ارتبط اللاهوت في عصرنا بالعمل الفكري، وأخذ يعتبر فرعاً علمياً. على حين في الكنيسة الأولى كانت تُعطى صفة "اللاهوتي" للقليل من البشر (على حسب ما نعرف أعطي اللقب فقط للقديسين يوحنا الإنجيلي و غريغوريوس النزينزي و سمعان اللاهوتي الجديد)، أما اليوم فيعطى لكل الذين ينالون شهادة لاهوت جامعية بعد دراسة لسنوات متعددة في كلية لاهوت. يغيب الموضوع "اللاهوت الأكاديمي" عند القديس سلوان، فهو لم يدرس في كلية لاهوتية ولم يكتب بحثاً علمياً لاهوتياً. بالتالي، وحسب المفهوم الحالي لكلمة "لاهوتي"، هل هناك ما يسمى "لاهوت القديس سلوان"؟ جعلت النهضة الرهبانية واكتشاف الآباء النساك والكتاب الكنسيين الملهمين، الكثير من أناس عصرنا أن يحكمون بقسوة على اللاهوت الأكاديمي، إذ يعتبرونه حالة متدنية، أو لدرجة أنه شيء سيء ومعادي للحياة الروحية. ينصح الكثير من الآباء الروحيين أبنائهم أن لا يأخذون بشكل جدي اللاهوت الأكاديمي بل أن يركزوا على الصلاة والرياضات الروحية الأخرى. نعيش في عصر يتزايد فيه الانشقاق بين العقل والقلب، وبين العمل الفكري و الحياة النسكية. ينصح الكثير من الآباء الروحيين أبنائهم أن لا يأخذوا بعين الإعتبار آراء أساتذتهم في كلية اللاهوت بل أن يضعوا كل أقوالهم ضمن حيز الحكم، وأكثر الأحيان الذي يحكم يكون أباهم الروحي الذي في أغلب الأحيان يمكن أن يكون غير حاصل على أي شهادة علمية لاهوتية. هذا الفصل خطير وخاطئ، مع أنه بالحقيقة هناك فرق بين اللاهوت الأكاديمي والخبرة النسكية، إلا أنه لا يلغي أو يعاكس الواحد للآخر. وهما يبتعدان عن بعضهما البعض بمقدار ما يرفض الأول الآخر. داخل الكنيسة يوجد مواهب متنوعة، بحيث لا يستطيع واحد أن يقول للآخر "لست بحاجة إليك". تاريخ الكنيسة مليء بقصص النساك، وخبرتهم الروحية جعلتهم من أكبر اللاهوتيين (على سبيل المثال كُتب لاهوت القديس أنطونيوس الكبير على يد القديس أثناسيوس، بنفس الطريقة، أكثر أقل، كتب الأب صفرونيوس عن حياة القديس سلوان الآثوسي). إلا انه يوجد حالات لأشخاص ربطوا بقوة بين اللاهوت الأكاديمي مع الحياة النسكية، مثل القديس مكسيموس المعترف. بالتالي، أي لاهوتي أكاديمي يستطيع أن يستشف الكثير من ناسك ما، كالقديس سلوان الآثوسي. وخاصة إذا كان لديه أفكار مبدعة استطاع بواسطتها أن يعبّر عن خبراته النسكية بشكل أقوال لاهوتية. كما هو بحالة القديس سلوان، وهنا سنحاول تحديد مجموعة نقاط لاهوتية عند كتابات القديس سلوان: 1. عقيدة الثالوث أو في كينونة الله: إحدى أقوال القديس سلوان المأثورة والتي نقلها الأب صفرونيوس: "أن تؤمن بالله شيء وأن تعرف الله شيء آخر" لكن كيف نعرف الله؟ لدينا شكلين للمعرفة: الأولى معرفة شيء أو شخص بشكل عام والثانية أن تعرف شخص محدد أو شيء محدد، رغم أنه بفكرنا سنرتبك بين الشكلين لبعض التشابه ولكنهما يختلفان بشكل جوهري. يمكن أن تتحقق معرفة الله من الكتب أو من رؤى أو الطبيعية، كما يقول بلاتون، لكن كنسياً لا يمكن أن تتحقق معرفة الله بدون علاقة شخصية معه، يمكن تلخيص ذلك بأمرين: أ) يُعرف الله عبر علاقات شخصية، تشكل وتحدد وجوده: أي فقط كثالوث قدوس، فلا نستطيع أن نعرف الله خارج الطريقة التي يعرف بها ذاته (لهذا السبب لا يستطيع أحد أن يعرف أبداً طبيعة الله) في حالة معاكسة نقع في خطر معرفة شيء آخر أو شخص آخر ليس الله، الإله الحقيقي، الله يعرّف ذاته كآب وابن وروح قدس، كما يحدد القديس أثناسيوس في حربه ضد الآريوسيين، إذا لم يكن الابن موجوداً مع الآب منذ الأزل، فلا يستطيع الآب أن يعرف ذاته، لأن الابن هو حقيقة الآب، الذي به وكمرآة يستطيع أن يرى الآب نفسه ويعرفها. الآب يعرف ذاته بأن ينظر إلى المرأة التي هي الابن. كما يؤكد بولس الرسول بأن روح الله تستطيع أن تعرف الله وجوهر وجوده، بالتالي نستطيع معرفته فقط عندما ندخل في علاقة شخصية ثالوثيه، أي بكلمة أخرى عندما نصبح مقبولين كأبناء للآب، بواسطة روح التبني الذي يسمح لنا أن ندعو الله أب وأن نعرفه بهذا الشكل، سنستطيع أن نعرف لا بما يتعلق بالله بل الله. وفقاً للأب صفرونيوس: "لا معنى لأي نظرية لاهوتية عن الثالوث القدوس إن لم تبين قوة الآب وكمال المحبة المتواضعة للابن والنور غير المخلوق للروح القدوس". يؤكد القديس سلوان ومرات عديدة على أهمية الروح القدوس في معرفة الله: "أيها الروح القدوس... لقد كشفت لي سر لا يوصف". ويقول "يعطي الروح القدوس معرفة الله للنفس بشكل غير منظور". هذه المعرفة تتطابق مع محبة الله لنا: "أعطاني (الروح القدوس) القدرة على معرفة مقدار ما يحبنا الله"، كما يقول في مكان آخر. هذا يقودنا إلى الحقيقة الثانية المتعلقة بمعرفة الله. ب) المحبة (محبة الله) تسبق المعرفة (معرفة الله)، أو بشكل آخر: المحبة هي معرفة والمعرفة هي محبة. يقدّر الأب صفرونيوس قيمة فرضية ديكارت: "أنا أفكر إذا أنا موجود" ولكن يفضل مع القديس سلوان، أن نغيرها إلى: "أُحب فأنا موجود". لكن هذا يعاكس فكر المغبوط أوغسطين، وبعده أيضاً توما الأكويني الذي عليهما أُستند لإثبات عقيدة الفيليوكفه (الانبثاق من الآب والابن)، أي أنك لا تستطيع أن تُحب شخص أو شيء إذا لا تعرفه بالأصل.(فكر المغبوط أوغسطين وتوما الأكويني: أنه إن كان الابن هو معرفة الله والروح القدوس هو محبة الله. عندها يجب أن يكون الابن أعلى من الروح القدوس). و العكس صحيح: إذا لا تحب لا تعرف. ومن جهة أولى، الله يعرفنا، ومن جهة ثانية يحبنا ويكشف لنا ذاته كمحبة، هكذا فقط نعرفه عندما نحبه ونحب الذين هو يحبهم. يرتبط موضوع المحبة، كطريق لمعرفة الله، مع محبة الأعداء في فكر القديس سلوان. ومن الخطأ فهمها كمبدأ أخلاقي، بحيث يلح عليها كثيراً القديس سلوان. أما بالنسبة للآب القدوس فهي فكرة لاهوتية أساسية: يجب أن نُحب أعدائنا لأن الله أحب أعدائه عن طريق ابنه المتجسد، ولا يوجد طريقة أُخرى لمعرفة الله غير محبة الأعداء، لأنه بها فقط كشف لنا ذاته. وهي فكرة لاهوتية وليس فكرة أخلاقية. هي طريق معرفة الله. بطريقة مشابهة يجب أن نفهم وندرك المحبة التي أظهرها القديس سلوان للطبيعة والحيوانات، ووصفها الأب صفرونيوس بشكل رائع: "القلب الذي يعرف المحبة، يشعر بالرحمة لكل الخليقة" وهذا يُفهم لاهوتياً: نحب الخليقة لأن الله خلقها، وتعاني بسبب سقوطنا. سبق القديس سلوان الكثير من اللاهوتيين المعاصرين بموضوع التعليم عن الله، وخاصة بالمعرفة الشخصية لله، مُعتبراً أن الثالوث القدوس يًعرف فقط بعيش المحبة، وكيف كُشف لنا بواسطة الروح القدوس، الذي هو النور، أي بالضبط المحبة. معرفة الله هي حوار "شخص لشخص"، ووفقاً للأب صفرونيوس، هذه هي الطريقة التي على أساسها أقام القديس سلوان علاقته مع الله. بمعرفة الأب صفرونيوس للأديان الشرقية، وجد عند القديس سلوان الكشف الحقيقي للذي يدعى: "المبدأ الإقنومي". عندما صار الإنسان شخصاً (وجود حقيقي)، أي إمكانية أن يحضن الله وكل الخليقة، بالصلاة والمحبة، ويتحدث مع الله ومع الآخرين شخصاً لشخص، عندها يحقق: "على صورة الله ومثاله" ويدخل الحياة الأبدية. يتوافق اللاهوت ألثالوثي والمبدأ الشخصي مع مسيرة "المبدأ الإقنومي" التي قدم لها الأب صفرونيوس الكثير من الأعمال في حياته.ونزوله للجحيم وموته. لاهوت القديس سلوان ج 1