يرد أول ذكر لكلمة أيقونة في الكتاب المقدس حينما قال الله "نصنع الإنسان علي صورتنا ((εἰκόνα))كشبهنا"(تك26:1 ) ،
فالإنسان الذي تلقي نعمة الوجود من الله و أخذ الروح القدس(القديس كيرلس الكبير في شرح اشعياء1:11) هو صورة حية لله
الممجد في ذاته المستريح في قديسيه أي الإنسان يسوع المسيح(1تي5:2)
الذي هو صورة (εἰκὼν) الله (كو15:1)
و الذي مُسح ايضا بالروح القدس و الذي يعطي كل من قبلوه مخلصا شخصيا في المعمودية ذات الروح(1).
وفي ذلك ياخذ الإنسان ككائن مخلوق المعني الليتورجي العميق لكلمة ايقونة(صورة مدشنة أي ممسوحة بالميرون) لكونه محلا وهيكلا لروح الله القدوس.
بهذا المعني العميق لكلمة ايقونة وضعت الكنيسة لنا حامل الأيقونات كإعلان حي عن يسوع المسيح واعضاء جسده القديسين.فحامل الأيقونات يصور لنا يسوع المسيح الإله المتجسد في لحظات حياته الفارقة، كما يصور ايضا قديسيه الذين عاشوا كصورته ومثاله.

ربما في الأوقات العادية من اليوم يري الناس الذين يرتادون الكنائس في الأيقونات صورا لمن تسميهم الكنيسة قديسين دون تلامس حقيقي معهم.ولكن تدب الحياة في هذه الصور مرة اخري عندما يدخلون الكنيسة أثناء الليتورجية؛ فالناس يسمعون قرآت السنكسار عن هؤلاء القديسين وتجسد ايقوناتهم قصة حياتهم التي عاشوها في المسيح وبالمسيح، في هذه الأيقونة نري تحقق وعد المسيح علي أكثر من مستوي وحسبما أعطي الروح من مواهب.من خلال الأيقونة يتحقق اشباع جزئي لرغبة كل منا في رؤية هؤلاء القديسن والحياة معهم، حينما ننظر مثلا لصورة القديسة مارينا وهي تمسك بقرني الشيطان أو أيقونات الشهداء القديسين وهم يهزمون الوحوش بضربة الحربة، نري في كل هذا تحقق وعد الرب "هَا أَنَا أُعْطِيكُمْ سُلْطَاناً لِتَدُوسُوا الْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبَ وَكُلَّ قُوَّةِ الْعَدُوِّ، وَلاَ يَضُرُّكُمْ شَيْءٌ."(لو19:10)
وحينما نري ايقونة القديسة آناسيمون وهي بين وحوش الصحراء دون أن يمسسها أذي وهي في تلك الحالة الفردوسية التي كان عليها آدم قبل السقوط.في الأيقونة نتحقق فعلا من وعود الرب إذ نراها ظاهرة في حياة قديسيه.


ولكن يحتل الرب يسوع في حامل الأيقونات المكانة الأبرز، تحقق أيقونة الرب بعض الإشباع في طلب المؤمن لعلاقة حية مع يسوع وجها لوجه خصوصا أثناء الليتورجية فبولس الرسول يتحدث عنه في رسائله،ومن عاينوه يتحدثون عنه في رسائل الكاثوليكون السبع،وأخيرا يسمع يسوع نفسه يكلمه من خلال الأنجيل في أحداث حياته تلك التي يراها المؤمن مصورة أمامه في الكنيسة، يدخل المؤمن مع الأيقونة داخل حياة يسوع شخصيا حيث يتأمل ويسمع ويطلب ويأخذ،يجلس بين الأطفال ويستمع أنتهاره للفريسين، يمشي مع بطرس علي الماء أو يجلس مع بطرس ويعقوب ويوحنا علي جبل الزيتون،يراه مصليا او راكبا علي جحش كملك في يوم انتصاره.

و الدليل علي فعل الأيقونة في المؤمنين هو عدم أهتمام المؤمن بملامح يسوع المختلفة بين الأيقونات،التي تحددها الأماكن والمدارس الفنية،بل المهم أنه هذا المرسوم هو يسوع،و إن كانت هذه الملامح له دور فعال ايضا حيث تقدم الأيقونة الرب يسوع بشكل شخصي قريب جدا من النفس،فالرب يسوع هو رب الكل، يرسمه الأفارقة ببشرة سوداء، ويرسمه الآسيويون بملامح آسيوية. يسوع هو رب الكل ويقبل الكل.

من الناحية الأخري تلعب الأيقونة دورا هاما في تاجيج الشوق للرب يسوع وللتلامس معه لا فقط علي مستوي المعاينة الروحية، فالأيقونة ثنائية الأبعاد تزيد الإنسان شوقا لا ان يري الرب يسوع مصليا او ماشيا فقط بل تزيده شوقا ان يلمسه بيديه ويدور حول يتامله من كل الجوانب(و إن كان الشوق يميل للجسديات أكثر من الروحيات) وهذا لا تعطيه الأيقونة إذ هي مازلت قاصرة؛ لانتمائها لعالم المادة.ولا يتحقق هذا فعليا إلا بالوصول لذروة الليتورجيا وهي تناول الرب يسوع المأكل الحق و المشرب الحق(يو6) و الإحساس بهذا الحضور الحي لشخص الرب في داخلنا.

ولا يخف علي القاريء الدور الذي لعبته الأيقونة في ايصال رسائل الرب بفعل معجزي للعالم،و الكنائس الارثوذكسية تشهد علي وجود الايقونات التي تقطر زيتا، أو التي من خلالها تكلم الرب مع هذا أو ذاك.
و من أشهر هذه القصص ايقونة (لا تتكلمي) (2):
توجد هذه الأيقونة في دير فاتوبيذي (دغل الفتى) في جبل آثوس، اعتنى به الإمبراطورثيودوثيوس بعد نجاة ابنه من الغرق ووجوده قرب هذا الدير بطريقة عجائبية، فبنى الكنيسة الكبرى (كنيسة البشارة) وحضر هو نفسه وبطريرك القسطنطينية لتكريس هذه الكنيسة في سنة 807 اقتربت عصابة لصوص من الجبل تنوي الدخول إلى الدير عندما يفتح أبوابه في الصباح من أجل نهب ثرواته الكثيرة والفتك برهبانه، إلا أن السيدة العذراء حارسة الجبل لم تسمح بتحقيق غاية اللصوص، ففي الغد ذهب كل من الإخوة إلى قلايته للاستراحة بعد صلاة السحر، وبقي رئيس الدير في الكنيسة، فسمع وهو يصلي صوتاً يقول له:
"لا تفتحوا اليوم أبواب الدير بل اصعدوا إلى السور واطردوا اللصوص".
فاضطرب وذهب إلى مصدر الصوت إلى أن اقترب من الأيقونة التـي كانت على الحـائط الخارجي للكنيسة، فأمعن النظر فيها فبدت له منها أعجوبة مدهشة ألا وهي أنه رأى رسم والدة الإله ورسم طفلها على يدها قد انتعشا، فبسط الطفل الإلهي يده على فم أمه وأدار وجهه إليها وقال لها : "لا يا أمي لا تقولي لهم هذا بل دعيهم يعاقبون".
ولكن والدة الإله، أعادت قولها للرئيس مرتين وهي مجتهدة في إمساك يد ابنها وربها وفي تحويل وجهها عنه إلى الجهة اليمنى.
تخشع الرئيس ونادى الرهبان وقصّ عليهم ما حدث له معيداً ما قالت والدة الإله وما قال لها ابنها الرب يسوع بسبب كسلهم وتوانيهم في الحياة الرهبانية، ولاحظ الإخوة أن رسم العذراء ورسم ابنها الإلهي وهيئة الأيقونة بشكل عام قد انقلب عكس ما كانت عليه، فعظموا والدة الإله لحمايتها لهم والرب يسوع المسيح الذي رحمهم من أجل شفاعتها وتعاهدوا على السلوك حسناً بجدّ ونشاط في حياتهم الرهبانية، وصعدوا إلى السور فدفعوا هجوم عصابة اللصوص.
بقيّ رسم والدة الإله ورسم ابنها الإلهي حتى الآن على المنظر ذاته الذي تحوّلا إليه عندما تكلّما أمام رئيس الدير أي بقيّ وجه العذراء محوّلاً إلى كتفها الأيمن ووجه طفلها متجه إليها.
تذكاراً لهذه الحادثة يشعل من ذلك الحين قنديل أمام هذه الأيقونة المقدسة وأُقيم لها كنيسة على اسمها حيث تقام كل يوم صلاة القداس الإلهي وصلاة البراكليسى.
إن لهذه الأيقونة خاصيّة تلفت الانتباه ألا وهي أن منظر وجه والدة الإله يعبّر عن المحبة والحنان ويفيض باللطف، أما وجه الطفل الإلهي فهو عابس متجهم ويلاحظ في معالمه كلها الغضب والوعيد ونظره طافح بالقسوة فيبدو وكأنه المسيح الديّان .

هذا كله و أكثر موجود في ايقونات أخري حول العالم، إلي جانب الخبرة الشخصية لكل المؤمنين مع الايقونات ،وانا واحد ممن اختبروها سواء في حياتي الشخصية أو حياة من أعرفهم.

ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــ
(1) يؤكد المؤمن ذلك بقوله اجحدك ايها الشيطان، وتلاوته لقانون الإيمان الأرثوذكسي
(2) منقولة عن
http://www.skandarassad.com/temp/icons_7.htm

وتجد الصور في هذا الرابط
http://www.elm7ba.com/vb4/thread78677.html
راجع هنا ايضا
http://www.arabchurch.com/forums/showthread.php?t=4718 0