Warning: preg_replace(): The /e modifier is deprecated, use preg_replace_callback instead in ..../includes/class_bbcode.php on line 2958
تعاليم أوغسطينوس .. رداً على تساؤل.
صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 15

الموضوع: تعاليم أوغسطينوس .. رداً على تساؤل.

  1. #1
    أخ/ت مبارك/ة الصورة الرمزية Mayda
    التسجيل: Sep 2007
    العضوية: 635
    هواياتي: Reading, Reading & Reading
    الحالة: Mayda غير متواجد حالياً
    المشاركات: 2,709

    Array

    تعاليم أوغسطينوس .. رداً على تساؤل.


    راسلني أحد الأخوة الأحباء طالباً استفسار عن قصدي والمعنى من مشاركتي أدناه..


    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة Mayda مشاهدة المشاركة
    وعلى سبيل ذكر أوغسطينوس فدعني أذكر لك بأنه لا يوجد أي لقب كان يُعرف به أو اشتهر بواسطته (مثلاً: "العظيم"، "اللاهوتي"، "القديس"، الخ). ولم يوجد يوم عيد لذكراه أو كنائس أقيمت على اسمه، أو طروباريات تم تأليفها لتكريمه، أو أيقونات رسمت لذكراه، أو ذكر في لوائح القديسين القديمة مثل لائحة القرن العاشر التي ألفها القديس سمعان أو لائحة المتروبولت مكاريوس (1564)، ومن غير المعروف أيضاً حدوث أية عجيبة أو مظهر عجائبي عند ضريحه. الشي الوحيد الملفت للنظر هو أنه رقد وهو يردد اقتباساً من الفيلسوف الوثني أفلوطين!!!
    وعليه، استعين بدراسة عن تعاليم أوغسطينوس قام بها الدكتور عدنان طرابلسي في كتابه سألتي فأجبتك (الجزء الثاني) للإجابة على هذا التساؤل.

    الدراسة تتلخص حول:
    أولاً – مفهوم "الله" وهرطقة الانبثاق من الابن،
    ثانياً – الالتباس في فهم الفروق بين الجوهر والأقانيم والقوى في الثالوث القدوس،
    ثالثاً – الظهورات الإلهية والقوى المخلوقة،
    رابعاً – الخطيئة الأصلية،
    خامساً - التجسد والخلاص والنعمة المخلوقة،
    سادساً - القضاء والقدر والنعمة التي لا تُقاوم،
    سابعاً - إنكار المشيئة الحرة،
    ثامناً - طبيعة الكنيسة،
    تاسعاً - الأسرار.


    صلواتكم

    :sm-ool-322:

  2. #2
    أخ/ت مبارك/ة الصورة الرمزية Mayda
    التسجيل: Sep 2007
    العضوية: 635
    هواياتي: Reading, Reading & Reading
    الحالة: Mayda غير متواجد حالياً
    المشاركات: 2,709

    Array

    افتراضي رد: تعاليم أوغسطينوس .. رداً على تساؤل.


    تعاليم أوغسطينوس

    يقول القديس هيلاريوس (بواتييه): "الهرطقة لا تكمن في الكلمة، بل في المعاني المتعلقة بها" (في الروح القدس 2،3). فشهود يهوه مثلاً والمورمون يستعملون كلمة "الثالوث" بمعنى هرطوقي غير مسيحي. هكذا يجب فهم تعاليم أوغسطينوس بناء على المعاني المتعلقة بالكلمات المستعملة وليس بناء على الكلمات فقط. يمكن تلخيص التعاليم المخالفة لتعاليم الكنيسة الأرثوذكسية (إجماع الآباء والمجامع) على النحو التالي:

    أولاً – مفهوم "الله" وهرطقة الانبثاق من الابن:

    أوغسطينوس هو أبو هرطقة "الانبثاق من الابن" التي فصلت الشرق عن الغرب. وحتى بعد المجمع المسكوني الثاني كان أوغسطينوس يعلّم: "الله الآب هو الذي منه ولد الكلمة ومنه ينبثق الروح القدس مبدئياً. استعملتُ الكلمة "مبدئياً" لكي يتم الفهم أن الروح القدس ينبثق من الابن أيضاً. وقال أيضاً: "إن الروح القدس لا ينبثق من الآب إلى الابن ومن ثم ينبثق من الابن من أجل تقديسنا. لكنه ينبثق من كليهما في الوقت نفسه، ولو أن الآب أعطى الابن هذا، بحيث كما أن الروح القدس ينبثق منه، هكذا أيضاً ينبثق من الابن.

    لنبدأ من مفهوم "الله" لدى أوغسطينوس. يقول أوغسطينوس إن النفس البشرية عادمة الجسد وهو محق في هذا. ولكنه يقول إن النفس البشرية روحية وغير مادية بالطريقة نفسها التي فيها الله هو روحي وغير مادي. بالطبع الكنيسة الأرثوذكسية ترفض هذا التعليم لأن الله وحده غير مادي بالمطلق. بسبب هذا الشبه بين النفس و الله لدى أوغسطينوس، اعتقد أن البحث في أعماق النفس (معرفة النفس، معرفة الذات) يمكّن الباحث (الفيلسوف) من معرفة الخالق أو شيئاً عنه. يؤكد أوغسطينوس أن أنبل اليونانيين قد عرفوا هذا الشبه بين كيان الله وكيان النفس مما سمح لهم بقول شيء حقيقي عن الخالق، حتى أنهم اكتشفوا أن الله ثالوث. كان أوغسطينوس متأثراً جداً بأحد الأفلاطونيين الحديثين المسيحيين في القرن الرابع واسمه ماريوس فيكتورينوس الذي كان يطمح أن يماهي فلسفة أفلاطون بالمسيحية. كانت فلسفة فيكتورينوس تبدأ بمقارنة صريحة بين حياة الثالوث المغبوطة مع الحياة الداخلية للنفس. فيكتورينوس علّم الكثير من الأفكار الأفلاطونية تحت غطاء مسيحي فتأثر جداً بأوغسطينوس. ففي كتابه "ضد آريوس" يقول فيكتورينوس إن النفس كيان واحد وثلاثة أوجه: "أن تكون"، "أن تحيا"، و"أن تفهم". هذه الأوجه على اتفاق مع الله الواحد في ثلاثة أقانيم: الآب والابن والروح القدس، أو بحسب الأفلاطونية الحديثة: الواحد، الذهن (النوس)، والروح. إن كلاً من "أن تحيا" و "أن تفهم" هما تعبيران لـ "أن تكون" للنفس، هكذا فالابن والروح القدس هما تعبيران للآب. كل شخص مختلف عن الشخصين الآخرين. هذا يعني أن الروح القدس، لكي يختلف عن الابن (الذي يصدر من الآب) وعن الآب (الذي لا يصدر من أحد)، لا بد له أن ينبثق من الآب والابن معاً. هذا هو أقصى الثالوث وأقصى الوحدة (ضد آريوس. 3: 8).

    أوغسطينوس عقد المقارنة نفسها بين النفس والثالوث إلا أنه شاء أن يختار وظائف النفس على أنها: "أن تتذكّر"، "أن تفهم"، و "أن تشاء". وبما أن وظيفة "أن تشاء" تنبثق من "أن تتذكّر" و "أن تفهم"، لهذا تكون النفس واحدة ذات ثلاثة أبعاد، بُعدان ينبثقان من واحد. وبصورة مماثلة وصل أوغسطينوس إلى الاستنتاج أن الروح القدس ينبثق من الآب والابن. لاهوت أوغسطينوس هذا جعل الآب يخسر مكانته المميزة كمصدر وحدة الثالوث.

    لدى أوغسطينوس، فإن الروح القدس ليس مجرد "العطية المشتركة" بين الآب والابن فحسب، لكنه أيضاً المحبة التي بها يُحبّ الآب والابن بعضهما البعض (في الثالوث 15، 17، 27). لهذا يجب على الروح القدس دائماً أن ينبثق من الآب ومن الابن وليس في الزمان فحسب من أجل تقديس (خلاص) الخليقة (في الروح القدس 15، 27، 48).

    على كل حال، الكنيسة الأرثوذكسية رفضت هذا التعليم. الرب يسوع نفسه أوضح لما أن الروح القدس "ينبثق من عند الآب" (يوحنا 15 : 26). القديس فوتيوس الكبير أوضح في كتابه Mystagogy of the Holy Spirit أن عقيدة الانبثاق من الابن تعطي الابن الثفة التي تميّز الآب عن الابن، وبالتالي يفقد الآب ما يميّزه ويجعله أباً، وتضيف هذه العقيدة على الابن صفة جديدة تجعله متفوقاً على الآب وعلى الروح القدس. هكذا جعل أوغسطينوس الآب يخسر ما يميّزه كأب وأضاف على أقنوم الابن ما جعله أقنوماً متفوقاً. يقول القديس فوتيوس: "هكذا فإن أعداء الله... يجعلون الابن أعظم من الروح (القدس)، بسبب كونه العلّة... ما يمكن أن يكون أكثر تجديفاً أو جنوناً من هذا؟" وبحسب القديس فوتيوس فإن تعليم "الانبثاق من الآب والابن" هو نتاج الشيطان، عدو الجنس البشري.

    القديس مرقس الأفسسي تحدّث إلى اللاتين في مجمع فلورنس في سياق تعليقه على يوحنا 15 : 26، نافياً أن يكون تعليم "الانبثاق من الابن" قد تمت الإشارة إليه هنا. وقال إن الإضافة على دستور الإيمان كانت السبب الأول في الانقسام.

    يوجد جانب آخر يستحق الذكر لدى أوغسطينوس ويتعلق بدرجة فهمه لشخص الابن (الذي يدعوه الكلمة والحكمة) ألا وهو "عالم الأفكار"، وهو نظرية اقتبسها أوغسطينوس من أفلاطون. في هذه النظرية يؤمن أوغسطينوس أن الذهن البشري يستنير بالمشاركة بالحقيقة الأبدية (في المزمور 119)، دون الإشارة إلى نعمة الروح القدس ومعاينة النور غير المخلوق (لم يؤمن أوغسطينوس إلا بنور مخلوق) والرؤية القلبية (بتعبير القديس أفرام السوري). يؤمن أوغسطينوس أن الله يشع بنوره المخلوق على كل شخص بحسب محبته للحقائق الإلهية والضرورية، مما يجعل ذهنه قادراً على فهم هذه الحقائق. من هنا استنتج أوغسطينوس أن الأفلاطونيين كانوا مستنيرين بصورة خاصة بمقدار ما حققوا بالعقل معرفة أولية لله الحقيقي ولإرادته (مدينة الله 10، 1)

    يتبع....

  3. #3
    أخ/ت مبارك/ة الصورة الرمزية Mayda
    التسجيل: Sep 2007
    العضوية: 635
    هواياتي: Reading, Reading & Reading
    الحالة: Mayda غير متواجد حالياً
    المشاركات: 2,709

    Array

    افتراضي رد: تعاليم أوغسطينوس .. رداً على تساؤل.


    ثانياً – الالتباس في فهم الفروق بين الجوهر والأقانيم والقوى في الثالوث القدوس:


    كان الروح القدس بالنسبة لأوغسطينوس سراً عسر الفهم مثله مثل الثالوث القدوس. يقول أوغسطينوس: "على كلٍ بالنسبة للروح القدس، لا توجد من جهة المحققين البارزين والمتعلمين للأسفار الإلهية مناقشة أكمل ودقيقة بصورة كافية للموضوع بحيث تجعله ممكناً لنا أن نحصل على إدراك ذكي لما يؤلف أيضاً فرديته الخاصة". لكننا نعرف أن المجمع المسكوني الثاني قد ناقش موضوع الروح القدس وأكد أن انبثاق الروح القدس من الآب يعبّر عن أصله وعلاقته بأقنوم الآب وهو ما يؤلف فرديته الخاصة. على كل حال أمضى أوغسطينوس سنوات عديدة لحلّ مشكلة غير موجودة تتعلق بفردية الروح القدس. لكن أوغسطينوس انتهى إلى هرطقة الانبثاق من الآب والابن.

    الخطأ الثاني الذي ارتكبه أوغسطينوس هو أنه طابق بين الروح القدس و "المحبة بين الآب والابن" وهذا تكرّر في اللاهوت اللاتيني لاحقاً. لكن الروح القدس أقنوم إلهي متميز عن أقنومي الآب والابن. الأقانيم الثلاثة تشترك في الخصائص نفسها (إلا الخصائص الأقنومية لكل أقنوم من الثالوث القدوس). ليس الروح القدس ما هو مشترك بين الآب والابن. هذا يجرده من أقنوميته.

    أيضاً لم يستطع أوغسطينوس التمييز بين جوهر الله وقواه. اعترف بنفسه أنه لا يفهم لماذا تميّز اللغة اليونانية بين الجوهر والأقنوم. مع ذلك كان يؤكد على وجوب قبول هذا التمييز كعنصر إيماني. أيضاً كان أوغسطينوس يمزج بين الولادة والانبثاق مع القوى الإلهية.

    يتبع....

  4. #4
    أخ/ت مبارك/ة الصورة الرمزية Mayda
    التسجيل: Sep 2007
    العضوية: 635
    هواياتي: Reading, Reading & Reading
    الحالة: Mayda غير متواجد حالياً
    المشاركات: 2,709

    Array

    افتراضي رد: تعاليم أوغسطينوس .. رداً على تساؤل.


    ثالثاً – الظهورات الإلهية والقوى المخلوقة:


    بعدما صار أوغسطينوس أسقف هيبو نجد في كتاباته أنه كان يؤمن أن حضور المسيح في العهد القديم كان مجرد توقعات لمجيئه القادم، لكن المسيح لم يكن شخصياً حاضراً وفاعلاً في العهد القديم. في كتابه "في الثالوث" يقول إنه في ظهورات العهد القديم لم ير الأنبياء شخصاً بشرياً ولا مجداً إلهياً غير مخلوق. لقد رأوا مجرد قوى مخلوقة أو تأثيرات خاصة أحدثتها الملائكة فيها تمت الإشارة إلى الله رمزياً. فما رآه القديسون في مجد الله كان، بحسب أوغسطينوس، شيئاً مخلوقاً قد خُلق "لكي يُظهر ما كان ضرورياً للمعاينة، وعندئذ توقّف عن الوجود. ويقول: "كل هذه الظهورات كانت مشكّلة من خلال خليقة. كانت مشكلَّة بملائكة. ليس فقط الأشياء المنظورة بل العالم نفسه كان مشكَّلاً بواسطة ملائكة.

    لكن الكنيسة الأرثوذكسية تؤمن أن اللوغوس، كلمة الله، هو نفسه رب الصباؤوت، وحكمة الله الذي ظهر للأنبياء في العهد القديم، وهو نفسه تجسد في ملء الزمان وولد إنساناً من والدة الإله العذراء. أوغسطينوس رفض أن يكون الأنبياء قد رأوا اللوغوس بأية طريقة. ولكنه يتفق مع الآريوسيين والأفنوميين في أن الأنبياء لم يروا سوى ملاكاً مخلوقاً، وناراً مخلوقة، وسحابا ونوراً وظلاماً، الخ، لكنه يقول إن اللوغوس لم يكن حاضراً نفسه فيها. بالنسبة له هذه الظهورات هي مجرد رموز لله، وبالتالي فهذه الظهورات هي إما أشياء مخلوقة أو رموزاً أتت إلى الوجود لكي تنقل رسالة إلهية ومن ثم تزول من الوجود.

    يتبع....

  5. #5
    أخ/ت مبارك/ة الصورة الرمزية Mayda
    التسجيل: Sep 2007
    العضوية: 635
    هواياتي: Reading, Reading & Reading
    الحالة: Mayda غير متواجد حالياً
    المشاركات: 2,709

    Array

    افتراضي رد: تعاليم أوغسطينوس .. رداً على تساؤل.


    رابعاً – الخطيئة الأصلية:


    علّم أوغسطين أن خطيئة آدم الأصلية قد نشّطت كل رغباته غير المشروعة. يقول إن الخطيئة الأصلية "قد انتقلت إلى كل البشر بواسطة زرع الإنسان بتكاثر الجسد، ولا يخلص إلا الذين بواسطة المسيح قد تجددوا ثانية في نفوسهم من دنس الجسد داخلاً". ويقول أيضاً:

    "قيّد آدم ذريته أيضاً بعقوبة اللعنة، الذرية مقيّدة بالخطيئة التي بها أفسد نفسه.. بحيث أن ذريته، المولودة بواسطة الشهوة الجسدية، قد نالت الثأر المناسب لعصيانه.. كان الجنس البشري مُثقلاً بالخطيئة الأصلية عبر العصور، مُثقلاً بالأخطاء والأحزان الكثيرة حتى العذاب الأخير وغير المنتهي مع الملائكة المتمردة".

    ويقول أيضاً: "بسبب إنسان واحد دخل جميع المولودين من آدم تحت الدينونة، ما لم يولدوا ثانية في المسيح، كما عيّن الله أن يجددهم (ثانية) قبل أن يموتوا في الجسد. لأنه قضى للبعض سلفاً الحياة الأبدية كأرحم مانح للنعمة؛ أما لهؤلاء الذين قضى لهم الموت الأبدي فإنه مانح العقوبة الأكثر برّاً. إنهم لا يُعاقبون بناء على الخطايا التي يضيفونها بتساهل مشيئتهم فقط، بل بناء على الخطيئة الأصلية، حتى ولو لم يُضيفوا شيئاً على تلك الخطيئة الأصلية، كما في حالة الرضّع. الآن هذه هي وجهة نظري المحددة في هذه المسألة، بحيث أن أمور الله الخفية تحفظ سرهم، بدون إضعاف إيماني.

    ويقول أيضاً: "حتى ولو لم يكن في الناس أي شيء سوى الخطيئة الأصلية، فإنها كافية لإدانتهم".

    بالنسبة لأوغسطينوس، ما لم يوجد تبدّل في موقف الله الغاضب تجاه البشر، والذي فيه تُمسك النعمة والمغفرة عن البشر، فإنه لا يمكن أن يوجد تبدل في حالة الإنسان. البشرية مُذنبة ومحرومة من النعمة بسبب قرار إلهي عقابي. المسيح أتى ليُبطل غضب الله المبرر بحيث تفيض النعمة والإحسان ثانية. يؤمن أوغسطينوس أن الله، في غضبه وانتقامه، قد سن بعدل الموت على آدم وجميع البشر الذين كانوا واقعين تحت هذا الغضب بسبب الخطيئة الأصلية. كل واحد يحمل الذنب الذي ورثه بالولادة، "وهو في قيود الذنب الموروث". والجميع "خاضعون بعدل للرباط الذي يربطهم به الشيطان".

    الكنيسة الأرثوذكسية بالطبع لا تؤمن بهذا. فالله لم يخلق الموت ولم يفرضه على الإنسان بعيد السقوط. الموت كان نتيجة السقوط. خطيئة آدم وحواء (أو ذنبهما) لا تنتقل إلى ذريتهما بل ما ينتقل هو نتاج السقوط (الأقمصة الجلدية). والله لا يغضب ولا يطلب فدية عن خطايانا. والله لم يسبق فعين سلفاً للخلاص والبعض للهلاك. يقول القديس بالاماس: "يجب أن نفهم من كلماته أن الله لم يخلق الموت (الحكمة 1: 13)، سواء أكان موت الجسد أم موت النفس. لأنه عندما أعطى الوصية لم يقل: "يوم تأكل منا متْ"، بل قال: "لأنك يوم تأكل منها موتاً تموت" (تك 2: 17). ولم يقل فيما بعد: "ارجع الأن إلى الأرض"، بل: "حتى تعود" (تك 3: 19)، مُخبراً سلفاً بهذه الطريقة ماذا سيحدث".

    يقول القديس أمبروسيوس: "إثمنا شيء والشيء الآخر هو عَقِبنا حيث جُرح آدم بناب الحية، جرحاً وُرِّث إلى كل ذرية آدم، جرحاً بسببه نعرج كلنا.. إثم عَقِبي هذا يطوّقني، لكن هذا إثم آدم لا إثمي". إن حرية الإنسان مقيدة بفساده، الذي حيك في نسيج الطبيعة البشرية، لكن هذه الحرية لم تُمح تماماً بل صارت مشلولة، مريضة، واهنة.

    القديس كيرللس الإسكندري يتكلم عن الموت والفساد الموروثين وليس عن الذنب الموروث، كما علّم أوغسطينوس فيقول: "بما أن آدم أنجب أولاداً في حالته الساقطة، فإننا، ذريته، فاسدون، لأننا نأتي من أصل فاسد. إن لعنة المواتية قد انتقلت إلى ذريته من بعده، لأننا مولودون من مادة مائتة. إن ربنا يسوع المسيح هو بداية جديدة لجنسنا، إذ يُعيد تشكيلنا إلى عدم الفساد بمهاجمة الموت، وإبطال اللعنة بواسطة جسده. الفساد والموت هما النتائج الشاملة والعامة لتعديات آدم. بطريقة مماثلة، إن الفدية الشاملة والعامة قد تّمت أخيراً في المسيح. الجميع قد تحرروا بالمسيح من العقاب الأولي، عقاب الموت. لهذا السبب يؤكد بولس الكلي الحكمة: "قد ملك الموت من آدم إلى موسى وذلك على الذين لم يُخطئوا على شبه تعدي آدم" (رو 5: 14). إذاً ملك الموت تحت الناموس، لكن مع مجيء المسيح أتى بر النعمة التي بها تطهرت أجسادنا من الفساد. إن محو الخطيئة ونتائجها ليس عملاً حقوقياً، بل كان نتيجة النعمة التي وهبنا إياها المسيح مجاناً والتي بها وُلدنا ثانية وتجددت الطبيعة البشرية المريضة واتحدت اتحاداً عضوياً حقيقياً بالله.

    هكذا إن تجسد المسيح الكلمة قد محا ليس فقط خطيئة آدم التي سببت موتنا، بل محا أيضاً كل النتائج الناجمة منها. آدم أخطأ فصار خاضعاً للموت فمات. نحن نولد تحت سلطان الموت وخاضعين لحالة المواتية، فنُخطىء. حالة الخطيئة التي نعيش فيها هي مظهر وفرع لطبيعتنا المائتة. لا شيء يكشف مواتيتنا وحالتنا الخاطئة أكثر من أهوائنا الكثيرة. الدمشقي يقول إنه من أيام آدم إلى المسيح كان النسل البشري "خاضعاً للهوى بدلاً من اللاهوى، والموت بدلاً من عدم الموت" (الإيمان الأرثوذكسي: الكتاب الثاني: 30).

    إن المنطق المتولد من عقيدة الخطيئة الأصلية يميل إلى الازدراء بتجسد المسيح الذي أخذ جسداً من أمه التي هي نفسها مولودة من زرع إنسان. ينقل لنا القديس غريغوريوس النصيصي صلاة القديسة مكرينا القائلة: "لقد استعدتَ ما أعطيتَ، محولاً بعدم الفساد والنعمة ما هو مائت ومخزي فينا. لقد افتديتنا من اللعنة والخطيئة، إذ صرت كلاهما من أجلنا. لقد سحقت رأس الحية.. وأبطلت الذي له سلطان بواسطة الموت". بولس الرسول يقول: "لأنه جعل الذي لم يعرف خطيّة خطيّةً لأجلنا لنصير نحن بر الله فيه" (2 كور 5: 21).

    يتبع....

  6. #6
    أخ/ت نشيط/ة الصورة الرمزية اوريجانوس المصري
    التسجيل: May 2009
    العضوية: 6216
    الإقامة: عائد من الموت
    الجنس: male
    العقيدة: الكنائس غير الخلقيدونية / أقباط أرثوذكس
    هواياتي: اللاهوت ودراسة الاديان
    الحالة: اوريجانوس المصري غير متواجد حالياً
    المشاركات: 345

    Array

    افتراضي رد: تعاليم أوغسطينوس .. رداً على تساؤل.

    متابع للموضوع

    ربنا يباركك

    †††التوقيع†††


    لو لم أولد مسيحيا أرثوذكسيا ؛ لوددت أن أكون مسيحيا أرثوذكسيا


    يا قارئ لا تبكي على موتي ... فاليوم أنا معك وغداً في التراب
    ويا مارا على قبري لا تعجب من أمري ... بالأمس كنت معك وغداً أنت معي
    أموت ويبقى كل ما كتبته ذكرى ... فيا ليت كل من قرأ كلامي دعالي

  7. #7
    أخ/ت مبارك/ة الصورة الرمزية Mayda
    التسجيل: Sep 2007
    العضوية: 635
    هواياتي: Reading, Reading & Reading
    الحالة: Mayda غير متواجد حالياً
    المشاركات: 2,709

    Array

    افتراضي رد: تعاليم أوغسطينوس .. رداً على تساؤل.


    خامساً – التجسد والخلاص والنعمة المخلوقة:


    بالطبع كان أوغسطينوس يؤمن بتجسد ابن الله (الشخص الثاني من الثالوث القدوس). ورغم أن أوغسطينوس استعمل تعابير المجامع المسكونية نفسها في هذا المجال إلا أن كلماته لم تحمل المعنى نفسه.

    لم ينكر أوغسطينوس أن المسيح إله وإنسان معاً. لكنه كان متردداً جداً في القول إن الطبيعتين الإلهية والبشرية في المسيح كانتا متحدتين معاً بصورة وثيقة فائقة الوصف. كان يؤمن أن الله والنفس البشرية كانا غير ماديين بحسب رأيه (متأثراً بماضيه وخلفيته الوثنيين). لهذا قال أن الله انضم إلى النفس البشرية (في المسيح). بالنسبة له من الصعوبة تقبل أن الجسد يتحد بالنفس، لأن الجسد مادة والمادة تلوّث النفس وتدنسها. يقول:

    "فكم بالأقل جداً، إذاً، يستطيع جسد أنثوي أن يلوّث كلمة الله – الذي هو غير جسدي وغير منظور – عندما اتخذ جسداً منها (من العذراء) مع نفس وروح... (إنه) لا يستطيع أن يتلوّث أبداً بجسد بشري، والذي به تبقى النفس البشرية غير ملوّثة، طالما تحكم وتُحيي الجسد؛.." (في الإيمان والرمز، 5، 10). المقصود هنا هو التالي: كما أن النفس البشرية المتحدة بالجسد لا تتلوّث به، هكذا أيضاً فإن كلمة الله المتجسد من العذراء لا يمكن أن يتلوّث بجسد بشري.

    خلفيته الوثنية حتّمت عليه تلك النظرة الدونية للجسد مما أثر على فهمه للتجسد (وللخريستولوجيا بشكل عام) بصورة مخالفة لآباء الكنيسة. فالكنيسة الأرثوذكسية تؤمن (كما بيّنت المجامع المسكونية) أن المسيح أخذ من العذراء طبيعة بشرية كاملة (جسداً ونفساً وذهناً وعقلاً وإرادة..)، وبالتالي كان الجسد البشري في المسيح متحداً بالطبيعة الإلهية. أما هنا فما يقصده أوغسطينوس هو أنه لا توجد صلة مباشرة بين طبيعتي المسيح. وبالطبع، إن كانت طبيعة المسيح البشرية لا تقودنا إلى طبيعته الإلهية فلا يوجد خلاص لنا أو تأله. حاول أوغسطينوس أن يتجاوز هذه الصعوبة بالقول إن اتحاد الناسوت باللاهوت في المسيح كان نتيجة نعمة مخلوقة. لكننا نعلم أن النعمة المخلوقة لا تستطيع أن توحد بين طبيعتي المسيح، وأنه لا يوجد خلاص أو تاله بنعمة مخلوقة، لأن الخلاص يتطلب نعمة غير مخلوقة لنشارك في الطبيعة الإلهية (2 بطرس 1: 4).

    مفهوم أوغسطينوس للنعمة المخلوقة حتّم عليه فهماً خاصاً للخلاص يعتمد على "الكفارة" بمعنى الفدية. فبالنسبة له مات المسيح على الصليب من أجل الذنب الذي ورثناه كلنا من آدم. في هذا أخطأ. فالآباء يعلّمون أن آدم وحده مسؤول عن الذنب الذي ارتكبه، أما نحن فقد ورثنا نتائج الخطية بما فيها الموت. المسيح أباد الموت فينا وأعاد لنا عدم الموت كما يقول القديس باولينوس الرحيم (الرسالة 12، 6).

    ثانياً نكرانه الوحدة الداخلية بين طبيعتي المسيح يعني أنه لا توجد وسيلة للسيد للتغلب فيها على الموت والشيطان، لأن اتحاد الطبيعتين في شخص المسيح الإلهي الواحد هو أساس خلاصنا وسره.

    ثالثاً: مفهوم أوغسطينوس للنعمة المخلوقة يفسد الغاية الكاملة من "الفداء". فالصليب والقيامة يفتحان الباب للحياة مع الله: "الآلهة" تسكن مع الله، أو يصير الإنسان إلهاً بالنعمة. أعمال الفداء هذه تُطلق النعمة غير المخلوقة التي تجعلنا شركاء الطبيعة الإلهية. أما إذا كانت النعمة مخلوقة، فهذا يعني أن موت المسيح على الصليب وقيامته أمران غير مهمين. فما هو مخلوق لا يستطيع رفعنا إلى مرتبة غير المخلوق كما يقول القديس غريغوريوس بالاماس.

    الله يعمل من خلال نعمته غير المخلوقة التي تصدر عن جوهره. التعاضد الإلهي البشري بين النعمة الإلهية والإرادة البشرية هو أساسي لخلاص الإنسان. إن رفض الإنسان هذه النعمة، تغادره النعمة عندئذ بدون إكراه. هذه النعمة الإلهية غير مخلوقة وإلا لا يمكن للإنسان أن يتقدس ويتأله بشيء مخلوق. يقول القديس بالاماس لبرلعامَ (الأوغسطيني): "كيف تشارك في الطبيعة الإلهية إن كانت النعمة شيئاً ما غير امتدادٍ لها (للطبيعة)"؟

    يتبع....

  8. #8

    مشرف قسم اللاهوت المقارن، البدع والهرطقات

    الصورة الرمزية ارميا
    التسجيل: Sep 2007
    العضوية: 1185
    الإقامة: بأرض الله الواسعة
    هواياتي: دراسة الأديان - طب الأسنان
    الحالة: ارميا غير متواجد حالياً
    المشاركات: 535

    Array

    افتراضي رد: تعاليم أوغسطينوس .. رداً على تساؤل.

    مجهود يذكر فيشكر أختي مايدا
    ربنا يسوع يباركك

    †††التوقيع†††


    إستجب يا رب لصلاتي وليصل إليك صراخي, أحمدك يا رب من كل قلبي, سراج لرجلي كلامك ونور لسبيلي, كم أنت بار يا رب وأحكامك كلها متستقيمة, أرشدني بكلمتك واملأني من حكمتك وأختبرني يا الله وأعرف قلبي وامتحني وأعرف أفكاري وانظر ان كان بي طريقا باطلا واهدني طريقا أبديا بالمسيح يسوع ربنا. أمـــــيـــــن


    {إبن كنيسة الروم الأرثوذكس عروس المسيح}

  9. #9
    أخ/ت مبارك/ة الصورة الرمزية Mayda
    التسجيل: Sep 2007
    العضوية: 635
    هواياتي: Reading, Reading & Reading
    الحالة: Mayda غير متواجد حالياً
    المشاركات: 2,709

    Array

    افتراضي رد: تعاليم أوغسطينوس .. رداً على تساؤل.


    أهلاً وسهلاً وشكراً عالمرور والتشجيع أخي أورجانيوس وأخي إرميا.

    صلواتكم.

  10. #10
    أخ/ت مبارك/ة الصورة الرمزية Mayda
    التسجيل: Sep 2007
    العضوية: 635
    هواياتي: Reading, Reading & Reading
    الحالة: Mayda غير متواجد حالياً
    المشاركات: 2,709

    Array

    افتراضي رد: تعاليم أوغسطينوس .. رداً على تساؤل.


    سادساً – القضاء والقدر والنعمة التي لا تُقاوم:


    كان أوغسطينوس يؤمن بالقدرية إذ كان يعلّم أن الله قضى لبعض الناس الهلاك حيث لا يُسمح لإرادتهم بالعودة إليه، وقضى للبعض الآخر الخلاص حيث لا يُسمح لإرادة هؤلاء الارتداد عنه. بالنسبة لأوغسطينوس إن اختيار الذين قضاؤهم الملكوت هو اختيار مجاني وإرادة الله السيادية هنا هي إلزامية وأساسية بالنسبة للفضائل والأعمال الصالحة التي يراها سلفاً. يقول: "إني أتكلم هكذا عن الذين قُضي لهم ملكوت الله، والذين عددهم مؤكد جداً بحيث لا يمكن لأحد أن يُضاف أو يُنقض منهم...، بينما الذين لا ينتمون لهذا العدد المبارك والمؤكد فإنهم يُدانون بحق بحسب استحقاقاتهم، لأنهم قابعون تحت الخطية التي ورثوها بالولادة الأصلية وبالتالي يرحلون من هنا بدَيْنٍ موروث".

    ورغم أن أوغسطينوس يعتبر نفسه مؤمناً بالمشيئة الحرة إلا أن إيمانه بالقضاء والقدر يطعن في المشيئة الحرة في الصميم. إذ يقول إن القدر بالحياة الأبدية هو من نعمة الله الحرة تماماً، ويسأل: ".. مَن يكون بالغ الحماقة والتجديف بحيث يقول إن الله لا يستطيع أن يغيّر الإرادات الشريرة للناس، أيّها أراد وكلما أراد وحيثما أراد، ويوجهها نحو ما هو صالح؟" وإن اختار الإنسان الصلاح فهذا بسبب نعمة طاغية لا يمكن مقاومتها. أوغسطينوس يحاول تفسير كلمات بولس الرسول القائل: "فإذاً ليس لمن يشاء ولا لمن يسعى بل الله الذي يرحم" (رو 9: 16) قائلاً إن الرسول: ليس لمن يشاء أو يسعى بل لرحمة الله يعني "بالضبط أن الحدثية بأكملها هي رصيد الله، الذي يهيأ المشيئة ويساعد المشيئة الجاهزة".

    لكن نظرية أوغسطينوس هذه تُزيح الإرادة البشرية من حدثية الخلاص وتجعل دورها ثانوياً إن كان موجوداً. وتعني أن الخلاص هو عمل الله بدون شركة الإرادة البشرية الحرة فيه، وتعني أننا لا نملك دوراً فيه. يقدم أوغسطينوس مثالاً عن توأم اسحق ورفقة قائلاً: إن التوأم (يعقوب وعيسو) كانا ولدي الغضب، لا بناء على أية أعمال عملاها، بل لأنهما كانا مقيدين بقيود تلك الدينونة الأصلية التي أتت عبر آدم. لكن الذي قال: إني أرحم من أرحم قد أحب يعقوب وبغض عيسو.

    ويقول أوغسطينوس أيضاً: "إن الله سبق وعرف المؤمنين؛ لكنه اختارهم ليكونوا هكذا، ليس بسبب أنهم كانوا سلفاً هكذا.. إنه لم يسبق فرأى أننا أنفسنا سنكون قديسين ويدون عيب، لكنه اختار وقضى لنا أن نكون على هذا النحو". لم يغيّر أوغسطينوس من رأيه هذا حتى موته، بل استمر في قناعته أن المختارين لا يستطيعون أن يسقطوا بل يكونوا محفوظين لا بقوتهم الشخصية بل بنعمة إلهية لا تُقاوم. يقول: "إن عطية الله تُعطى لهم... حتى لا يسقطوا في التجربة". وأيضاً: "لا يفشل قديسٌ في الاحتفاظ بالقداسة حتى النهاية". بالنسبة لأوغسطينوس "إن الله، إذاً، هو الذي يجعل إنساناً مثابراً في الصلاح، هو الذي يجعله صالحاً؛ أما الذين يسقطون ويهلكون فلم يكونوا أبداً في عداد المقضيين" أي في عداد الذين قضى الله أن يكون مصيرهم الملكوت.

    افترض أوغسطينوس أن كل المسيحيين يملكون "نعمة كافية" بها تُستعاد الحرية. كل المسيحيين ينالون نعمة للتعاون مع الله، ولاختيار الصلاح أو الطلاح. مع ذلك، فقط أعضاء الكنيسة المختارين هم الذين سيخلصون بحسب قرار الله الأبدي والخفي. هكذا بحسب أوغسطينوس إن نعمة المشاركة هذه لا تكفي ليتم إحصاء المسيحي في عداد المختارين. قال أوغسطينوس إن كل نعمة هي "سابقة" (أو توقعية) أو "نعمة مُشاركة". لكنها نعمة غير كافية للاختيار. كان أوغسطينوس أول من قسّم المسيحيين إلى مؤمنين يملكون "نعمة كافية" مشتركة بين كل المسيحيين، ومسيحيين (مختارين) قضاؤهم (مصيرهم) المجد وبالتالي مُنحوا "نعمة فاعلة" أكثر بركة قد فُرضت عليهم. وقال إن "نعمة المثابرة" – أي النعمة الفاعلة التي لا تُقاوم – هي نعمة الخلاص.

    أيضاً لا يمكن لأحد أن يخلص ما لم يكن الله قد "قدّم مساعدة ليسد نقص المشيئة البشرية، بحيث تتحرك بالنعمة الإلهية بدون تغيير وبطريقة لا تُقهر.. حتى لو كانت مشيئة المختارين ضعيفة وغير قادرة على الخير، إلا أن الله يحول دون ارتدادهم". أوغسطينوس يخالف القديس كبريانوس عندما قارن كبريانوس الكنيسة بفلك نوح. يقول أوغسطينوس إن "قلّة فقط قد خلصوا بالإيمان، بإيمانٍ كانوا يملكونه بفضل قَدرهم بالمجد".

    إن فكرة أن قلة ستخلص بفضل نعمة مفروضة عليهم هي فكرة غير أرثوذكسية. ماذا عن المساكين خارج لائحة المختارين؟ يجيب أوغسطينوس: "لقد صُنعوا آنية للغضب، ووُلدوا لمنفعة المخلّصين... الله يعرف أي خير يمكن أن يُصنع منهم... مع ذلك، إنه لا يقود أي واحد منهم إلى التوبة الروحية المفيدة والتي بها يتصالح الإنسان مع الله المسيح". أوغسطينوس يرى أن المسيحيين المختارين الذي قدرهم الملكوت السماوي لن ينفوا ولن يموتوا عندما تتغيّر حياتهم من الخير إلى الشر، لأن قدرهم الحياة الأبدية.

    بالطبع هذه الأفكار الأوغسطينية هي أفكار مرفوضة أرثوذكسياً لأنها تخالف الكتاب المقدس والتقليد الآبائي الأرثوذكسي. بدون التعاضد بين النعمة الإلهية والإرادة البشرية لا يوجد خلاص. الله في المسيح يسوع صنع كل ما نحتاجه للخلاص ولحياة أبدية. يبقى أن نفتح قلوبنا للنعمة الإلهية ونعمل معها حتى موتنا لنتمم هذا الخلاص. هذا ما نسميه في التقليد الأرثوذكسي بالتعاضد. لاهوت أوغسطينوس يخالف هذا التعاضد. المجال هنا لا يتسع للرد عليه، لكننا نذكر ما يقوله القديس مكاريوس الكبير من أن الإنسان حر في جعل نفسه "آنية للشيطان" أو "آنية للاختيار والحياة". والذهبي الفم يقول إن الدعوة السماوية وحدها غير كافية للخلاص. والقديس يوحنا الدمشقي في الإيمان الأرثوذكسي 2: 30 يقول: " اعلمْ أن الله يسبق ويعلم كل شيء وأنه لا يسبق ويحدد كل شيء. فهو يستبق ويعرف ما هو في استطاعتنا ولكنه لا يسبق ويحدده. فهو لا يشاء حدوث الشر ولا يقتسر الفضيلة. حتى إن سابق التحديد يكون تلبية أمر سبق الله وعرفه. وإنه تعالى يسبق ويحدد الأمور التي ليست في استطاعتنا. فإن الله، نظراً لمعرفته السابقة، يحدد للحال كل شيء بحسب صلاحه وعدله".

    يتبع....

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. كتاب: عظات المغبوط أوغسطينوس على فصول منتخبة من الكتاب المقدس
    بواسطة Alexius - The old account في المنتدى كتب للتحميل أو متوفرة على النت
    مشاركات: 8
    آخر مشاركة: 2011-10-14, 03:12 PM
  2. رداً على التعليم الخاطئ الذي تبثه قناة النور سات أو تيلي لومير حول <لا تقل أبانا>
    بواسطة Fadi في المنتدى اللاهوت المقارن، البدع والهرطقات
    مشاركات: 28
    آخر مشاركة: 2011-02-11, 11:14 PM
  3. لا تدعوا لكم أبا على الأرض ( رداً على المفسرين البروتستانت )
    بواسطة lowana في المنتدى اللاهوت المقارن، البدع والهرطقات
    مشاركات: 11
    آخر مشاركة: 2009-12-30, 05:54 PM
  4. مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 2008-11-23, 01:21 PM
  5. تساؤل واعتذار
    بواسطة rami shalabi في المنتدى التعارف والترحيب
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 2008-04-17, 09:36 AM

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •