قدوسٌ الله+أيها الثالوث القدوس+أبانا الذي (شرح ليتورجي)
التسبيح المثلث التقديس:قدوسٌ الله قدوسٌ القوي قدوسٌ الذي لا يموت ارحمنا.
يتردد هذا التسبيح كثيراً في الخدم البيزنطية, وهذا يعود إلى تركيز الكنيسة الأرثوذكسية على الثالوث القدوس- إنها كنيسة التثليث –وهي تحمل هذا التسبيح معنى عميقاً جداً جداً, إنه تسبيح موجه إلى الثالوث القدوس. قدوس الله الآب, قدوس القوي الابن, قدوس الذي لا يموت الروح القدس المحيي الصالح والصانع الحياة, ارحمنا. إنه طلب إلى الثالوث أن يرحمنا ولم نقل ارحمونا , لأن الثالوث هو إله واحد وليس ثلاثة آلهة وقد أكدت الليتورجيا هذا المفهوم, فجاء في تقدمة الذبيحة الإلهية وفي صلب القداس الإلهي (قدوس الله الآب الذي لا بدء له, قدوس القوي الابن المساوي له في عدم البداية, قدوس الذي لا يموت الروح القدس, أيها الثالوث القدوس ارحمنا)
الكائن البشري هو إنسان "تريصاجيون" ذلك الإنسان الذي يقول لله:"قدوس أنت يا رب", ويهتف من أعماقه "أرنم لإلهي ما دمت موجوداً"
أيها الثالوث القدوس ارحمنا:إنها قطعة دعاء وابتهال وفيها تأكيد على خاصية وميزة الأقانيم, وهي نموذج لتذوق الروحانية البيزنطية يقول عنها المغبوط أوغسطين "إنها تعبير عن وحدة في جوهر الثالوث" والفكر البيزنطي يقول: أنها متأثرة ومشبعة أكثر بمعنى سر التدبير.
نبتدئ بالابتهال إلى الثالوث الموحد "أيها الثالوث القدوس ارحمنا" ثم نتوجه بالدعاء إلى كل أقنوم على حدة, أي تنتهي بالدعاء لاسم الثالوث القدوس, هذا الاسم المفضل على مستوى كل أقنوم.
"يا رب اغفر خطايانا" من يقدر أن يغفر الخطايا إلاًّ الله وحده(مرقس 7:3)
"يا سيد تجاوز عن سيئاتنا" تعود إلى الابن وهو دعاء أساسي لأن الخطيئة هي التخلي والسيد المسيح هو الذي يمنح غفران الآب.
"يا قدوس اطلع واشفِ أمراضنا" القدوس يعود إلى الروح القدس, نتضرع إليه أن يأتي إلينا ويسكن فينا ويشفي أمرضنا وضعفاتنا ولأن المرض يأتي من الداخل, لذلك يجب أن يتعهد الروح القدس هذه الضعفات بعمله الداخلي في الأعماق ومن الأعماق.
وكلمة (اطلع) هي ترجمة حرفية, بينما المعنى المقصود هو افتقدنا لأن لفظة افتقدنا هي لفظة من صميم الكتاب المقدس وهي تعني افتقاد الله لشعبه "تبارك الله كل حين......لأنه افتقد وخلص شعبه"(لوقا 68:1)
"من أجل اسمك" لأن اسمك رحمة وشفقة وحنان وقداسة وليس من أجلنا فإننا خطأة وغير مستحقين "لا لنا يا رب بل لاسمك أعطِ المجد"
"يا رب ارحم" ثلاثاً, هذه العبارة هي موجز لكل صلواتنا. هي اعتراف منا أننا نؤمن بإله حي قادر على كل شيء وهو وحده القادر أن يرحم ويخلص من كل ضيق وشدة وشقاء, وأننا نحن خطأة و ضعفاء وبحاجة ماسة إلى حنانه ولطفه ورحمته.
أبانا الذي:لا أستطيع أن أقول (أبانا) بالروح والحق إلاَّ إذا اعترفت أن الأخوة البشرية لا تستثني أو تلغي أحداً, وهنا يجد المسيحي نفسه في صراع مع العالم لأن العالم لا يقبل اعتبار الأجنبي أو الخصم السياسي أو من هو من جنس آخر أو من طبقة اجتماعية أخرى كأخ لنا, وأننا أبناء أب واحد, ولا نستطيع أيضاً أن نلفظ هذه الكلمة المقدسة (أبانا) إلاَّ إذا نزعنا من نفوسنا كل أثر للبغضاء والكبرياء والعنف.
يتهلل المسيحي فرحاً عندما يصرخ داخل الكنيسة ومع الكنيسة (أبانا) ولكنه يجدف إذا عنى بهذه الكلمة جماعة دينية هو ينتمي إليها واستبعد بذلك من شركة الأبوة الإلهية والأخوة البشرية الذين ليسوا من جماعته أو من غير المسيحيين أو صغار القوم أو المجتمع.
(أبانا) هي أصل الوصيتين العظيمتين (محبة الله والقريب) لأن الله أب وعلينا أن نحبه من كل القلب ومن كل النفس ومن كل الفكر لأنه هو أحبنا أولاً ولأن الله أبونا فعلينا إذاً أن نحب أولاده الآخرين أي قريبنا تماماً كما نحب أنفسنا.
عندما أقول (أبانا) ألقي قلبي داخل قلب الله ولكن بعد أن أكون قد احتويت في قلبي كل البشر, وعلي في كل مرة ألفظ فيها هذه الكلمة أن أفكر باعتراف عميق أنني ألفظها مع الابن الوحيد الرب يسوع المسيح , الله هو أبونا وهو أبو ربنا يسوع المسيح وأبونا نحن أيضاً, يا لعظم صلاح الله الذي سمح لنا بفضل نعمة التبني أن ندعو ابنه الوحيد أخانا.
"الذي في السماوات" نحن نؤمن أن الله حاضر في كل مكان, وهو غير موسوع في مكان وهذه العبارة تذكرنا أن الله يسمو علينا بشكل غير محدود وأنه يتجاوز الإنسان والكون وأنه الإله الحقيقي والخالق والمتميز تماماً عن كل مخلوق. إن قولنا إن الله في السماوات يعطي حياتنا اتجاهاً يسمو على هذه الأرض, وهكذا نتخلى عن كل ما هو بشري ومادي ونضع هدفنا ورجاءنا في ما هو فوق.في الله الحي. في الكمال الفائق الذي يسمو على كل ما يمكن للإنسان أن يتصوره "فإن كنتم قد قمتم مع المسيح, فاطلبوا ما هو فوق المسيح الجالس عن يمين الآب. اهتموا بما فوق لا بما هو أسفل"(كولوسي 3 :1-2)
الله في السماوات هي عبارة تقوينا وتعزينا عندما يبدو أن الشر قد ساد على الأرض والألم والظلم يسحقان الناس, إذ نتذكر أن هذه الحالة ليست نهائية وأنه في مجال الله أي السموات ينتفي كل شر ووجع, إذ هناك قوة الله تسيطر علينا وتدخل بيننا وتخلصنا. ويعلمنا إنجيل يوحنا أن الله يسكن في قلوب محبيه "إن أحبني أحد حفظ كلامي ويحبه أبي وإليه نأتي وعنده نصنع منزلاً"(يوحنا 23:14) .
"ليتقدس اسمك" إنها الطلبة الأولى التي علمنا إياها الرب يسوع المسيح هي طلبة منزهة عن كل غرض وموجهة إلى الله نفسه, وتعني ليكن الله وحده معبوداً ومباركاً وممجداً وهكذا فإن الأولوية في صلواتنا هي لتكريم وتقديس اسم الله ثم نعرض عليه احتياجاتنا البشرية.
تقديس اسم الله بشكل عام هو فرزه, هو وضع كل ما يختص بالله فوق الأشياء البشرية, ونخصص المكان الأول والأفضل في حياتنا لواجباتنا نحو الله أي أن نقف موقف احترام عميق أمام كل شيء مقدس. تقديس اسم الله يتحقق مباشرة في الصلاة الليتورجية, فيرفع المسيحيون صلواتهم لله معاً وفقاً لطقوس الكنيسة وليتورجيتها, ويتحقق أيضاً في الأسرار المقدسة التي تمتاز على الصلاة والتي هي علامات تفيض نعماً جوهرية معينة, نحن في الصلاة نقدس اسم الله ونبتهل إليه, بينما في الأسرار المقدسة فإن الله هو الذي يقدسنا.
ويتقدس اسم الله بالصلاة الفردية الخاصة وفيها ندخل في علاقة شخصية وعميقة مع الله ونجعل الله محوراً لكل تفاصيل حياتنا اليومية إنها التحدث إليه من قلوبنا وذواتنا بكل بساطة ووفقاً لاحتياجات الساعة, أحياناً هي الصمت والإصغاء لصوت الله وقد يكون تأملاً واتحاداً صامتاً مع الله ومناجاة الحبيب للحبيب عندئذ تستطيع أن تقول: "أنا لحبيبي وحبيبي لي"(نشيد 3:6)
بهذه العبارة "ليتقدس اسمك" لا نقدم لله القداسة التي ليست له, بل نمجد القداسة التي فيه. وكلمة لنتقدس قيلت بدلاً من كلمة ليتمجد: "أن يروا أعمالكم الصالحة ويمجدوا أباكم الذي في السماوات" (متى 16:5) "ليتقدس" بحسب الكتاب المعاصرين كانت تعني في زمن المسيح "أن نموت شهداء من أجله"
"ليأت ملكوتك" لا يكفي أن نعبد اسم الله ونقدسه بل يجب أن نعمل لمجيء ملكوت الله كذلك فإن تقديس القلب بتقديس اسم الله يهيئنا لمجيء هذا الملكوت, ملكوت الله يحتل مكانة أساسية في كرازة المسيح لأن كرازته بدأت بهذه الكلمات: "توبوا فقد اقترب ملكوت السماوات"(متى 17:4)
ويسمى الكتاب المقدس بشارة يسوع أو رسالته(ببشارة الملكوت)متى 23:4
1- ملكوت الله هو الحالة التي يعتبر الله فيها سيداً وملكاً قال يسوع للفريسيين "لا تبحثوا عن ملكوت الله هنا وهناك"(لوقا13: 20-21), إنما في قلوبكم.
2- إن ملكوت الله هو حالة النفس عندما يكون المسيح سيداً على حياتنا, أي أن نكون نحن من رعيته ومواطني ملكوته, وهذا يعني أن نكون مرتبطين به بأمانة وولاء وأن نتخلص من حكم الشرير ومملكة الظلمة, وأن نكون أبناء للنور. إن ملكوت الله هو حالة النفس الممتلئة من الروح القدس الذي يثمر فيها "المحبة الفرح السلام طول الأناة اللطف الصلاح الإيمان والوداعة والعفاف"(غلاطية 22:5) ويقول الرسول بولس: "ليس ملكوت الله طعاماً وشراباً بل بر وفرح بالروح القدس"(رومية 17:14).
لقد حل ملكوت الله بمجيء يسوع وبواسطة يسوع, ومع ذلك فلا يزال هذا الملكوت دائماً حقيقة آتية إنه فعل مستمر وفعلته هم الشهداء والأبرار والقديسون. وهذا الملكوت سيتحقق بملئه في نهاية العالم حينما يملك الله وحده ويصبح هو الكل في الكل عندئذ يصح المقطع التالي من الصلاة الربانية "لتكن مشيئتك كما في السماء, كذلك على الأرض"
"لتكن مشيئتك" هذه كانت طعام المسيح "طعامي أن أعمل مشيئة الآب الذي أرسلني" (يوحنا 34:4) لقد نفذ الرب يسوع هذه المشيئة وأطاعها حتى الموت خاضعاً لها. ونحن أيضاً نصلي "لتكن مشيئتك", ولكن ما هي مشيئة الله؟ إن مشيئة الله هي قداستنا لقد جاء لتكون لنا حياة أوفر.
نحن البشر نجهل ما يوافقنا وينفعنا, ونعلم أن إرادة الله أفضل من إرادتنا لذلك يلزم علينا أن نقبل أن تسود مشيئة الله فينا وتغلب رغبتنا وراحتنا ونفعنا. إنه لَأصعب وأعظم صلاة أن نقول من كل قلبنا "لتكن مشيئتك" ونحن مثقلون بتجربة مرة أو واقعون تحت خطر أو مهددون بخسارة أو فاقدون إنساناً أو شيئاً كان موضع أمل, وإذا مررنا بحالات كهذه فلنذكر حينئذ ذاك الذي جثا في جسثيماني وحده, يعد نفسه للموت وهو يقول بكل شجاعة وبكل صدق وإخلاص وتسليم "فلتكن مشيئتك لا مشيئتي" وكان في هذه الكلمة خلاص العلم كله.
ونحن كبشر خاطئين توجد فينا إرادة معادية لله كما ذكر بولس الرسول رومية7 فالطلب إلى الله أن تكون مشيئته يعني أن تخلص إرادتنا من ناموس الخطيئة الذي يحاربنا في أجسادنا.
"كما في السماء كذلك على الأرض" أعني كما أن الملائكة والقديسين في السماء يفعلون مشيئة الله, فليفعلها البشر أيضاً, ومشيئة الآب الذي في السماء بالنسبة لنا هي الملكوت المعد ومشيئة الآب على الأرض بالنسبة لنا أيضاً هي حياة تؤهل لهذا الملكوت, فنتوسل إليه أن تكون مشيئته لنا كما في السماء كذلك على الأرض.
"خبزنا الجوهري أعطنا اليوم" بعد أن طلبنا أولاً السماويات نطلب القوت الضروري وفقاً للوصية السيدية "اطلبوا أولاً ملكوت الله وبره وهذه كلها تزاد لكم"(متى 33:6) وحينما علمنا الرب يسوع أن نصلي "خبزنا الجوهري أعطنا اليوم" أراد منا أن نسلم حياتنا إلى العناية الإلهية فيحكم هو ما الذي يكفينا وما هي حاجة كل نفس. ونحن نسأل خبزنا من الله ليس لأننا إذا لم نسأل لا يعطى لنا فالله يشرق شمسه على الجميع ولكننا نسأل خبزنا من الله لأننا نريده (خبز البنين) لا خبز العامة الذي تشبع منه الكلاب أيضاً نريده خبزاً خاصاً مختوماً برضا الله نحن لا يملأ عيوننا رغيف العيش إنما نريد أن نقبل اليد المعطية أيضاً وذلك قبل أن نأكل نحن لا نأكل ولا نشرب إلاًّ من كف الله, نحن نسأل خبزنا من الله قبل أن يأتي حتى إذا أتى نطمئن أنه مرسل من الله لنا.
وكلمة خبز, تحمل هنا معاني عديدة والمعنى المباشر لهذه الكلمة هو الخبز المادي أي ما يخص قوتنا وجميع الأشياء المادية التي لا يمكننا العيش بدونها. وليس الخبز الذي نطلبه من الله هو الخبز المادي فقط لأن ربنا قال: "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله" (متى 14:4) ويجد المسيحي في الكتاب المقدس بمعونة الروح القدس أفضل ما يمكن أن يحصل عليه من غذاء روحي والمسيحي الأرثوذكسي سيجد أيضاً كلمة الرب في شكل آخر, في الصلوات الليتورجية المقدسة وفي ممارسة الأسرار المقدسة وفي تحديدات الإيمان التي وضعتها المجامع المسكونية وفي التعاليم التي تركها الآباء القديسون لنا.
وأن الخبز الذي نطلبه من الله في أسمى ما نعنيه من الطلبة هو "الخبز الحي النازل من السماء" (يوحنا 51:6)-المخلص الذي جسده مأكل حق ودمه مشرب حق- "أعطنا اليوم" لئلا نهتم بإفراط في المستقبل كما قال المخلص له المجد: "لا تهتموا للغد, لأن الغد يهتم بما لنفسه يكفي اليوم شره" (متى 34:6).
"واترك لنا ما علينا كما نترك نحن لمن لنا عليه" الخطيئة هي الشيء الذي يفصلنا ويبعدنا عن الله وأننا نرتكب الخطيئة كل مرة نقاوم مشيئة الله. وأول خطيئة ارتكبها الإنسان هي تلك التي ارتكبها الجدان الأولان وقد ارتكبت بتأثير الملائكة الأشرار الذين سبقوهما في العصيان. نحن لا نعرف بالضبط ما هي الخطيئة الأولى تماماً إلاّ أن الشيء المؤكد هو أنه قد حدث تمرد على الله إذا أراد الإنسان أن يستقل ويسير بمفرده بقواه الذاتية بدلاً من أن يظل الابن المحب والمطيع للآب ففقد الفردوس كما فقد حالة الغبطة والبررة التي كان يحياها مع الله ونقل إلى ذريته هذه الخطيئة "الأصلية" وليس معنى هذا أن ذريته عليها إدانة شخصية بل معناه أن ذريته وجدوا أنفسهم محرومين من الخيرات الفائقة الطبيعة التي كان الإنسان الأول يتملكها وأنهم يولدون بطبيعة مجروحة ومنعطفة نحو إيحاءات الشر. ويوجد نوع آخر من الخطيئة وهي تلك التي نحن مدانون بها إدانة شخصية إنها الخطيئة التي نرتكبها حالياً أي عصياننا الشخصي لمشيئة الله.
لقد غفرت لنا خطايانا الأصلية والشخصية بالذبيحة الكفارية التي قدمها السيد المسيح على الصليب لقد كفّر باسم البشر جميعاً عن الخطيئة ذابحاً في نفسه حياة الإنسان العتيقة الخاطئة حتى يقدم عوضاً عنها الحياة الجديدة والكلية الطهارة التي انسكبت مع دمه الإلهي وكانت البشرية جميعها في جسد المسيح معلقة على الصليب وشريكة في هذه الذبيحة وكانت القيامة من بين الأموات هي الرد الإلهي على آلام الصليب إذ قد غفرت الخطيئة ووهبت الحياة للناس.
وحدث الخلاص عن طريق آلام الصليب والقيامة أي بعملية الفداء التي تمتد إلى حياتنا بثلاث طرق: 1-بتقديم ذبيحة الأفخارستيا التي تقوم بها الكنيسة
2-بسر العماد المقدس 3-بسر التوبة
"واترك لنا ما علينا كما نترك نحن لمن لنا عليه" تعني أننا نرفع العقبة التي قد تحول دون أن يأخذ العمل الفدائي لمخلصنا فاعليته في نفوسنا فليس الغفران الذي نمنحه نحن هو الذي يجلب لنا الغفران الإلهي, ولا هو على مثاله لكنه شرط ونتيجة ضرورية فإذا كنت لا أصفح عن أخي, فإني أوقف أثر غفران الله لخطاياي الخاصة "اغفروا يغفر لكم, إن غفرتم للناس زلاتهم يغفر لكم أبوكم السماوي زلاتكم"(متى6: 14-15).
وغاية المغفرة هي أن نصير في شركة مع الله, والشركة مع الله كأب تحتم مسبقاً أن نكون في شركة روحية صادقة مع الإخوة, وشركة الروح مع الإخوة تقوم أساساً على الصفح الكلي من القلب لا يستطيع الإنسان أن يتقدم إلى خبز الشركة ودم الشركة المقدسين إلاَ إذا حقق معنى الشركة عملياً. ومعنى الشركة في الجسد والدم الطاهرين هو أن تصير روحاً واحداً وجسداً واحداً مع الرب ويتم هذا عملياً من جانبنا بالصفح والمحبة من القلب كل القلب, ومن جانب الرب بالمغفرة لنا جميعاً "خطاياها الكثيرة غفرت لها لأنها أحبت كثيراً"(لوقا7: 47) ومتى صلينا ينبغي أن نبتعد عن كل عداوة وغضب وأن نكون في وضع سلام ومحبة مع الجميع "فإن قدمت قربانك أمام المذبح..........."(متى5: 23ـ24) نحن نتقدم إلى الله كعائلة في حالة محبة وسلام. "ولا تدخلنا في تجربة": الكلمة اليونانية تعني الامتحان أو الاختبار. الله يضع خدامه أحياناً تحت الاختبار فيجعلهم يمرون في بعض الأوقات بأزمات من أجل خيرهم الذاتي حتى يخرجوا من هذه التجارب المؤلمة وقد استعلن إيمانهم وتعاظم, كما تصرف الله مع عبديه إبراهيم وأيوب.
ونحن إذا لسنا بقديسين وأبطال في الإيمان نضرع إلى الله بتواضعٍ كي لا يعرض ضعفنا لمثل هذه الاختبارات وإذا تعرضنا لمثلها فنستقبلها بنفس الاتضاع إذا ما أراد الله أن يطهرنا بها كما في بوتقة.
هناك نوع آخر من التجربة يختلف عن تلك التي يسمح لنا الله بها من أجل خيرنا إنها تلك المحاربات التي يشنها روح الشر علينا وهي كثيرة جداً إنها دعوة تحاول أن تجر الإنسان إلى الشر والخطيئة, إن الله الذي لا يريد إلا الخير لأولاده لا يبغي لنا هذه التجارب ولا هذه السقطات, إنها من فعل إبليس إن الله يسمح لنا باقترافها ولكنه لا يدفعنا إليها ولا يريدنا أن نمارسها والسيد المسيح يحثنا قائلاً:"اسهروا وصلوا لئلا تدخلوا في تجربة"(متى26: 41).
الله يسمح بها لأنه خلق الإنسان حراً وإذا كان الإنسان حراً فله إذن قدرة على اختيار الخير والشر ومع هذا فإن الله يعيننا في التجارب إنه يقف بجانبنا محارباً معنا ومن أجلنا ضد قوى الشر ولا يدع إنساناً يجرب فوق طاقته(1كور10: 13) وأفضل وسيلة للنضال ضد التجارب هي أن نركز كل انتباهنا في الرب يسوع وأن لا ندخل مع التجربة في حوار ولا نحاول محاربتها وجهاً لوجه أو حتى التفرس فيها ويجب أن نحول نظرنا بالكلية و فوراً عن كل صورة أو رغبة تغرينا بارتكاب الخطيئة ثم أن نلقي بأنفسنا تماماً في أحضان الرب يسوع بحيث لا نريد غيره.
"لكن نجنا من الشرير": الشر هو أصل التجربة وقوتها وموضوعها والإنجيل يشير إليه بكلمة "الشيطان" "رئيس هذا العالم"(أفسس6: 12). إن الله لم يخلق الشر ولا أي شرير ولكنه أعطى للملائكة ولبني البشر حرية الجواب على محبته بالقبول أو بالرفض ويستحيل أن يلزم مخلوقاته بالقبول, لأنه لا يريد أن يكون محاطاً بكائنات آلية وعندما وهب الله موهبة الحرية إلى مخلوقاته العاقلة حدد بذلك ممارسة لسلطانه الذاتي وكأنه كبل يديه بنفسه احتراماً منه لحريتنا ولكنه يظل أقوى من كل شرٍ وسينتصر بصورة نهائية أكيدة في اليوم الأخير.
"نجنا من الشرير" هنا نطلب من الله أن ينجينا من شر الخطيئة وليس هناك أفظع من أن ينفصل الإنسان عن الله ويبتعد عنه. ونطلب من الله هذه الطلبة أيضاً أن ينجينا من آثار الخطيئة, ذلك لأن الخليقة بأكملها تئن وتتوجع من آثار العصيان الملائكي والإنساني, إذ إن الخطيئة التي ارتكبوها سببت إشاعة الفوضى والاضطراب في كل الخليقة "الخليقة كلها تئن وتتمخض منتظرة اللحظة التي ستعتق فيها من عبودية الفساد"(رومية8: 21-22) وهكذا نجد أن نكبات الطبيعة وتنازع البقاء والأمراض والموت والعذاب, جميع هذه هي ثمرة ونتيجة تمرد المخلوق على الخالق وإن صلوات الإنسان وتدخل الله في مجرى الأمور هما اللذان يحدان من هذا الشر.
إن حياة القديسين تثبت لنا كيف تستطيع النفس التي تطهرت أن تستعيد السلطان الذي كان الله قد أعطاه للمخلوقات العاقلة لكي تسود به على عالم الطبيعة والحيوان وهكذا يجدد القديسون العالم ويوصلوه تماماً إلى الحالة التي أرادها الله على أساس الوفاق المفرح بين الإنسان والطبيعة.
هذه الطلبة هي إعلان دخولنا في المعركة إلى جانب يسوع المسيح, إن الله لا يقف موقف المتفرج على نضالنا, بل يتدخل في كل ما نبذله من جهد إننا نجاهد ضد الشر والشرير بجانب إلهٍ متألم ومنتصرٍ معاً "أين شوكتك يا موت......."(كورنثوس15: 55).
"نجنا من الشرير" هي تلك الصلاة التي ترتفع إلى عرش الله في كل مكان. الجموع المنهوكة القوى أو الذين يئنون من الجوع والبرد, جموع اللاجئين والمشردين, جموع الأطفال الذين يموتون, والمساجين والمعتقلين, المنكوبين والخطأة, والقتلة والسارقين والزناة والعاهرات, جميعهم وجميعهن يشتاقون إلى الإنعتاق من الشر وأكثرهم يرغب في الخلاص عن وعي أو عن غير وعي والكثيرون منهم لا يعرفون لمن يرفعون قلوبهم.
علينا إذن أن نعطي لهذه الصلاة المجهولة التعبير اللائق فكيف نستطيع ونحن نرى آلام العالم من ناحية والآلام التي احتملها ابن الله من ناحية ثانية أن نحس بالراحة ونحن نتمتع بسهولة المعيشة؟ إن من وصل إلى هذه الخبرة يكون قد اقترب من الصليب.
والإنسان الذي اقترب من الصليب لا يجد ما سيشبع حياته أو ما يريحه في ملذات الدنيا حتى المباح منها لأنه يشتاق إلى أن "يخسر نفسه ليجدها وأن يحمل صليبه ويتبع المخلص" ويتحين الفرص لكي يهب ذاته حينئذ يكون قد اكتشف معنى الحياة الإنسانية التي هي أن ينكر ذاته ليذهب مع المسيح مفتقداً أولئك الذين يتألمون تحت قبضة الشرير وعندما يذهب إلى كل الناس سيجد نفسه متجهاً نحو الله أيضاً الذي هو أبانا الذي في السماوات.
عن كتاب مدخل إلى الليتورجيا لصاحب السيادة المتروبوليت يوحنا منصور.