه روحه.

    ‏أما أفستراتيوس فألقي في السجن إلى اليوم التالي علّه يتراجع. وقد ذكر أن القديس بلاسيوس، أسقف سبسطيا، المعيّد له في11 ‏شباط، تمكّن من التسلل إلى داخل السجن حيث قابل أفستراتيوس وعزّاه وشجّعه وأقام الخدمة الإلهية وناوله. كما ذكر أن نوراً ساطعاً ملأ المكان وصوتاً نادى أفستراتيوس قائلاً له: "لقد جاهدت الجهاد الحسن فتعال الآن خذ الإكليل!". وثمة صلاة قيل إن أفستراتيوس نطق بها تلك الليلة في سجنه وما زالت تتردّد عندنا إلى اليوم في صلاة نصف الليل في السبوت. وقد جاء فيها: "أيها الرب إني أعظّمك تعظيماً لأنك نظرت إلى تواضعي ولم تحبسني في أيدي الأعداء بل خلّصت من الشدائد نفسي. والآن أيها السيّد، لتسترني يدك ولتأتِ عليّ رحمتك، فإن نفسي قد انزعجت، وهي حزينة عند خروجها من هذا الجسد الدنس الشقي، لئلا تلتقيها وتعيقها مشيئة المعاند الرديئة من أجل الخطايا التي اجترمتها في هذا العمر بمعرفة وغباوة. فكن لي غافراً أيها السيّد ولا تسمح أن تبصر نفسي منظر الشياطين الأشرار المدلهّم المظلم، بل فليتسلّمها ملائكتك البهجون المنيرون.

    أعطِ مجداً لاسمك القدّوس وأصعدني بقوّتك إلى عرشك الإلهي. وفي وقت مداينتي لا تدركني يد أركون هذا العالم وتجتذبني أنا الخاطئ إلى عمق الجحيم، بل اعضدني وكن لي مخلصاً ونصيراً، فإن هذه العقوبات الجسدية إنما هي مسرّات لعبيدك. ارحم يا رب نفسي التي قد تدنّست بأهواء هذا العمر، وتقبّلها نقيّة بالتوبة والاعتراف، فإنك مبارك إلى دهر الداهرين، آمين".
    ‏هذا وقد قضى القديس أفستراتيوس في آتون محمّى. باركه ودخل إليه على غرار الفتية الثلاثة القدّيسين.

    ‏بعد ذلك تمّ جمع رفات القديسين الخمسة معاً. وقيل إن القديس فلاسيوس ‏هو الذي فعل ذلك وجعلها في أروراكا. ثم جرى نقلها إلى القسطنطينية حيث أودعت كنيسة على اسم الرفقاء الخمسة. وذُكر أنه كثيراً ما شوهد الخمسة
    أحياء في تلك الكنيسة. كما ذُُكر أن الرفات أُخذت، فيما بعد، إلى روما ووضعت في كنيسة القديس أبوليناريوس. وقد حفظت الذاكرة أنه كانت للخمسة، في وقت من الأوقات، كنيسة على اسمهم في جزيرة خيوس. فحدث في فصل من فصول الشتاء القاسية، في يوم عيدهم، أن أهل الجزيرة أخفقوا في الوصول إلى الكنيسة بسبب وجودها في مكان معزول. وحده كاهن تقي توجّه إلى هناك وأصرّ على إقامة الخدمة الإلهية ولو منفرداً. فجأة ظهر له خمسة رجال على شبه القدّيسين الخمسة، أصحاب العيد، كما بدوا في الإيقونة خاصتهم. هؤلاء أخذوا أمكنتهم حيث يقف المرتّلون في الكنيسة، عادة، وبدأوا ينشدون ترنيمات العيد بصوت جميل واضح. فلما بلغوا قراءة ‏سيرة الشهداء، أخذ أحدهم، أوريستوس، الكتاب ووقف في وسط الكنيسة وبدأ يقرأ.

    فلما بلغ الموضع الذي يعرض لاضطرابه هو أمام السرير المعدني المحمّى بالنار الذي كان الجلادون على وشك تمديده عليه غيّر في النص قليلاً. فبدل أن يقول عن نفسه"... خاف واضطرب "قرأ"... ابتسم". للحال قاطعه ‏‏أفستراتيوس بلهجة قاسية وسأله أن يقرأ النص كما هو. فاحمّر خجلاً وأردف قائلاً "... خاف واضطرب". وبعد أن تمّم الخمسة الخدمة أقفلوا الكتب وأطفئوا الشموع وتواروا بنفس الطريقة التي ظهروا فيها.


    طروبارية باللحن الرابع
    شهداؤُك يا رب بجهادهم، نالوا منكَ الأكاليل غير البالية يا إلهنا، لأنهم أحرزوا قوَّتكَ فحطموا المغتصبين، وسحقوا بأسَ الشياطينَ التي لا قوَّة لها. فبتوسلاتهم أيها المسيح الإله خلصْ نفوسنا.


    قنداق باللحن الثاني

    لقد ظهرتَ يا لابسَ الجهاد، كوكباً ساطعاً جداً، للجالسين في ظلمة الغباوة، ولما تحصنتَ بالإيمان مثل الدرع، لم ترهبْ من جسارة المعاندين، بما أنك يا أفستراتيوس أَفصح الخطباء.
    [/FRAME]

  9. #49
    أخ/ت مبارك/ة الصورة الرمزية Mayda
    التسجيل: Sep 2007
    العضوية: 635
    هواياتي: Reading, Reading & Reading
    الحالة: Mayda غير متواجد حالياً
    المشاركات: 2,709

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    رد: السنكسار اليومي -14- كانون الأول

    [FRAME="11 70"]
    (14 كانون الأول)

    * القديسون الشهداء تيرسس وأبولونيوس وأَرِّيانوس *



    القديسون الشهداء تيرسس ولوقيوس وكلينيكوس


    (+250م)


    استشهد هؤلاء الثلاثة في أيام القيصر الروماني، داكيوس، في حدود العام 250 ‏للميلاد. فإثر قرار ملكي بملاحقة المسيحيين وتوقيفهم وإنزال أشد العقوبات بهم إذا ما رفضوا الانصياع لأوامر قيصر، توجه المدعو كومبريكيوس الوالي إلى نواحي نيقوميذيا ونيقية وقيصرية بيثينيا لوضع القرار الملكي موضع التنفيذ. ولما شاء الوالي أن يضرب المسيحيين من جديد تسبب في إهراق دماء العديد منهم وبطش بصغارهم وكبارهم، فاحتدّت روح الرب في رجل مسيحي من مواطني قيصرية اسمه لوقيوس، فتقدّم من الوالي بجرأة ما بعدها جرأة وصرخ في وجهه: "يا أيها الكَلْب الكَلِب، حتى متى تسفك الدماء كجدول المياه، ملزماً تلاميذ المسيح الودعاء أن يعبدوا الحجارة وقِطع الخشب الصمَّاء بصفتها آلهة؟" فنزل كلامه في عيني الوالي وأذنيه نزول الصاعقة. وما أن استردّ وعيه حتى أخذت الدماء في عروقه تغلي فأمر للحال بإلقاء القبض على لوقيوس وتقّدم جلادوه وأعملوا فيه ضرباً بالسياط شرساً. وإذ لم يقوّ الوالي على لجم هياج نفسه، عفّ عن محاكمة الرجل وفق الأصول وأمر للحال بقطع رأسه فنفذ الجلادون ‏حكمه.

    ‏وانتشر الخبر بين المسيحيين بسرعة فراعهم الحدث وأصيبوا بالذعر فلاذوا بالجبال والمغاور. إزاء حالة الفزع العارمة هذه انبرى رجل باسل اسمه تيرسس إلى ساحة التحدي وفي نيّته أن يبعث في القوم روح العنفوان والشهادة، فخرج إلى مقر الوالي وطلب مقابلته. ولما دخل عليه التزم أمامه الصبر، بجرأة وهدأة، وسعى إلى إقناعه إنه من الإذلال للناس وهم المتعقلون أن يعبدوا كائنات لا عقل لها وظواهر طبيعية. لكن الوالي لم يكن في وارد الأخذ والرد على صعيد الإقناع والاقتناع. لهذا السبب عاد وكرر أن المطلوب واحد وهو الطاعة الكاملة لأوامر قيصر. وإذ بدا أن تيرسس استنفد لغة الكلام والوالي لغة الصبر، أمر كومبريكيوس بتقييد الشاهد معصميه إلى رجليه وأسلمه للجلادين فانهالوا عليه ضرباً لا هوادة فيه، ثم حطموا كعبيه وفقأوا عينيه وسكبوا رصاصاً مذاباً على بدنه.

    غير أن النعمة الإلهية صانت حبيب الله وحفظته ثابتاً إلى المنتهى، وحصّنته كما بمجنّ غير منظور. وقد ذكر أن صلاة القديس دكّت الأصنام في المكان. ولكن لم يكن الوالي ليعتبر. وإذ تعب ولم ينجح في كسر مقاومة الرجل اشتد غيظه، لكنه أعاده إلى السجن ريثما يحشد عليه موجة جديدة من العنف والتعذيب. أمّا تيرسس فقد ظهر له الرب يسوع المسيح شخصياً وشدده، وقيل أخذه إلى أسقف المحلة ‏الذي عمده.

    ‏وكان أن كابد الشهيد المزيد من العذابات المرة على امتداد فترة من الزمان غير محددة إلى أن قضى الوالي وجيء بأخر اسمه بابدوس. هذا أراد التخلص من القديس فجعله جنوده في كيس محكم وألقوه في البحر. لكن ذكر أن ملاك الرب نجاه. كما ذكر أنه ألقي للأسود فلم تمسه بأذى. أمام كل هذا تحرّكت نفس رجل اسمه كلينيكوس كان كاهناً للأوثان، فاقتبل الإيمان بالمسيح وجاهر به أمام الوالي مقبِّحاً عبادة الأوثان فجرى توقيفه وإعدامه بقطع الرأس، فيما جعل الجند تيرسس في صندوق خشبي ضيّق نشروه ببطء كما ليستنفدوا ما في أنفسهم من ضغينة وغرور وحب للموت، ولكن على غير طائل لأن قوة الله فوق كل قوة.

    ‏هكذا كمّل رجل الله ألام المسيح في جسده ونال إكليل الحياة. وقد قيل أن ذلك حصل في مدينة تدعى أبولونيا.
    كما أورد المؤرخ الكنسي سوزومينوس (القرن 5م) أن قيصاريوس القنصل بنى على اسم القديس تيرسس في القسطنطينية كنيسة عظيمة جعل فيها بعضاً من رفاته. وكانت للقديس كنيسة أخرى في المدينة. كما ذكر أن القديس تيرسس ظهر للإمبراطورة بلخاريا القديسة (399-453 ‏م) وأشار عليها بأن تجعل رفات شهداء سبسطيا الأربعين بجانب رفاته هو. أما في الغرب فجرى تشييد عدد من الكنائس على اسم القديس تيرسس، لاسيما في إسبانيا.


    طروبارية باللحن الرابع
    شهداؤُك يا رب بجهادهم، نالوا منكَ الأكاليل غير البالية يا إلهنا، لأنهم أحرزوا قوَّتكَ فحطموا المغتصبين، وسحقوا بأسَ الشياطينَ التي لا قوَّة لها. فبتوسلاتهم أيها المسيح الإله خلصْ نفوسنا.

    قنداق باللحن الرابع

    لنجتمع اليوم جميعنا ونمدح بالتقاريظ الشريفة, كواكب الكنيسة, بما أنهم مجاهدو المسيح إلهنا.
    [/FRAME]

  10. #50
    أخ/ت مبارك/ة الصورة الرمزية Mayda
    التسجيل: Sep 2007
    العضوية: 635
    هواياتي: Reading, Reading & Reading
    الحالة: Mayda غير متواجد حالياً
    المشاركات: 2,709

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    رد: السنكسار اليومي -15- كانون الأول

    [FRAME="11 70"]

    (15 كانون الأول)

    * القديسان الشهيدان ألفثاريوس (الحر) الأسقف وأمه أنثيّا *


    القدّيس الشهيد في الكهنة ألفثاريوس ورفقته


    (القرن 2م)


    "لقد استأهلت أيها الأب الحلة الكهنوتية. بما أنك سميّ الحريّة الإلهية. وبتعليمك حسن العبادة بجرأة. ثقفتنا بالأقوال والأفعال. وإذ تممت قصدك في الاستشهاد. تلألأت في الأمرين كليهما. ونلت الإكليل مضاعفاً من لدن المسيح الإله. فإليه ابتهل أيها الشهيد في الكهنة أن يخلّص نفوسنا".

    ‏ هكذا تخاطب الكنيسة الشهيد في الكهنة ألفثاريوس الذي أبصر النور في مدينة رومية لأب اسمه أفجانيوس كن موظفاً كبيراً في خدمة قيصر وأم تقية اسمها أنثيّا. أبوه، فيما يبدو، كان وثنياً وقد رقد وألفثاريوس طفل. أما أمّه فاهتدت إلى الإيمان بالرب يسوع عبر تلاميذ الرسول بولس مباشرة.

    ‏نشأ ألفثاريوس مسيحياً وترعرع على محبة الله وحفظ الوصايا. وإذ كان لامعاً وأبدى قدرة فائقة على التعلم، اقترح أحد معلّميه على والدته أن تأخذه إلى أسقف رومية القديس أنيقيطس الحمصي (150-161 ‏م). فلما امتحنه الأسقف وبانت مواهبه غير العادية ونعمة الله عليه أخذه على عاتقه.

    وُضعت اليد على ألفثاريوس قارئاً وهو في سن الثالثة عشرة وشماساً وهو في الخامسة عشرة وكاهناً وهو في السابعة عشرة وأسقفاً على إلّيريا وهو في العشرين. ويبدو، لروح الله فيه ولفهمه وغيرته، أنه حقّق، في مجال نشر الكلمة بين الوثنيين، نجاحاً كبيراً. كل الوثنيين الذين التقاهم، ‏إما نجح في هدايتهم إلى المسيح أو كانوا يكنّون له احتراماً وتقديراً فائقين.

    ‏على هذا لم يلبث خبر ألفثاريوس أن بلغ أذني قيصر. وإذ كان القلق قد ساوره بسبب تزايد المسيحيين، أوفد أحد القادة العسكريين الموثوق بهم لديه، واسمه فيليكس، ليلقي القبض على القدّيس. ويبدو أن فيليكس تسلّل إلى المخبأ الذي كان القدّيس يقيم فيه الصلاة. فلما بلغه كان ألفثاريوس يعظ المؤمنين، فانتحى ناحية ووقف يسمع. ولكن ما أن انتهى رجل الله من الكلام حتى تقدّم إليه فيليكس، لا ليلقي عليه القبض بل ليعبّر له عن رغبته في أن يصير مسيحياً. فكلّمه ألفثاريوس بكلام الحياة ثم عمده.

    بعد ذلك، لم يشأ قديس الله أن يعود فيليكس إلى قيصر فارغاً فالتمس العودة معه. وبالجهد رضي فيليكس أن يصحبه إليه.
    ‏وقف ألفثاريوس أمام قيصر فسأله هذا الأخير عن إيمانه فاعترف بالرب يسوع إلهاً حقيقياً أوحداً فأحاله على التعذيب. وإذ عمد الجلاّدون إلى ضربه بالسياط وإلى إلقائه على سرير محمى بالنار، ثم إلى سكب الزيت المغلي عليه، لم يتزعزع ولا غيّب الألم كلمة الله في فمه فوبّخ الطاغية على اضطهاده حملان المسيح الودعاء.
    ‏وعرض أحد خدّام قيصر واسمه خوريبوس، أو ربما خوريمون، أن يُدخل ‏ألفثاريوس إلى فرن للتعذيب كان قد ابتدعه. في تلك اللحظة صلّى رجل الله من أجل هداية أعداء الله لأنهم لا يدرون ماذا يفعلون، فاخترقت النعمة قلب خوريبوس وأنارت بصيرته فاستنار وتغيّر من وحش يتلذّذ بتعذيب الناس إلى حمل وديع هادئ. للوقت أخذ خوريبوس جانب القديس ودافع عنه واعترف بالمسيح أمام الجميع فيما أصيب قيصر والحاضرون بالذهول. ثم إن خوريبوس دخل إلى الآتون الذي ابتدعه. دخل إليه بثقة وجرأة. ولكن أبت النار أن تمسّه بأذى فجرى قطع رأسه، وكذلك فعل الجلادون بفيليكس.

    ‏أما ألفثاريوس فعانى المزيد من التعذيب وألقي للحيوانات فلم تؤذه. وأن اثنين من الجنود آمنا بالمسيح بفضله وتمت شهادتهما. أخيراً ضرب الجلادون رأسه بالسيف. وما كادوا يفعلون حتى أسرعت أنثيا، والدة القديس، لتضمّ جسد ابنها المخضّب بالدم حباً فهاش إليها الجنود وفتكوا بها، هي أيضاً، فاختلط دمها بدم ابنها.

    ‏يذكر أن ثمّة من يظن أن أسقف رومية الذي رعى ألفثاريوس كان ‏أناكلتس لا أنيقيطس، وان استشهاده كان في زمن أدريانوس قيصر (117-138‏م) لا في زمن أنطونينوس (138‏-161‏م)، حوالي العام 130‏م. وهناك تقليد ثالث يقول إنه استشهد في أيام القيصر سبتيموس ساويروس (193-211م).

    يذكر أيضاً أن الشهيد هو شفيع النساء الحاملات اللواتي يسألنه الوضع ‏بالسلامة، وكذلك المسافرين في البحر والمرضى. بهذا المعنى ترتل له الكنيسة في أبوستيخن صلاة غروب العيد، هذا اليوم، الأنشودة التالية:
    "لقد تحنّنت أيها الأب على النسوة الدانية ولادتهن، الملازمات في هيكلك، وجُدت عليهن بالخلاص، وكذا منحت آخرين مستمدّين منك بحرارة السير حسناً في البحر، وأنك تخوّل الصحة للمرضى، متلألئاً في العجائب".

    هذا، ويبدو من تيبيكون الكنيسة العظمى في القسطنطينية. من القرن العاشر للميلاد. أن رفات القديس ألفثاريوس، أو بعضها على الأقل، أودعت كنيسة حملت اسمه فوق ما يسمى بالهضبة القاحلة وهي الهضبة السابعة من هضاب المدينة والمدعوّة كسيرولوفوس.

    أما رفاته اليوم فمع الأخذ في الاعتبار أنه يمكن أن تكون قد اختلطت برفات قديس أخر يحمل الاسم نفسه يعيّد له اليوم وهو معروف باسم ألفثاريوس كوبيكولاريوس، فإنها تتوزع على اليونان وقبرص وفلسطين وربما مناطق أخرى. بين هذه الأمكنة كنيسة القيامة في القدس ودير كيكّو في قبرص وديري كسيروبوتاموس وسيمونوس بتراس في جبل أثوس ودير القديس يوحنا اللاهوتي في باتموس ودير الثالوث القدوس في تسانغارولون (أكروتيري) اليونانية حيث يوجد قسم من جمجمته ودير ديونيسيو في جبل أثوس حيث توجد ذراعه اليمنى.

    طروبارية باللحن الخامس
    لقد سارعتَ مبادراً إلى المسيح سيدك, مزيَّناً بالحلة الكهنوتية, وقاطراً بمجاري دمائك, أيها المغبوط ألفثاريوس الحكيم, يا داحض الشيطان فلا تزل متشفعاً من اجل المكرمين بإيمان, جهادك المغبوط.

    قنداق باللحن الثاني
    بما أنكَ جمالُ الكهنة أيها البار، ونموذج لابسي الجهاد، نمدحكَ جميعنا ونطلبُ إليكَ أيها الشهيد في الكهنة ألفثاريوس، أن تُعتقنا من الشدائد الكثيرة الأنواع نحن المعيّدين بشوق لتذكارك، متشفعاً بغير فتور من أجلنا كافةً.
    [/FRAME]

صفحة 5 من 22 الأولىالأولى 12345678915 ... الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. الزاد اليومي
    بواسطة Alexius - The old account في المنتدى كتب للتحميل أو متوفرة على النت
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2011-04-27, 09:10 AM
  2. انظر اليك
    بواسطة نصيف خلف قديس في المنتدى الأدب والفنون
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 2010-12-31, 04:41 PM
  3. سجل إحساسك اليومي
    بواسطة Georgette Serhan في المنتدى التعارف والترحيب
    مشاركات: 18
    آخر مشاركة: 2010-02-02, 10:56 AM
  4. ( PowerPoint Slide Show) انظر إلى الإيجابيات في حياتك
    بواسطة Fr. Boutros Elzein في المنتدى أية وتأمل
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 2009-03-07, 09:06 AM
  5. كتاب السنكسار ؟
    بواسطة iyadlada في المنتدى المكتبة المسيحية
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 2008-12-12, 01:27 AM

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •