مات أحد زملائي في العمل في نهاية السنة الأخيرة لعملي في مستشفى الأطفال بلوس أنجلوس. كان ذلك الطبيب قد عمل لمدة تزيد عن خمسة وعشرين عاماً في كلية الطب التي تخرجت أنا منها. وأثناء عمله كأستاذ جامعي، حظي هذا الطبيب بالاحترام والتقدير من الأطباء والمرضى – لا سيما بسبب أبحاثه وإسهاماته في الطب. ولا أبالغ إن قلت إن هذا الطبيب وصل إلى أعلى مراتب النجاح في اختصاصه، وأنه تمتع بالمكانة والمكافآت المالية التي ترافق مثل هذه الإنجازات. وبعبارة أخرى، فقد ذاق كل شيء صالح، على الأقل وفقاً لمعايير هذا العالم.

في اجتماع الموظفين الذي أعقب موت ذلك الطبيب. قام أحد الزملاء الأطباء بإلقاء كلمة قصيرة استغرقت خمس دقائق أشاد فيها بالطبيب الراحل وبإنجازاته. بعد ذلك، دعا رئيس مجلس الإدارة جميع الموظفين للوقوف دقيقة صمت تذكاراً لذلك الطبيب اللامع. إلا أنني أستطيع أن أخبركم بالأفكار التي خطرت ببالي أنا شخصياً. فقد رُحت أفكر قائلاً في نفسي:
يا رب، هل هذه هي نهاية المطاف بالنسبة للإنسان؟ فنحن نكد ونتعب لتحقيق مكانة مرموقة في الحياة ولإثارة إعجاب الناس من حولنا. كما أننا نعيش بجدية متناهية ونُبالغ في ردود أفعالنا تجاه الأحداث غير المهمة التي تجري كل يوم. وأخيراً، فإن كل هذا النجاح يتلاشى ويُصبح تاريخاً يمكن تلخيصه في خطاب تأبيني مُدته خمس دقائق وفي دقيقة صمت واحدة. يبدو أن هذا أقل مما يستحقه كل هذا الجهد.

لكني دُهشت أيضاً بعدم مبالاة زملائي الأطباء بالأسئلة التي أثارها موت زميلنا. فإلى أين ذهب ذلك الطبيب اللامع؟ وهل سيعيش مرة أخرى؟ وهل سنراه في الحياة الآخرى؟ ولماذا وُلد في الأصل؟ وهل كان الله المُحب يرى أعماله ويدونها؟ وهل ذلك الإله مهتم بي؟ وهل هناك قصد للحياة أسمى من الأبحاث والإنجازات والسيارات الباهظة الثمن؟ كان صمت هؤلاء الأطباء – البالغ عددهم 250 طبيباً وطبيبة – يشير إلى عدم قدرة الإنسان على الإجابة عن هذه الأسئلة.

وماذا عنك أنت؟ هل تعرف ما هو موقفك من هذه الأسئلة الجوهرية التي أثارها موت زميلي؟ وبعبارة أخرى، هل تمكنت من الإجابة عن هذه الأسئلة فيما يتعلق بك وبأحبائك؟ إذا كانت إجابتك هي ((لا))، فأرجو أن تتابع القراءة. فسوف نُخصص هذا الفصل الأخير للإجابة عن هذه الأسئلة وللحديث عن مغزى الحياة وقصدها النهائي.

إنه أمر مهم جداً. فما لم نعرف من نحن ولماذا نعيش على هذه الأرض، فلن نشعر بالرضا الكافي مهما حققنا من النجاح، أو الشهرة، أو المال، أو المتعة. فما لم نتمكن من رؤية ((الصورة الكبيرة)) بوضوح، سوف يبدو كل شيء تافهاً وعديم المعنى. من المهم أن نتوقف قليلاً ونفكر بهذه الامور الرئيسية أثناء شبابنا قبل أن ننشغل بضغوط العمل وشؤون العائلة. على كل شخص أن يواجه هذه الأسئلة الأزلية عاجلاً أم آجلاً.

الحياة ما هو مغزاها؟
يعترف ملايين الناس في وقتنا الحاضر أنهم لا يعرفون ما هو مغزى الحياة. وفي الحقيقة، يقول علماء الاجتماع إن البحث اليائس عن الحق الروحي هو شيء شائع الآن في جميع الثقافات. فالأشحاص الذين وُلدوا في جيل الزيادة الكبيرة في معدل المواليد في أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية، قضوا فترة شبابهم في البحث عن شيئ يؤمنون به. في السبعينيات من القرن العشرين، راح هؤلاء يبحثون عن ما أصبح يُعرف لاحقاً باسم ((اكتشاف الشخصية)). وقد أدى ذلك إلى انغماس هؤلاء في الكثير من أعمال السحر، والشعوذة، والتنجيم، والأبراج الفلكية، والتأمل، والصوفية الشرقية، والممارسات المختلفة التي تعزِّر الشخصية، بحسب ما هو مفترض.

"ما لم نتمكن من رؤية ((الصورة الكبيرة)) بوضوح، فسوف يبدو كل شيء تافهاً وعديم المعنى."

وهكذا، فقد فشل السعي وراء تحقيق الذات فشلاً ذريعاً. فقد خرج غالبية هؤلاء الأشخاص من تلك البرامج والأنشطة وهم يعانون من التشويش والإحباط أكثر من السابق. فقد بحثوا عن إجابات لأسئلة الحياة في ذواتهم فأصيبوا بخيبة أمل؛ وإليكم سبب ذلك.

عندما كنت في الرابعة من العمر، كنت أحفر في حديقة بيتنا فعثرت على بعض حبات البصل الذي كانت عمتي قد زرعتها في الربيع. وحيث إنني لم أكن أعرف ما هي، فقد بدأت بتقشيرها. وما أن أزلت الطبقة الخارجية حتى عثرت على طبقة أخرى لامعة تحتها. وعندما أزلت تلك الطبقة وجدت طبقة ثالثة. وهكذا، فقد راح حجم حبات البصل يصغر شيئاً فشيئاً مع استمراري في تقشيرها. بعد بضع دقائق، صُعقت عمتي عندما رأت بقايا بصلاتها الغالية على قلبها منثورة في أرجاء الحديقة.

إن البشر يشبهون تلك البصلات من عدة أوجه. فعندما تقوم بتقشير جميع الطبقات الواحدة تلو الأخرى، فلن يبقى هناك الكثير لتكتشفه. فلا يمكنك أبداً أن تجد المعنى الحقيقي للحياة من خلال بحثك في اهتماماتك ومشاعرك وتطلعاتك. فالإجابات التي تبحث عنها ليست موجودة فيك أنت. بل وفي حقيقة الأمر كلما ركزت على ذاتك زاد شعورك بالفراغ.

وقد تحدث المسيح عن هذا الأمر عندما قال: إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي، فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ كُلَّ يَوْمٍ، وَيَتْبَعْنِي. فَإِنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا، وَمَنْ يُهْلِكُ نَفْسَهُ مِنْ أَجْلِي فَهذَا يُخَلِّصُهَا. (لوقا 9: 23 – 24). بعبارة أخرى، فإن المغزى والهدف موجودان خارج البصلة وليس داخلها.

إذاً، أين تجد الإجابات عن الأسئلة الهامة في الحياة؟ وكيف تعرف القيم التي لا يمكن للسوس والصدأ أن يفسدها، ولا يمكن للسارقين أن يسرقوها؟ فجميعنا نواجه هذه الأسئلة. لكن كيف يمكننا أن نعثر على إجابات عنها؟

قِصر الحياة
ربما يفيدنا هنا أن نقوم بهذا التمرين الذهني الذي أسميه ((اختبار نهاية الحياة)). تخيل نفسك بعد سنوات طويلة عندما تقترب حياتك على الأرض من الانتهاء. ربما لن تشعر بالارتياح لهذه الفكرة لا سيما وأنك ما تزال شاباً في مقتبل العمر. لكن قصر الحياة هو فكرة كتابية مهمة جداً. فقد قال داود إن حياتنا هي مثل زهرة الحقل الذي يُزهر في الصباح ثم يختفي. وقد عبر موسى عن الفكرة نفسها في المزمور 90 عندما كتب يقول: إِحْصَاءَ أَيَّامِنَا هكَذَا عَلِّمْنَا فَنُؤْتَى قَلْبَ حِكْمَةٍ. (العدد 12). وهكذا، فقد حاول كُتاب الوحي أن يخبرونا أننا مُجرد عابري سبيل في هذه الحياة. فالفترة التي نعيشها على هذه الأرض هي فترة قصيرة جداً. وعلى ضوء هذا الفهم عن قِصر الحياة، فإنني أدعوك لأن تتخيل نفسك رجلاً عجوزاً، وأن تتخيّلي نفسك امرأة مُسنة. فكر في الأشياء الثمينة التي اختبرتها في السنوات السبعين أو الثمانين من حياتك. ماهي الذكريات التي تعتبرها الأغلى على قلبك في تلك الساعة الأخيرة؟

أين ستجد الإجابات عن الأسئلة الهامة في حياتك؟
قد أتمكن من المساعدة في الإجابة عن هذه الأسئلة لأني فكرت فيها كصيراً. بدأ ذلك في ملعب كرة السلة قبل بضع سنوات. كان عمري آنذاك 54 سنة وكنت أعتقد أنني أتمتع بليقاة بدنية عاليو. فقط خضعت لفحص طبي شامل أظهر أنني أتمتع بصحة ممتازة. كما أنه كان بإمكاني أن ألعب كرة السلة طوال اليوم مع شباب يصغرونني بخمسة وعشرين عاماً. لكن في ذلك الصباح، كانت هناك مفاجأة غير سارة بانتظاري.

فأثناء اللعب، شعرت بألم حاد في صدري لم أشعر بمثله يوماً. وعندئذ، اعتذرت وأخبرت اللاعبين أنني لست على ما يرام وذهبت إلى أقرب مستشفي. والمصادفة العجيبة هي أن ذلك المستشفى هو المستشفى نفسه الذي دخله والدي قبل إحدى وعشرين سنة عندما أصيب بذبحة صدرية. وهكذا، فقد بدأت هناك رحلة استغرقت عشرة أيام غيرت حياتي.

ماهي الذكريات التي تعتبرها الأغلى على قلبك في الساعة الأخيرة؟
حيث إني كنت أعتقد نفسي بحالة صحية رائعة، فقد كانت الصدمة كبيرة عندما علمت أنني قد أموت في أي لحظة. وقد احتجت لبعض الوقت لاستيعاب تلك الحقيقة. لكن بعد عشر ساعات، أكد فحص إنزيمات القلب إنني تعرضت لنوبة قلبية. وعندئذٍ، أحاطت بي الممرضات من كل جانب. وبعد بضع دقائق كانت هناك أنابيب واسلاك كثيرة موصولة بجسمي. والأسوأ من ذلك هو جهاز قياس ضغط الدم الموصول بذراعي والذي بقي يعمل تلقائياً بين الحين والآخر طوال الليل. وقد اقترحت عليّ رئيسة الممرضات أن لا أتحرك إلا في حالات الضرورة القصوى.

وبينما كنت مستلقياً في الظلام وأصغي إلى صوت ((بيب – بيب – بيب)) الصادر عن جهاز قياس ذبذبات قلبي، رُحت أفكر بصفاء في الأمور المهمة حقاً بحياتي. وكما قلت سابقاً، فإن مواجهة الموت ترغم المرء على وضع أولوياته بالترتيب الصحيح. فالأمور الساذجة والتافهة تتلاشى لتبدأ القيم الحقيقية بالظهور مثل أشعة الشمس الساطعة. في الحقيقة، كنت مستعداً لملاقاة الله إذا كانت تلك هي مشيئته. فقد عشت حياتي بطريقة تجعلني مستعداً لمثل هذه اللحظة؛ لكني لم أتوقع أنها ستأتي سريعاً.


يتبع...



المصدر: د. جيمس دوبسون، ترجمة رمزي عباد، الحياة على الحافة، (الأردن: أوفير للطباعة والنشر، 2007) ص ص 219- 224