أين وكيف نتعلِّم التوبة المقدَّسة

يُمكننا أن نتعلَّم كيف يكون مزاج النفس القويم على يدٍ قديرة إن جاز التعبير أي حينما نجد مرشداً روحياً متواضعاً للغاية الّذي يحمل في نفسه روح الانسحاق والتوبة تلك والّذي يجب علينا أن نتقبَّل منه تلك الأنَّات الخلاصية العميقة والمحييَّة لنفسنا المسكينة الساقطة في الخطايا والاتكال المبتهج على الرحمة الإلهية بالإضافة إلى ذلك كلِّه .

لكنَّنا إذا حدث ولم نلتقِ بمرشدٍ روحي كهذا يمكن لنا -ولكن الأمر يصبح حينها أكثر صعوبةً - أن نتعلَّم تلك الروح من خلال قراءتنا لكتابات آباء الكنيسة بتمعُّن ونجتهد في أن نتقبَّل منهم علم التأمل الذاتي المتواضع ذاك علم عدم الثقة التامة بأنفسِنا في كلِّ ما نفعل والتعامل بانتباه مع تحرُّكات نفسنا الداخلية وكذلك الأمر مع جميع مشاعرنا ويجب أن نكون في حالة توبةٍ دائمة في أنفُسِنا في حالةِ بكاءٍ داخلي على أنفسنا في حالة الشعور بعدم استحقاقنا في حالة نعي فيها مدى ابتعادنا عن الله وتغرُّبنا على هذه الأرض .

ولذلك من المفيد أن نقرأ كتابات الآباء الأقدمين . تعدُّ الأمثلة من سير حياة الرهبان النساك ذو عبرة بشكلٍ خاص الّذين كانوا يجتهدون في السعي للحصول على دموع التوبة والوداعة . وكثيراً ما يُحكى في تعاليم يوحنَّا السُلُّمي البار رئيس دير سيناء حول كيف أنَّه تتستَّر تحت ستر الفضائل أهواءٌ سرِّية . كما يُعطى الإرشاد القويم في طريق التوبة من خلال تعاليم الأنبا دوروثيوس وتعاليم القدِّيسين بارسانوفيوس الكبير ويوحنَّا النبي . إنَّنا لنقع على نصائح مهمَّةٍ للغاية عند الآباء الّذين هم من القرون التالية لآباء الكنيسة الأولى ويُعدُّ كتاب " الحرب اللا مرئية " للقدِّيس نيقوديموس الآثوسي مفيداً بشكل خاص كما تعدُّ رسائل الأسقف ثيوفانُس السجين الرائعة متاحة بين أيدينا كما تتميَّز تعاليم ورسائل وطريقة حياة آباء الأزمنة اللاحقة ، حياة الرهبان الّذين عاشوا خلال النصف الثاني من القرن الماضي وخلال النصف الأول من قرننا الحالي ، والّذين احتملوا كروباً واضطهاداً لا يوصف بروح التوبة في طيَّاتها . لكن بالمقابل يتوافق التعليم المفصل الموجود في كتب الأسقف القدِّيس إغناطيوس بريانشانينوف الروسي حول التوبة ومكر الأرواح الشرِّيرة والافتتان الروحي وغدر الأهواء بشكلٍ خاص مع الحياة الروحية لزمننا الأخير الشديد إنَّه زمنٌ شديدٌ سواء من حيث الروح أو من حيث الإتاحة أو من حيث الجمال والقوة التي يتصف بها . وكأنَّ هذا التعليم قد خلط في مضمونه تعاليم كلِّ آباء الكنيسة القدِّيسين مفسَّرةً ومقدَّمة بشكلٍ يتناسب مع تطبيقها على مشاكل زمننا الأخير هذا .

وسنورد هنا بعض المقاطع من كتب هذا الأب الكنسي الّتي لها علاقة بموضوعنا والأمور التالية بالذات : كيفية اكتشاف الطريق الخلاصي وكيفية تمييز حالة الشعور بالله الحقيقية من حالة الشعور الكاذبة به ، وحالة الافتنان الروحي وكيفية حفظ الذات من إغواءات الشرير المغرية ؟

إنَّنا لَنجد أجوبةً واضحةً ومحدَّدة على هذه الأسئلة لدى سيدنا إغناطيوس.

" أسمع أيُّها الأخ الحبيب أسمع بما يختلف فعل الافتنان الروحي من فعل النعمة الإلهيَّة ! عند إقباله نحو الإنسان فإنَّ الافتنان الروحي لا يُقبل نحو الإنسان كسيِّدٍ مطلق بل كشخصٍ يغري الّذي يبحث عن موافقة الإنسان سواء أكان عن طريق فكرةٍ ما أم أمنيةٍ ما أم عن طريقِ رأيٍّ رفيع أو عن طريقِ ظاهرةٍ ما تراها العين الشعورية أو عن طريق صوتٍ آتٍ من الأصوات التي تحت السماء يُسمع بالأذن الشعورية وبموافقة الإنسان يحصل هذا الافتنان على سلطانٍ عليه . ويأتي فعل الافتنان الروحي من خارج الإنسان دوماً سواء أكان ذلك الفعل يؤثر في باطن أو خارج نفس الإنسان ولذلك فبإمكان الإنسان أن يرفضه . يُقبل الافتنان الروحي دوماً بشكٍّ معيِّنٍ في القلب . ولا يشكُّ به أولئك الّذين قد سيطر عليهم الافتنان بشكلٍ قوي . إنَّ الافتنان الروحي أبداً لا يوحِّد الإنسان المنقسم على ذاته من جراء الخطيئة ، إنَّه لا يوقف جريان الدم في الإنسان ولا يرشد المجاهد نحو التوبة ولا تجعله صغيراً في عينيه ، بل إنَّه على عكس ذلك يوقظ فيه روح التمني ويثير جريان دمه ويجلب له لذةً ما سامَّةً ، لا طعمَ لها ، ويغويه بخفَّةٍ غير ملموسة ويملي عليه بمحبة الذات ويسكِن في نفسه صنم " الأنا "

أما فعل النعمة الإلهية فغير ملموس : إنَّه لا يُرى ولا يُسمع ولا يُنتظر ولا يمكن أن يتمَّ تقديمه ، إنَّه فعل لا يُفسَّر ولا يمكن مقارنته بأيِّ أمرٍ من أمور هذا الدهر ، بل إنَّه يأتي ويعمل بشكلٍ سري . في البداية يكشف فعل النعمة الإلهية أمام الإنسان خطيئته ويُضخِّمُها في عينيه ويقود نفسه إلى إدانة الذات ويظهر لها سقطتنا وهوة الهلاك تلك المظلمة العميقة والرهيبة ، التي سقط بها جنسنا البشري عن طريق معصية جدِّنا آدم رويداً ، رويداً ومن بعده ." ( الفصل 9 الجزء الثاني صفحة 319 ) ( تم التأشير إلى الأدب المستخدم في هذا الكتاب في الصفحة الأخيرة منه ).

" تُعلن الحقيقة المقدَّسة على قلب الإنسان في وضوحٍ وصمتٍ وراحةٍ وسلامٍ واستعدادٍ للتوبة وللتغلغل إلى أعماق الذات وجاهزيةٍ لعدم الثقة بالذات والرجاء المتوكل على الله . أمَّا الكذبة فبالرغم من انتحالها قناع الخير فإنها تُعرف من خلال الإحباط والظلام والغموض والتغيُّر والتضليل والتصوُّرات التي تثيرها في الإنسان وإلا فإنَّ الكذبة تفتن القلب فقط حيث أنَّها تقدِّم له المتعة مغريةً إياه جاعلةً الإنسان يشعر برضا ذاتي معطية الإنسان لذَّة غير واضحة وغامضة . كما تشبه لذة القلب المفتون هذه الهدوء الكاذب الّذي يحوم فوق سطح بئرٍ عميقة ومظلمة والّتي تعدُّ مسكناً للوحوش ....
" إنَّ ذهن الإنسان ليس بحالةٍ تسمح له بالتمييز بين الخير والشر ولذلك فالشر المقنع غالباً ما يخدعه بسهولة . وهذا من الطبيعي جداً : لأنَّ ذهن الإنسان ما يزال شاباً أما أولئك الّذين يحاربونه فهم أفكارٌ شرِّيرةٌ ولديها خبرة ما يناهز سبعة آلاف سنة في الحرب والخداع واصطياد النفوس البشرية . إنَّ القلب هو من دُعيَ لمعرفة الخير والشر فهذه هي مهمته . ولكن ثمة هنالك حاجةٌ للوقت وحاجةٌ لكي يثبت القلب في الوصايا الإنجيليَّة لكي يكسب القلب ذوقاً رفيعاً يميِّز به الخمر الحقيقي عن الخمر المزيَّف .... وإنَّه حتى يتعود القلب على تمييز الخير والشر تعدُّ نصيحة أحد المقرَّبين المتربين في الكنيسة الشرقية – الكنيسة المقدَّسة والحقيقية الوحيدة -مفيدةً ، والّذي يبحث عن الحرية المغبوطة والمتواجد في طاعتها وأحضانها ..... إنَّه خارج الطاعة الغير المنحرفة للكنيسة لا وجود لا للتواضع ولا للذهن الروحي الحقيقيين ، فهناك تكون المنطقة الواسعة ومملكة النفاق مع الإغواء الذاتي المكتسب من خلاله ...." ( الفصل 9 الجزء الرابع الرسالة 11 ).

" ينحدر الغواص إلى أعماق البحر العميق لكي يجد اللؤلؤة الثمينة ، وكذلك أيضاً قد تغرَّبوا في عمق البراري حيثما كانوا يتأملون في أعماق ذواتهم فيجدون لآلئ روحيَّة مختلفة لا تُقدَّرُ بثمن من : اقتداءٍ بالمسيح وتواضعٍ وبساطةٍ شبابيَّة وليونة ونزاهةٍ تشبه نزاهة الملائكة وذهنٍ روحي مفعم بالحكمة أو بعبارةٍ أخرى عثروا على الإنجيل . قال أحد الرهبان المطيعين للقدِّيس سوسوي الكبير : " إنَّني أذكر الله دائماً ! " فأجابه سوسوي البار :" إنَّ ذلك ليس عملاً عظيماً ، وإنَّما سيكون كذلك حينما ترى نفسك أحقر من أيَّ مخلوق آخر."

إنَّ العمل المتسامي هو عندما يتمُّ ذكر الله بشكلٍ مستمرٍّ غير منقطع ! ولكنَّ هذا العلوَّ هو بالعٌ في الخطورة ما لم يرتكز السُلُّم الّذي نتوجه نحوه على صخرة التواضع الصلبة .

أنظروا كيف يؤيد الكتاب المقدَّس الآباء القدِّيسين ! يقول الكتاب : " لأَنَّكَ لاَ تُسَرُّ بِذَبِيحَةٍ وَإِلاَّ فَكُنْتُ أُقَدِّمُهَا. بِمُحْرَقَةٍ لاَ تَرْضَى. ذَبَائِحُ اللهِ هِيَ رُوحٌ مُنْكَسِرَةٌ. الْقَلْبُ الْمُنْكَسِرُ وَالْمُنْسَحِقُ يَا اَللهُ لاَ تَحْتَقِرُهُ." ( المزمور 51: 16-17 ) . يجب على ذبائح ومحرقات الإنسان أن ترتكز على الشعور بالفقر الروحي وعلى الشعور بالتوبة ، فبدونهما يرفض الله تلك الذبائح والمحرقات .

أظنُّ بأنَّه لا أحد قد توغل في الإنجيل هكذا بقدر ما فعل ذلك الآباء القدِّيسون النسَّاك : فإنَّهم قد اجتهدوا على تحقيق الإنجيل في حياتهم ذاتها بوساطة أفكارهم وأحاسيسهم ذاتها . لقد كان تواضعهم الكبير سمتهم المميزة وكان سقوط الإنسان موضوع تفكيرهم المتواصل ، وأما شغلهم الشاغل فكان البكاء على خطاياهم .

وأما مجاهدو وكتَّاب الكنيسة الغربية فقد سلكوا اتجاهاً آخر في مسعاهم بعد انفصالها عن الكنيسة الشرقية وسقوطها في ظلمة البدع المميتة ... إنَّهم يطيرون مباشرةً ويدخلون قرَّاءهم إلى علوٍّ لا يستطيع المؤمن المبتدئ أن يدنو منه فيرتفعون ويرتفعون ... إنَّ الخيال المستثار ينيب عن كلِّ شيءٍ روحي عندهم ، والّذي ليس لديهم أدنى فكرة عنه . لقد أعتُرِفَ بهذا الخيال عندهم على أنَّه نعمةٌ إلهية .

أمَّا آباء الكنيسة الشرقية القدِّيسين لا يأتون بقارئهم إلى أحضان المحبة ولا إلى سموِّ الرؤى بل إنَّهم يأتون به إلى معاينة خطيئة سقوطه الخاصة وإلى الاعتراف قدَّام الفادي والبكاء على نفسه قدَّام رحمة الخالق . إنَّهم يُعلِّموننا أولاً على أن نكبح ميول جسدنا النجسة وجعله خفيفاً وصالحاً للعمل الروحي ، ومن بعد ذلك يتجهون نحو الذهن فيصلحون طريقة تفكيره وعقليته مطهِّرين إيَّاه من الأفكار الّتي قد تبنيناها عند سقوطنا حيث يستبدلونها بأفكار الطبيعة البشرِّية الحيَّة المتجددة والمرسومة في الإنجيل . ويعتني الآباء القدِّيسون بالإضافة إلى تقويم الذهن بتقويم القلب أيضاً وذلك بتغيير عاداته وأحاسيسه . إنَّ تطهير القلب هي عملية أصعب من تطهير الذهن : فبعد اقتناعه بصحَّة الفكرة الجديدة يرفض الذهن الفكرة القديمة بسهولةٍ ، ولكن استبدال عادةٍ ما بعادةٍ أخرى وسمةً ما بسمةٍ أخرى أو إحساساً ما بإحساسٍ آخر مغاير له فإنَّ ذلك يُعدُّ جهداً وعملاً شاقاً متواصلاً وعراكاً عسيراً . وإنَّ هذا العراك هو عراكٌ قاسي فعنه يقول الآباء القدِّيسون : " اسفك دماً فتحصد روحاً ." ومعنى ذلك أنه يجب علينا أن نميت جميع أهواء جسدنا وعروقنا الخاطئة وجميع تحرُّكات ذهننا وقلبنا الّتي لها علاقة بجسدنا وعروقنا . يجب علينا أن نُخضع جسدنا وذهننا وقلبنا معاً تحت إرشاد الروح . يُحرِّك الدم والأعصاب من قبل أهواءٍ كثيرةٍ منها : الغضب وحب المال وإرضاء الشهوات وحب المجد الذاتي . إنَّ إرضاء الشهوات وحب المجد الذاتي كلتاهما يثيران عروق المجاهدين الّذين لا يُجاهدون بحسب القواعد بشكلٍ غير اعتيادي حيث أنَّهما يحولانهم إلى أناسٍ متعصِّبين . فيسعى حب المجد الذاتي بالإنسان مسبقاً إلى أحوال روحيَّة ليس بوسع الإنسان أن يتأقلم معها بسبب نجاسته وبما أنَّه لا يستطيع أن يتوَّصل إليها فهو يؤلف لنفسه أمنياتٍ حولها . وأمَّا إرضاء الشهوات المدموج مع فعل حب المجد الذاتي في الإنسان يعطي القلب تعزية ولذَّةً ومخدِّراتٍ كاذبة ومغرية . تُدعى هذه الحالة بحالة الافتنان الذاتي . وإنَّ جميع من يجاهدون ليس بحسب القواعد يقعون فيها ....

إنَّه لدى آباء الكنيسة الشرقية القدِّيسين لا يُلاحظ أبداً غليان الدم في عروقهم . إنَّهم لا يقعون أبداً في انفعالاتٍ الّتي كونها أُثيرت من الدم كثيراً ما كان يطلب في الغرب سفك الدم . فتُنسِّم من مؤلفاتهم تضحيةُ الذات وتفوح رائحة الروح القدُس الطيبة الّتي تُميت الأهواء ..." ( الفصل التاسع الجزء الرابع الرسالة 44 ).

ويشهد لنا السيِّد إغناطيوس بريانشانينوف الروسي بأنَّه من الافتنان الروحي والجشع ( الرأي الشخصي ) قد ظهرت بدع مهلكة وانشقاقات وإلحاد وكفران . إنَّ من أتعس أعقاب الافتنان الروحي المنظورة هو الفعل الشرِّير الضار والمِعوج أي الشر الّذي بالرغم من وضوحه واتساعه فإنَّه قليلاً ما يُلاحظ وقليلاً ما يُفهم . ويُحدث مع مثل هؤلاء الناس المفتونين مصائب هي واضحةٌ للجميع ومؤسفة جداً .