الاختيار هذا يعني ان التقوى تكفي او العلم، ونحن نقول ان كل مسيحيّ ولا سيّما المُعلّم يحتاج الى الاثنين معا لأن هذا ما يقوله الكتاب المقدس. وما ينبغي ألاّ ننساه أن جوهر التقوى الإيمان، والإيمان له مضمون، وقد بيّن بولس الرسول هذا في اعتباره أن الإيمان مضمونه صَلْبُ المسيح وقيامته. أي ان الإيمان ليس عاطفة وشعورك بأنك تحبّ الله وتعمل لأجله. الشعور يصحب الإيمان وليس الإيمان.

والإيمان فيه كلام إلهيّ هو الوحي. لقد قال الكتاب: »آمنتُ ولذلك تكلّمتُ«. لا يمكن تعطيل العقل وتعطيل اللسان وأن ندّعي التقوى. لذلك باطل هذا التحرّك اليوم القائل يكفينا كاهنٌ تقيّ ولو علم أشياء قليلة. ماذا يفهم، اذ ذاك، ممّا يُصلّي؟ كيف يعيش الكلمات التي يُصليّها؟

أنا أَستغرب عدم الإلحاح على المعرفة عند الكاهن بعد أن عشنا مدة جهل لا تقلّ عن ألف سنة. أَستغرب هذا الاكتفاء بحُسْن السلوك. خذوا هذه القصة: قدّم مرة أهلُ بيروت للقديس يوحنا الذهبي الفم رجلاً قائلين نريده كاهنًا. سألهم القديس: ما هي مواهبه؟ أجابوا: إنه تقيّ. أجابهم: هذا شيء ينبغي أن يكون عند كل الناس بمعنى أن العلماني والإكليريكي مدعوّان الى التقوى نفسها، وبمعنى أن هناك رجلا مسؤولا عن التعليم.

اذا جاءنا غريب يسأل عن عقيدتنا ما هي، ما فيها، من الطبيعي أن يتوقع سماع الكاهن عندنا. كلّ أُمّة عندها معلّمون، ونحن الكاهن عندنا هو المعلّم الأول. ينتظر هذا الغريب أن يستمع الى الكاهن المفروض فيه أنه يعرف العقيدة جيّدا ويعرف الدفاع عنها وشغله الشاغل أن يجذب الناس اليه. واذا افترضنا أنه دعا الغرباء الى قدّاسنا لاعتباره أنه جميل، وسأله عن معنى هذه الجملة، او تلك وكان عاجزا عن الجواب، كيف يحترمنا هذا الغريب؟
أعرف أنّ هناك أسئلة صعبة تتجاوز التعليم العاديّ الذي أخذه هذا الكاهن. هذا من باب الاختصاص. له عند ذاك، أن يسأل زميلاً له أو أستاذ لاهوت. ولكن ألاّ يعرف الأساسيات فهذا مرفوض كليّا.

ولكن أن تحصر المعرفة بالمطران فمن أين تأتي به في كل مناسبة؟ العارف هو الموجود في المحلّ لئلا يثبت علينا أننا قوم نحبّ الترتيل فقط، وأننا كنيسة ليس فيها تجديد ولا فكر، وأنها مجرّد متحف، وهذه تهمة شائعة عند أهل الغرب القائلين ان الكنيسة الأرثوذكسية كنيسة الجمال ولكن ليس عندها فكر، اذ قلّما وجدنا فيها من يُجيبنا عن سؤال.

من الواضح أن ما قصدتُه أن طهارة السلوك هي أهم شيء عند أيّ منّا ولا سيّما عند المسؤولين، ولكن الإنجيل هو ما يُعطى للناس، وتاليًا تكون التقوى والعلم متماسكان، مترافقان ليتمجّد اللهُ بمن يحملهما معا.

المطران جورج خضر