لكي لا ننـــسـى الجزء السـابع
المثلث الرحمات البطريرك
الياس الرابع معوض
1914 ـ 21 / 6 / 1979
سيدي صاحب الغبطة البطريرك الشهيد القديس الياس الرابع معوض بطريرك كنيسة مدينة الله أنطاكية العظمى وسائر المشرق للروم الأرثوذكـــس .
في ذكرى انتقالك ،اسمح لي أولاً بطلب بركتك وشفاعتك ، فذكراك الخالدة ورغم مرور اثـنـتـا وثلاثون عاماً ، كانت ومـا برحت تسري كدمنا في عروقنا إلى قلبنا ، وهي ما زالت معنا ، ولا تحتاج إلى تماثيل حجرية لا روح فيها ، تنصب لك لكي نذكرك ونتعزى بفقدانك وخسارتك .
ولا أجد أمامي الآن في ذكرى انتقالك ورحيلك عن عالمنا ، إلا ما تركته لنا من أقوال وأفعال وذكريات ، يشرفني بأن أقوم بنقل بعضها من كتاب / " رجل المحبة " / الذي أصدره المثلث الرحمات المتروبوليت الياس قربان ،بمناسبة زيارتك إلى أميركا الشمالية ،ووزعه في ذكرى انتقالك الخامسة عام 1984 ، وإنني أهديها إلى كافة محبيك وأبنائك الروحيين ، والتي من خلالها نسترجع تاريخاً مشرقاً ساطعاً براقاً من تاريخ أنطاكية العظمى، التي كنت يا سيدي أحد رجالها البارزين.
فمن إجاباتك على أسئلة الصحفيين في المؤتمرات الصحفية العديدة التي دعيت إليها أقتطف بعض أقوالك يا معلمي .
فحول موضوع الوحدة الأرثوذكــسية في أميركا ووضع الأرثوذكـــس فيها قلت : بأن الكنيسة الأرثوذكـــسية في أميركا الشمالية تشكل وحدة في الإيمان ، وإن تعددت فيها الإدارات واللغات وأنها سائرة في طريق الوحدة بحكم تأثرها بالبيئة الأميركية ، قومياً ولغوياً ، وفي هذه الوحدة قوة الأرثوذكـــسية ومستقبلها ، ولـكـــن هذه الوحدة يجب أن تتم بالطريق السليم وباتفاق جميع الكنائس الأرثوذكـــسية الأم .
وحول موضوع كهنوت النساء قلت : بأن الكنيسة ترفضه رفضاً باتاً وتعتبره إحداثاً غريباً عن تعاليم الكنيسة ، ولا أساس له في الكتاب المقدس أو التقليد الشريف ، والكنيسة ستبقى صامدة في موقفها الرافض هذا من كهنوت المرأة .
وحول موضوع الوحدة المسيحية فقد قلت : بأن المساعي مستمرة ، وأن لجاناً خاصة قد شكلت لهذه الغاية وتعمل من أجل التقارب بين الكنائس في حدود الإمكان ، ولكن الأمر يحتاج إلى دراسات عميقة وطويلة يقوم بها أصحاب الاختصاص من مختلف الطوائف على صعيد مجلس الكنائس العالمي وغيره من المؤسسات والمجالس المسيحية المشتركة ، وأن كنيسة أنطاكية تلعب دورها الفعال في هذا المجال .
وحول موضوع السلام في الشرق الأوسط و فلسطين والقدس فقد قلت : نحن بطبيعتنا نحب السلام ونعمل من أجله ، نحن لم نطرد إنساناً من أرضه الشعب الفلسطيني لم يكن يوماً قاتلاً ولا معتدياً ، بل اعتدي عليه وترك يستجدي حريته وهو كان مالكها ... نريد سلاماً مبنياً على أسس الحق والعدالة ، نحن نحب حرية الآخرين ، كما نحب حريتنا ، ونحافظ على حقوق الآخرين كما نحافظ على حقوقنا . إننا نحن المسيحيين والمسلمين نعتبر جميعاً عرباً ، ونسير جنباً إلى جنب في مسيرة السلام ، أنا مثلت المسيحيين في مؤتمر لاهور 1974 ... نصر على تنفيذ قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالقضية الفلسطينية ، رغم أننا فقدنا أراضينا من أجل السلام في العالم ... الحل المثالي للقضية الفلسطينية بنظري ، هو إقامة دولة فلسطينية علمانية ، يعيش فيها اليهود والمسيحيون والمسلمون بانسجام ووئام وسلام .. لقد أثبت التاريخ أن اليهود اضطهدوا في كل مكان من العالم باستثناء البلاد العربية ... أما القدس فقد كانت عربية ويجب أن تبقى عربية ، وفي ظل عروبتها كانت المقدسات محترمة ومصونة ، عندما كانت عربية كانت منفتحة على الجميع ، أما الآن فالمسلمون والمسيحيون في العالم العربي محظور عليهم زيارة المقدسات فيها ، القدس يجب أن تنفتح للجميع وتتعايش فيها كل الطوائف ، وهذا لا يمكن إلا بإقامة دولة علمانية فلسطينية .
ومن المقابلات العديدة التي قمت فيها يا سيدي ، كانت مقابلتك مع فالدهايم الأمين العام للأمم المتحدة من بعد ظهر الجمعة 3 ـ 6 ـ 1977 ، والتي سبقها تلبيتك دعوة سفير لبنان لدى الأمم المتحدة للغذاء بحضور حشد كبير من كبار الرسميين في الأمم المتحدة من عرب وأجانب ورجال دين ،وهناك لم تغب فلسطين والقدس كما هي عادتك عن أحاديثك وكلماتك .
كما لم يغب تأكيدك وتوضيحك عن دور العرب المسيحيين حيث قلت :أنا لبناني وأعيش في سوريا وبطريرك لكل البلاد العربية ، ذهبت إلى لاهور كرئيس روحي مسيحي ، فاستقبلت بحماس وتكريم من جميع الملوك والرؤساء المسلمين ، وذهبت إلى السعودية 1975 فاستقبلني الملك خالد والأمراء وأركان الدولة بكل ترحاب ، نحن كمسيحيين نتكلم عن البلاد العربية بحماس يفوق حماس المسلمين ، ولنا ملء الحق أن نتكلم بذلك ،لأن الإسلام جاء بعد المسيحية ،وأديارنا ومدارسنا كانت تضم في رحابها المسلمين والمسيحيين جنباً إلى جنب ، نحن كمسيحيين حفظنا اللغة العربية وخدمناها ولا نزال ، وتاريخنا العربي يشهد على ما قام به المسيحيون من نضال وطني ... مناحيم بيغن يشوه التاريخ بادعائه أن الأرض التي اغتصبها ملك له ، وأن الرئيس كارتر يجهل التوراة ، بيغن نفسه جاهل للتوراة ومشوه للتاريخ ... فاليهود دخلاء على فلسطين ، إبراهيم الخليل جاء ليستجدي أرضاً في فلسطين من أهلها ، من سكانها الأصليين ، لا من اليهود ، ليدفن زوجته .
وفي لقاءك الـبروتـوكـولي الأول مع الرئيس الأمريكي جيمي كارتر، والذي جرى بعد ظهر الجمعة 15 ـ 7 ـ 1977، عرضت عليه قضية الشرق الأوسط والملابسات المحيطة بها ، وأكدت له أن الخلاف القائم ليس نزاعاً بين المسيحيين واليهود والمسلمين ، وإنما هو خلاف بين العرب والصهيونيين . وأما في لقاءك الثاني معه ، والذي تم بعد رؤيتك لمناحيم بيغن على شاشة التلفزة ،وهو يشرح كاذباً ومحرفاً لكارتر،عن حقوق اليهود في فلسطين، مما دعاك للإصرار على مقابلته ،وأثار طلبك استغراب كارتر وتساؤله، وحدد لك موعداً فورياً حسب طلبك .فاسمح لي أن أنقل بعض ما ذكرته له : ادعاءات الصهاينة بملكية فلسطين لا تستند على أســـاس تاريخي ولاهوتـي ، فإبراهيم أب الآباء ، عندما توفيت زوجته ، رجا الفلسطينيين الكنعانيين أهل البلاد أن يبيعوه قطعة أرض صغيرة لتكون قبراً لزوجته ، ففلسطين في مختلف مراحل تاريخها كانت ملكاً للفلسطينيين ويسكنها فلسطينيون ، والنزاع القائم حالياً سببته الصهيونية العالمية التي أتت بأتباعها من الخارج وأسكنتهم في فلسطين عنوة وطردت أهل البلاد ، بعد أن أمعنت فيهم تقتيلاً وتشريداً بطرقها العدوانية الخاصة، واليوم إذا زال شبح الصهيونية وتأثيرها عن هذه الأرض ، يعود أهلها على اختلاف طوائفهم للعيش معاً بسلام وانسجام كعائلة واحدة .
ولم يجد كارتر نفسه إلا موافقاً معك على أقوالك بقوله : أنا أفهم الكتاب المقدس جيداً، والكتاب المقدس ككل وخاصة في عهده الجديد، يدحض مزاعم الصهاينة في هذا الصدد.
اسمح لي يا سيدي بذكر زيارتك بتاريخ 26 ـ 7 ـ 1977 ، إلى مبنى الكابيتول ، وافتتاحك جلسة مجلس الشيوخ الأمريكي بإقامة الصلاة ، ومن ثم حديثك وإجاباتك لأسئلة شيوخ المجلس حول مشكلة الشرق الأوسط ، وماهية الوطن الفلسطيني ، وطبيعة النزاع بين العرب وإسرائيل ، وحول ادعاء إسرائيل بأن فلسطين هي أرض الميعاد ، ومدى قابلية الشعب العربي للسلام ، ووضع المسيحيين في سوريا ، وعددهم في الشرق . وأما عن القدس فقلت :قضية القدس هامة جداً بالنسبة للعرب، مسلمين ومسيحيين، فهي قضية دينية أكثر منها سياسية، فأنتم ولا شك تعلمون منزلتها لدى المسيحيين، وهي الكعبة الثانية لدى المسلمين، ويجب أن تعود إلى ما كانت عليه قبل عام 1967، أي عربية.
وهنا أتذكر ما كتبه قدس الشماس اللاهوتي والحقوقي اسبيرو جبور الصوت الهادر في البرية الأنطاكية ( حفظه الله برعايته ) في منشوره المؤرخ في شباط 1992 :الشهيد البطريرك الياس أحبط مشروع كيسنجر لإخلاء الشرق الأوسط من المسيحيين .
وقد ورد في الكتاب رسـالة من /" صديق وفي ّ يتذكر " / أجد نفسي ملزماً بنقل بعض سطورها، وأرفع الشكر لكاتبها الذي لم يضع اسمه عليها.كما أن المثلث الرحمات الأرشمندريت رومانوس جوهر كتب مشاركته في هذا الكتاب ، والتي نقلتها في الجزء السادس .
يقول صديقك الوفي : ... فقبيل وفاته أجرى حساباً عاماً شاملاً يبري ذمته أمام الله والناس ، ويشهد بأنه أحد آباء الكنيسة العظام في باب الكفر بالدنيا والمال والمقتنيات والمجد الباطل ، عاش في العالم لا في الدير ، وإنما كانت عفته وطهارته رهبانيتين ، وكان ينفق على معهد اللاهوت في البلمند بسخاء حاتمي ، إذ كان هاجسه الأكبر حتى قبيل وفاته تخريج كهنة صالحين مثقفين ... كان الكرسي الأنطاكي في أيامه منارة في شرقنا وفي العالم الأرثوذكـسي ... وما إحياء ذكراه سوى برهان على استمراره حياً في ضمائر محبيه وقلوبهم ، استمراراً ، لا مبرر له سوى الانحناء إجلالاً لنموذج العفة ، والطهارة ، والوداعة ، والتواضع ، والمحبة ، والغيرة على الكنيسة... لقد وقف البطريرك الياس في قلب الكرسي الأنطاكي ، والأرثوذكـسية جمعاء بفرادة خاصة ، شاهداً بأعماله وتجرده ليسوع ، فمات لمجد يسوع .
وأما قدس الأب واللاهوتي والحقوقي الشماس الأرثوذكـــسي اسبيرو جبور المغرد في الحقل الأنطاكي ( أمد الله وأطال في عمره ) ، فقد كتب في ذكرى انتقالك الخامسة والعشرون في حزيران 2004 ، مؤكداً ما يعرفه كل المؤمنين عنك يا سيدي: ... ماذا خسرنا في استشهاد البطريرك الياس ؟ خسرنا رجل الوداعة والطهارة والعفة ، وكره المال حتى الجهل ، جهل كيفية امتلاكـه وإدارته ، هو أحد القديسين الشهداء الماقتي الفضة ... هو راهب شاغورة صيدنايا المشنوق ، كان النموذج الرهباني ضالته المنشودة في السنوات الأخيرة ... لن ننـــسى وجهه الطاهر البتول .
وحول انتقالك يا سيدي تكاثر الحديث وتشعبت الروايات ، ويقال بأن الأفعى الصهيونية قد حامت حولك ، بسبب مواقفك العربية والوطنية واللاهوتية والأرثوذكـسية ، وللحقيقة لا أعلم إن استطاعت الوصول إليك عن طريق التسميم ـ كما يقال ويتداول ـ لإسكات صوتك ، الذي وإن غاب عنا ، فتراثك، وكتبك المترجمة ، وأقوالك وعظاتك ، هي المرشد والدليل لنا نحو سيدك وسيدنا . وكلنا أمل ورجاء بأن يضيء الله نوره على من يتخذ القرار وتكون لديه الجرأة ، من أعضاء المجمع الأنطاكي الأرثوذكـسي ، ويطالب بفحص dna لقطعة من رفاتك المقدسة ، ويعلن نتيجة الفحص ، التي ننتظرها بفارغ الصبر .
في ذكرى انتقالك يا سيدي, أرجو أن تتشفع بنا لدى السيد ، وأنا واحد من المؤمنين بأن لدينا شفيع وقديس لنا في السماء،كما أنني أرسل لروحك الطاهرة فائق تقديري ومحبتي .
فليكن ذكرك مؤبداً
اليان جرجي خباز
ملاحظة : سبق الجزء السابع هذا ، مقالات ستة منشورة ، يرجى التكرم والإطلاع عليها .