الأعضاء الذين تم إشعارهم

النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: حاجة الانسان المعاصر لسر التوبة والاعتراف

  1. #1
    أخ/ت نشيط/ة
    التسجيل: Jun 2010
    العضوية: 8703
    الإقامة: سوريا حمص
    هواياتي: الشطرنج-المشي-الانترنت
    الحالة: Elias غير متواجد حالياً
    المشاركات: 352

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    افتراضي حاجة الانسان المعاصر لسر التوبة والاعتراف

    مقدّمة: غربة الإنسان في عصرنا

    "تركوني أنا ينبوع المياه الحي واحتفروا لأنفسهم آباراً، آباراً مشقّقة لا تمسك الماء" (أرمياء 13:2).
    لم نعد نعيش في عصر يقيم وزناً لفضائل مثل التيقظ الروحي والسهر على حفظ النفس وصون النفس من الزلل. لم تعد مجتمعاتنا الساعية إلى طلب "السعادة" عبر وسائل اللّذّة والاستهلاك والتكنولوجية تتحسس الأبعاد الروحية لقيم كالجمال والطبيعة والفن والجسد البشر جملةً في حركة متسارعة إلى اللهو. كلام كثير يذاع هنا وثمّة عن "حقوق الإنسان" ومعظمه لا غاية له إلا استغلال الإنسان وانتهاك حرماته أو بكلام آخر جعله باسم الحرية عبداً. هذا، ويذهب غير قليل من المحلّلين الاجتماعيين إلى أن فلسفات الأنسنة (Humanism)، والتي هي وليدة عصور "التنوير الغربي"، لم تترك مكاناً للبعد الروحي في حياة الإنسان. حضارة اليوم تدعو كلّ واحد منّا وتمهّد له السبيل للاستغناء عمّا هو ديني روحي، ليكتفي بالغايات الآنية لوجوده، فيرتاح إلى ما يحقّقه من إنجازات بشرية صغيرة كانت أم كبيرة، ويبني أهراءات المال والسلطة واللذة التي "تؤمن" مستقبل2 مجتمعه واستقراره.
    غير أن الحقيقة الأكثر صدقاً أن إنساننا المعاصر، العابث، إنما يتذرّع بفلسفات الأنسنة وسواها ليبرّر إخفاقه في اكتناه الحقائق الروحية وعيشها. إننا عوضاً عن أن نواجه ذواتنا برصانة وصدق نميل في معظم الأحيان إلى تبرير النفس وخلق الأعذار والذرائع المبنية على الظروف والمعطيات الخارجية المتعدّدة والشديدة التعقيد، لنقول من ثم إن التعاليم الروحية للكنيسة أضحت بعيدة عن الواقع لا صلة لها بالإنسان المعاصر وتطلّعاته وأشجانه.
    لكن المحاسبة النزيهة للضمير تظهر غير هذا. ما ينكشف حين نتحقق عن كثب من واقع المشكلة أن الإنسان اليوم هو بأمسّ الحاجة إلى القيم الروحية التي هي السبيل الأنجع بل الأوحد لحلحلة أزماته وتهدئة اضطرابه. ولكن البشر يفضلون الهروب من كل هذا. الإنسان المعاصر يخاف الدين وما فيه من وعيد، لأن الشعور بالذنب يُثقل كاهله. صورة الإله القاضي الحامل الميزان في يمناه ليحاسب بصرامة كلاًّ عما فعل باتت منفّرة تكسر ظهر الإنسان عوضاً عن أن تساعده. هذه الصورة الحقوقية لله والتي كرّسها لاهوت القرون الوسطى مع ترتوليان، مروراً بأوغسطين وأنسلمس ووصولاً إلى سخولاستيكيّة الإقويني ومن حذا حذوه، جعلت الناس يجحدون الإله. ما لا شك فيه أن "اللاهوت المسيحي" في بعض اتجاهاته أو مدارسه قد أذنب فخسر كلّ إمكانية في محاورة الناس، بل جعل الإنسان المعاصر يفقد غايته. يفقد الرؤيا السليمة التي كان علم اللاهوت وحده قادراً على تزويده بها. فحين ينزاح اللاهوت عن مساره الأصيل، يميل البشر إلى إرواء عطشهم إمّا من روحانيات غريبة، وإما بالإقبال الأعمى على اللذة وأسبابها، أو بنوع من اللامبالاة وعدم الحسّ (Apatheia).
    "اللاهوت المسيحي" مذنب لأنه فقد أصالته. فقد رسالته الرعائية وإمكانية شفاء الإنسان وبلسمة جراحه. لم يعد اللاهوتُ ذاكَ السامريَ الشفوقَ الذي ينحني ليرفع الإنسان من وهدة جراحه. بات صيغاً فكرية عقيمة لا تسلّي سوى المتحذلقين. ولم يعد منهاجاً لشفاء الإنسان "لتكون له حياة: بالاستنارة، وليكون له أفضل: بالتمجيد" (يوحنا 10:10).
    وحدها أسرار الكنيسة قادرة اليوم على انتشال الإنسان من دوامة الظروف الحياتيّة التي تسيّره وتستعبده. ولكن مفتاح هذا كلّه يبقى ذلك الشعور الذي انتاب الابن الشاطر حين اشتهى أن يملأ بطنه من الخرنوب الذي كانت الخنازير تأكله ولم يستطع. ساعتئذٍ، يخبرنا الإنجيل، أنه "رجع إلى نفسه... وقال أقوم أذهب إلى أبي وأقول له أخطأت يا أبي إلى السماء وأمامك..." (لوقا 17:15-18).
    هذا الشعور بسوء حالنا، وحاجتنا إلى المسارعة إلى المسيح هو سرّ التوبة، الذي به وحده يكمن خلاص إنساننا اليوم.

    الشعور بالذنب المرضي والمعرفة الواعية للخطيئة

    "من يعرف خطيئته خير من الذي يقيم الموتى" (القديس إسحق السرياني).
    يصف علم النفس المستحدث شعور الإنسان بالذنب بأنه حالة عُصابيّة (Neurosis). وأنه كسائر "الأمراض النفسية" يؤدي تدريجياً بصاحبه إلى شيء من التراجع فالتدهور ثم الانهيار. أو على الأقل يضايقه بمقدار يحدّ من إنتاجيته الفكرية والعملية بحيث يفقد فاعليته في مجتمع دينه وديدانه التنافس في الانتاج والاستهلاك. ويماهي علماء النفس ما بين الشعور بالذنب ولون من الفرح بالخطيئة كامن في حنايا عقل الإنسان الباطن، حيث يتحرك بفاعلية كبرى وهو مستعد أن يؤدّي في لحظة غير منتظرة إلى الانفجار والتعبير بشكل جامح أو عنيف عن هذا التضعضع في شخصية الفرد أو حتى المجتمع برمته. وكثير من المغالين في التحليل يحمّلون الدين مسؤولية هذه الحالة. إذ يرون فيه نظاماً أخلاقياً يحدّ الإنسان بموانع ونواهي لا تؤدّي إلا إلى كبت ما فيه من حيوية. ولكن إن طبقنا منهج سيغموند فرويد نفسه (Sigmund Freud)، وهو خير من درس جدلية الشهوة والكبت في الإنسان، أفلا يتضح لنا أن عقدة الذنب هذه إنما تعود إلى البنية الأوديبية للأسرة (Oedipien Structure of the family)، أي إلى الاضطراب وعدم الاتزان في مناخ العائلة التي نشأ فيها الولد في سنيه الخمس الأولى، والذي شكّل وقولب الهيكلية الأساس لبنيته النفسية الفكرية والعاطفية!؟
    فمشكلة الشعور بالذنب إذاً، لا تأتي من قيم دينية يتربى عليها الإنسان، بل من تلوث أو فساد في عائلته، كما نلاحظ اليوم في الكثير من المجتمعات "الحديثة" حيث انفرط عقد الأسرة وبات كلٌّ يعيش على هواه. الشيء الأول الذي ينبغي لنا أن نقف عنده أن القيم الروحية وما فيها من ضوابط، إنما تجمع شمل العائلة وتبقي اللُحمة فيها بحيث يتأمّن جوّ معتدل ملائم لتفتّح الفرد ونموّه بشكل متزن. أما الأمر الثاني فهو أن "الشعور بالذنب" المَرَضي والناتج عن كبت وعقد، هو غير "الوعي للخطيئة" الذي عبّر عنه داود في مزموره الخمسين "لأني أنا عارف بإثمي وخطيئتي أمامي في كل حين"، والذي يتأتّى من شفافيّة أو بصيرة تشبه أعين الشيروبيم الدائمة اليقظة والتي تشاهد جمال الخالق فتستحي لقبحها أمامه، فتشتاق إلى مصالحته. والشوق يولّد فيها حركةً، يصير فيها ديناميكيّة بخلاف الشعور المرضي بالذنب والذي ما هو إلا جمود وموت. "ووعي الخطيئة"، أي هذه الحساسية الروحية التي عبّر عنها اللص المصلوب عن يمين المسيح وزكا العشار حين أدرك قصر قامته فاعتلى الجميزة، أساسٌ هامّ لفهم الإنسان لسرّ الاعتراف بل للحياة الروحية كلّها. لا بدّ للإنسان من أن يعرف معنى الخطيئة من حيث هي واقع يؤثّر على كيانه بجملته، يشتّت قواه ويبعثر مواهبه فيصير عقيماً لا يقوى على الدنوّ من مبدأ الحياة أي "معرفة الله" (يو 3:17) التي تعطي معنىً وهدفاً لوجود كل إنسان. الخطيئة تقود الإنسان إلى العبث، وتجاهُل الخطيئة عبر طرحها خارج مفاهيمنا الأخلاقية يقود بدوره إلى العبث. لأن الحقيقة لا يقربها الإنسان إلا بالمواجهة الصادقة للذات والله والمجتمع. فمعرفة الخطيئة هي قبل كل شيء عودة إلى حيّز الواقع، أي استدراك النفس التائهة في التخيلات لحالها المتدهورة. وهذا ما يسمّى في قاموس آباء الكنيسة "يقظة روحية" أي معرفة الإنسان لواقع حاله، وسهره على معالجة الاعوجاج فيها، والمحاولة الجادة منه للتمسك بهذا الوعي وما يصحبه من مسعى جاد. لذا فإن كل تطبيق شكلي لطقوس سر الاعتراف يبقى عديم الفائدة إذا لم يسبقه أو يصحبه نزوع النفس الأصيل إلى تبديل ما فيها من قباحة تؤذي علاقتها الحميمة بالمسيح. شعورنا بالحاجة إلى التوبة هو الأساس لسرّ الاعتراف. ولا اعتراف من غير توبة. لأن الاعتراف تكميل لما في النفس من ندامة وحزن مغبوط وشوق إلى الله. الله يجتذب الإنسان بنعمته إلى التوبة. والتوبة تقتاد الإنسان بنعمة الله إلى الاعتراف. والاعتراف يؤول بالإنسان إلى مغفرة الخطايا. وما المغفرة إلا بدايةً للنمو الروحي. فنحن لا نعترف لنفي ديناً لله علينا، بل لنكسر الحواجز الدهريّة القائمة في دربنا إلى وحدة الحال مع المسيح. نعترف لنعبّر لله عن تعلّقنا به، وعن حاجتنا إلى نعمته الشافية، وعن رغبتنا في الانفتاح عليه والاتحاد بشخصه. وهكذا لطالما عَبَرَ المسيحيّون المجاهدون بالتوبة، وفي كل الأزمنة، من الاستنارة إلى الكمال فالتمجيد.

    †††التوقيع†††

    يوحنا 17: 15
    لست أسأل أن تأخذهم من العالم بل أن تحفظهم من الشرير.



  2. #2
    أخ/ت نشيط/ة
    التسجيل: Jun 2010
    العضوية: 8703
    الإقامة: سوريا حمص
    هواياتي: الشطرنج-المشي-الانترنت
    الحالة: Elias غير متواجد حالياً
    المشاركات: 352

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    افتراضي رد: حاجة الانسان المعاصر لسر التوبة والاعتراف

    تتمة...

    الإنسان المعاصر وأزمة التواصل


    أسوأ ما في التطور الواسع النطاق لوسائل الاتصال في عالمنا، والتي يقال إنها جعلت الكون قرية صغيرة، أنها عزلت الإنسان بشكل كامل عن أخيه الإنسان. الثورات المتتالية، النهضة الأوروبية وما رافقها من حركة أدبية وفنية، الثورة الصناعية وما صحبها من قيام لطبقة بورجوازية لها فكرها ومجتمعها، الثورة الفرنسية وانهيار الأنظمة الملكية والثيوقراطيات، الثورة البلشفية وسيادة مارد الإلحاد، الحربان العالميتان وفقدان قيمة الإنسان الذي بات يُباد كالبرغش بعشرات الآلاف، ثم ثورة الطلاب التحررية في فرنسا عام 1968، كل هذه وما آلت إليه من تفلت واتجار بالجنس والقيم، حوّلت العلاقات بين الناس إلى آليات لا حياة فيها ولا عافية: مجرد اتجاه إلى من نحتاجه أو لنا مصلحة في صحبته. أليس هذا استمراراً لسقطة آدم التي لعنت الأرض وكل ما فيها فباتت الحيوانات التي كانت تألف وجهة تفرّ هاربة منه وبات عارياً يسعى بالأغطية إلى شيء من الطمأنينة أو راحة البال فلا يجد لأنه فقد محبته وفقد مصدر سلامة واستقراره.
    لا أشاء أن أنقض حاجة الإنسان في مجتمعاتنا إلى وسائل الاتصال، ولكن ما أودّ تسطيره أن هذه الوسائل باتت وسيلةً ناجحةً في تستّر الإنسان خلف قناع كاذب: يدّعي الانفتاح بينما هو يعتكف على "أناه" لعجزه عن تخطّي عقدها. الإنسان المعاصر يتصل بالجميع ولكنه لا ينجح في لقائهم الشخصي. لا مجال البتة للقاء الوجوه. قد تشاهد من تعرفه على شاشة الكومبيوتر ولكنك تعجز أن تجلس إليه لتنظر في عينيه. تتكلم كثيراً مع الناس ولكنك نادراً ما تفتح قلبك لهم، لأنه لا يمكنك أن تأتمنهم على ما في القلب. العلاقات البشرية في مجتمعاتنا غدت هكذا سطحية هامشية. والإنسان بات منغلقاً على ذاته غير قادر على تخطي حدود أنانيتها. حتى فضيلة الحب لم تنجُ من هذا الداء. الحب البشري بات ملوّثاً، حباً أنانياً خالياً من أي بذل إلا على صعيد القبيلة أو العائلة الصغيرة. نحن اليوم في قريتنا الكونية التي تطال أطرافها أرجاء الكون بأسره ضيّقين أكثر من أي وقت مضى، فالانفتاح الحقيقي هو في تخطّي حاجز الخطيئة الذي يعرقل الإنسان. فإن كلاًّ منا رازحٌ تحت أعباء آثامه منكمشٌ عليها، وإن أقرّ بها فهو يقرّ بينه وبين نفسه فقط، لأنها من خصوصياته، أو يعترف بها "بينه وبين الله" كما يقول. كلٌّ منا يحوّل حياته الداخلية إلى قدس أقداس لا يلجه أحد ولا حتى المسيح لأن الباب بات مقفلاً بالخطيئة وحب الذات.
    "هاأنذا واقف على الباب أقرع، يقول الرب، فإن سمع أحد صوتي وفتح لي أدخل إليه وأتعشى معه وهو معي"

    (رؤ 2 ).

    سر الإعتراف مجال للانتفاح الاجتماعي والكنسي

    المسيح يشاء بسر التوبة أن يكسر طوق الانعزال الذي يحيط بنا من خلال الخطايا. هو يدعونا إلى أن ندخل في سر الكنيسة من جديد إذ نطرح على عتباتها آثمنا ونلج لابسين حلّة جديدة لنشارك الابن بالعجل المسمّن. فإن المؤمن حين يلتجئ إلى الكاهن وينحني بعد اعتراف تحت البطرشيل، يدخل في هذا السر الذي به تنفتح القلوب على نعمة الله وعلى كنيسته، فيتصالح مع السماء ومع الناس ويصير من جديد وارثاً لفردوس آدم المفقود. الإنسان يستعيد دالته لدى الله فتصير صلاته مسموعة مقبولة بل إحساناً إلى الناس. يخرج من ركود الخطايا القابعة في القلب إلى نور جدّة الحياة، ويلتقي مجدداً بالإخوة. ولعل هذا اللقاء المحبّ خير دواء وسلوة للنفس المتعبة والرازحة تحت الأحمال. لأنه كما يقول فرويد "أجمل شعور لدى الإنسان هو أن يحسّ المرء بأنه محبوب ممن هو يحبه". وهذه المحبّة إن تمكنت من تخطي الأنانية، كما يعلّمنا الأب يوحنا رومانيدس، فهي تصير شفاءًا للإنسان. وإن رقّت بالأكثر تستحيل إيقونة لمحبة الله التي بها يكون كل بذل وعطاء، وكل "تأنّ ورفق" حتى تصطلح العلاقات الاجتماعية بخلوّها من الريب، وتتشكل بسر التوبة كنيسة المسيح ملكوت الله على الأرض. لأن الكنيسة في بعدها الإنساني الأعمق، ما هي إلا كما يعرّفها القديس أفرام السرياني "جماعة الخطأة الذين يتوبون".

    الاعتراف علاج للمرض الروحي في الإنسان

    "ولكن لكي تعلموا أن لابن الإنسان سلطان على الأرض على ترك الخطايا، حينئذٍ قال للمفلوج قم احمل سريرك واذهب إلى بيتك" (متى 6:9).
    كم هو غريب هذا الأمر الذي يختبره الأرثوذكس في اعترافهم! فإنهم في لقاء مع أب روحي في اعتراف غير طويل يتمكّنون من أن يتخلّصوا من كل اضطراب أو توتر من شأنه أن يعرقل مسيرة حياتهم. بينما ترى الناس في المجتمع يصرفون الساعات والأشهر في الاختلاف إلى الأطباء النفسيين، ويعلّلون النفس بالآمال، ويدفعون المبالغ الطائلة دون أن يحصلوا على أية نتيجة جدية تذكر. إذ إن العلاج في أكثر الحالات يقتصر على لون من التخدير للهوى القابع في الإنسان، أي خفض لشدة التوتر في النفس عبر إيجاد الأشكال الاجتماعية المقبولة للتعبير عما فيها من أهواء معابة (ما يسمى في الطب النفسي sublimation). فكأن التحليل النفسي لا يسعى إلا إلى إقناعنا بقبول ما في النفس من نزعات وما يسميه "تخطّياً للعقد"، أي بكل بساطة: الرضى بما نحن عليه من عدم استقامة، ليكون بهذا "سلام الإنسان".
    أما في أسرار الكنيسة فالأمر يختلف بالكلية. الكنيسة تصرّ على معالجة المشكلة من جذورها. وهذا يتطلب في طبيعة الحال مرشداً روحياً مختبراً وليس أي إنسان. لأن الوعي الروحي المصحوب بالجهاد الحقيقي هو السبيل إلى تمييز طبيعة الهوى أو مصدر التشويش في النفس ومعالجته بما يوافقه.
    ولن أتوسّع في مناقشة أو شرح ما يوضحه الآباء عن آلية الاضطراب الحاصل في نفس الإنسان من جراء خطيئته، والذي يؤدي إلى انفصال الذهن عن القلب، والتشتت في الأفكار الأثيمة، ثم جمود القلب وموته. هذا البعد المورفولوجي في المرض الروحي أتركه ههنا جانباً لأقف عند البعد الاجتماعي النفسي والذي هو مرض مَلَكَة الحب في الإنسان. فالحب الإنساني كما ذكرنا، يصير بالخطيئة أنانياً يتجه به الإنسان إلى نفسه عوض أن يكون معطاءًا منفتحاً على الله والآخرين. هذه الفيزيولوجيّة المعطّلة لحواس الإنسان الروحية هي تماماً المرض الروحي. فالإنسان من حيث يدري أو لا يدري صار يستعمل كل الأشياء بأنانية واستغلال. صارت "أناه" محور الكون. وهذا الأمر، الذي لن يخالفه البتة عالم النفس Adler، هو جذر كل خطيئة. أما صحّة الإنسان فتكون في تخطّيه لذاته عبر اتجاهه إلى وجه خالقه وتقديمه له السبح النقي والشكران. وهذه الحقيقة الإنسانية الروحية عبّر عنها آباء الكنيسة حين عرّفوا الإنسان "بالكائن الهيمنولوجي"، أي أن معنى وجوده قائم في أن يكون الله الذي يليق به كل تسبيح محور حياته. فيحيا "بكل كلمة تخرج من فمه"، ويجد ذاته المشتتة، حين يتجه إلى المسيح، يجد ذاته تلتئم لتشكل صورة الله. وفي صورة المسيح المصلوب ليَدفُن الصورة القديمة التي فينا، نجد قيامة صورتنا من الفساد. الإنسان حين يعترف، يستدعي النعمة لتجلي أدران النفس وتعيده إلى حقيقة صورة الله. وإذ تبدو صورة الله في الإنسان من جديد، يعود الله ليتخد المكانة المركزية في حياتنا، ويصير المسيح الكل في الكل. وعوضاً عن أن نكون أبناءًا للظلمة رازحين تحت نير الخطيئة وكثافة "الأنا" ننعتق لنصير أولاداً "وارثين لله بيسوع المسيح" (غلاطية 7:4).
    المسيحي المؤمن يتخذ في الاعتراف قوة من العلاء ليحب الله والإخوة. وفي هذه المحبة يجد، في هذا الزمان وفي كل زمان، قدرة على العطاء والخدمة و"احتمال كل شيء" (1كو13). فيكون في الوقت نفسه روحيًّا واجتماعيًّا بامتياز. وقد ينال في ذاته قسطاً من قداسة الله، إن استغرق في التّحابّ مع المسيح.

    †††التوقيع†††

    يوحنا 17: 15
    لست أسأل أن تأخذهم من العالم بل أن تحفظهم من الشرير.



المواضيع المتشابهه

  1. كتاب - سر التوبة والاعتراف
    بواسطة Alexius - The old account في المنتدى كتب للتحميل أو متوفرة على النت
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2013-12-18, 10:41 PM
  2. كتاب - سر التوبة والاعتراف
    بواسطة Alexius - The old account في المنتدى كتب للتحميل أو متوفرة على النت
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2012-01-25, 11:25 PM
  3. شرح ايقونة " سر التوبة والاعتراف
    بواسطة Seham Haddad في المنتدى الفن الكنسي البيزنطي
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2011-03-10, 09:33 AM
  4. سر التوبة والاعتراف في الكنيسة الأرثوذكسية
    بواسطة New Martyr Basilios of Antioch في المنتدى الأسرار المقدسة
    مشاركات: 11
    آخر مشاركة: 2009-04-29, 09:58 PM
  5. التوبة والاعتراف
    بواسطة Gerasimos في المنتدى الأسرار المقدسة
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 2008-12-10, 07:27 PM

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •