هل يخاف المسيحيون الغيورون من الجحيم؟

إن اختار المسيحي مسلكاً خاطئاً لحياته الداخلية الروحية ، غير مبنيٍّ على التوبة الحقيقية بل على كبرياءٍ خفيةٍ ما وعلى أهواءٍ أخرى معها فإنَّه قلَّما ما يستطيع أن يلاحظ ذلك بنفسه . إنَّ جميع أعراض هذا المرض يمكن أن تكون مخفيةً بشكلٍ عميقٍ إلى حدِّ أنه فقط الأب الروحي الخبير هو من يمكنه اكتشافها . يجب علينا أن ننوه بأنه في هذه الحالة يلاحظ الناس المحيطون بإنسانٍ مفتونٍ روحياً كهذا شيئاً معلولاً فيه أبكر مما يكتشفه هو ولذلك علينا عندما يوبِّخوننا أن نتفكَّر دائماً وأن نقدِّر في كثيرٍ من الأحيان ونبحث عن أسباب هذا التوبيخ في أنفسنا – فإنه من الممكن جداً ألا يكون هذا التوبيخ قد حصل بمجرد المصادفة .

يا لكثرة عدد الأحيان التي يحاول فيها العدو أن يخدعنا فيها أثناء صراعنا الروحي ! يخبرنا الآباء القدِّيسون بأنَّ الأرواح الشريرة تستعمل حيلاً كهذه أيضاً : إنهم يخفون الأسلحة التي كانوا يشعلون بها أهواءَنا وكأنَّ بهم قد حادوا عن الإنسان . وهكذا يهدأ الصراع وتغدو العلل النفسية غير ملاحظةً أبداً . ولكن عندما يرتخي الإنسان ويحسب نفسه في مأمن عندها بالذات يضرب العدو سهمه السام في أكثر مناطق النفس البشرية حساسيةً مشعلاً فيها الأهواء الأكثر لهيباً والمخفية فيها ، التي قد استجمعت قوىً جديدةً والرامية إلى إشباع نفسها . حينئذٍ ذاك الإنسان المسكين لا يستطيع احتمال ثوران قوةً مظلمةً كهذه المفاجئ في نفسه ويسقط بسهولة .

لكنَّ الأرواح الشريرة تعرف خبثاً آخر أيضاً : إنها تستطيع أن تتركنا لفترة طويلةً تاركةً وراءها ظاهرياً المزاج النفسي الأكثر نعمةً والأكثر خلاصيةً حتى وكأنه لدى النفس غيرةٌ للأعمال الصالحة والسواعي المقدَّسة ، وغيرةً حارةً تجاه الصلاة والصوم والسهر ورغبةً مقشعرةً في أداء أعمال الرحمة ومحبة جميع الناس ومساعدة الفقراء وإنقاذ المساكين ومقدرةٌ على الصبر لكي تُحتمل أحياناً التعييرات والبصاق ورغبةً في التكلم باحتقارٍ عن الذات وأموراً أخرى . إنَّ كلَّ ذلك ليس أنه يجري في الإنسان بدون مقاومة الشياطين فحسب بل حتى إنَّ الشياطين يشعلون ويشجعون دون أن يُلاحظوا على هكذا تحرُّكاتٍ ومزاجٍ للنفس – ولكن مع كل ذلك تتلامس الأرواح الشريرة مع حبنا لمجدنا الذاتي مستمرِّين في تبخير بخورهم في أعماق قلبنا أمام صنم كبريائنا الذاتية . يبدو وكأن الأبالسة قد انسحبوا ولكنهم يتتبعون بانتباه ألا ينطفئ وميض الكبرياء الصغير ذاك الموجود في نفسنا . وها أنَّ الإنسان يعيش بشكلٍ رائع – إنه غيورٍ ومتواضعٌ وصدِّيقٌ ورحيمٌ ، عديمُ القنية وكأنه يستطيع تنفيذ كلَّ شيءٍ حتى انَّه يحزن على خطاياه أحياناً وأحياناً يحتمل بألمٍ أحد أخطائه الصغيرة ويشعر بالعطش للطهارة والكمال ، يحتمل الحزن ويكسب فضائل تدعو للاستحقاقٍ تام في الظاهر ولكن رغم ذلك كلِّه فإنَّ مبخرة الإله الآخر – إله صنم " الأنا " – لا يكفُّ عن التبخير في أعماق قلبه ويصبح أكثر كثافةً بعد كلِّ جهادٍ ويغذي كبرياءنا بعد كلِّ عملٍ " صالحٍ ".

كيف نتجنب هذا الشرَّ؟ يجتهد شيطان الكبرياء أن يضع تحت كلِّ مشروعٍ جاهلٍ لنا برغم كونه يبدو صالحاً في الظاهر مبخرته ، إنَّ المسيحي الّذي لا خبرة له لا يستطيع أن يميِّز دوماً بشكلٍ جيد على أي أساسٍ هو مستندٌ في بداية عمله ذاتها ومن أية مصدر تمتص شراباً جذر شجرة جهاده ومن في الواقع يثير ويسرق أتعابه تلك. إنَّ المسألة تكمن في أنَّه يجب أن يستند الخير الحقيقي الكامن فينا على الوصايا الإنجيلية فقط وأن يُفعل فقط من جرَّاء الخوف أو الطاعة أو المحبة تجاه الله ( وذلك تبعاً للارتقاء الروحي لحياتنا ) ولا يجوز في أية حال أن يُفعل من أجل شيءٍ آخر، ليس من أجل الجهاد ذاته أو " الروحانية " أو خيراً مفصولاً عن الإنجيل أو " أخلاقٍ " أو " قداسةٍ " أو حتى " الكمال " وفضائل أخرى عظيمة الّتي تُفهم تجريدياً بل يجب علينا أن نقوم بأعمالنا هكذا بحيث نقوم بتنفيذ مشيئة الله حيث يكون لنا هدفٌ واحدٌ فقط وهو أن نرضي الله . مهما فعل الإنسان من خيرٍ فإنه لا يستطيع أن يترجى شيئاً من جراء ذلك بل يجب عليه أن يقول دائماً :" إنَّني عبدٌ بطالٌ لأنَّني قد فعلت ما كان عليَّ فعله ( لوقا17: 10 ) ، وقد قمنا بذلك بضعفٍ وبعدمِ مبالاةٍ ." إنَّ الوصايا الإلهية هي بهذا القدر من اللانهاية عميقة بحيث أنَّ إتمامها بشكلٍ كامل من الغير المستطاع على أيِّ واحدٍ منا . بل إنه بقدر ما يجتهد أحدنا في تنفيذها بقدر ما سيعاين ضعفه وعدم كماله وخلل الخطيئة الّذي فيه وبعده عن الله : إنه بعد أن يعرف ذلك فلن يتبقى له سوى أن يتواضع إلى ما لا نهاية وأن يوبِّخ نفسه إلى أن يقول على مثال بولس الرَّسول :" أنا الأول من بين الخطأة ." ( 1تيموثاوس1: 15 ) ولا يتبقى لديه شيءٌ سوى الاتكال على رحمة الله حيث أنه لا يرى أية استحقاقاتٍ في نفسه .

لا يحدث هكذا حينما لا يكون اللا محدود بل المحدود والدنيوي هو المقياس بالنسبة لأعمال الإنسان ، فإنه حينئذٍ يضع قيمةً حتى على أعماله ، إنه يقيس ثقلها ومعناها . حينها بالذات تتولد الغيرة المرضية والحزن الّذي لا يهدأ من أجل خطواتنا الصغيرة حتى – وذلك خوفاً منألا نخسر شيئاً من ثروتنا . إنه في هكذا اتكالٍ على جهوده الخاصة يغدو الإنسان غنياً في نظره جامعاً ومكدِّساً الخيرات بجدٍّ مع كلِّ سعيٍّ له إنه يجتذب حتى أصغر عمل صالح إلى ذخيرته بدلاً من أن يجتذب الفقر الموصى لنا به . ( كي نعترف بأنَّنا فقراء تماماً بالروح
أما إذا كان مسيحيٌّ " غيُّورٌ " كهذا ، الّذي يدعو نفسه خاطئاً وإنه على أية حالٍ مقتنعٌ بثباتٍ أنه لن يتمكن من الوقوع في ظلمات الجحيم ، لأنه ممتلكٌ أعمالاً صالحةً كثيرةً بهذا القدر ، فإنَّ استعداداً قلبياً مثل هذا يعدُّ كارثةً بالنسبة له !

وبالطبع فإنَّ أعمالاً مكتفيةً بذاتها كهذه لا تتضمن في حدِّ ذاتها ذلك العمق الّذي تتطلبه الأعمال المكرَّسة لله ، إنها وكأنَّها قد زُرِعت في تربة ضحلةٍ لا توجد لها جذورٌ في عمق الإيمان الحقيقي ، بل إنَّ جذورها منتشرةٌ على السطح وترتشف من المياه العكرة للأهواء المختلفة . وهكذا لكي نعرف على ماذا يرتكز جهادٌ مثل هذا ، يتوجب علينا ألا نراقب جهاداته الخارجية بل رقابته الذاتية الداخلية : هل يظنُّ الإنسان نفسه خاطئاً وضعيفاً وغيرَ مستحقٍّ بالحقيقة – ليس فقط بالكلام ولا حتى في ذهنه ولا في شعوره السطحي بل في أعماق ق
لبه هل أنه يتحسَّر على نفسه هناك ويؤنِّب نفسه أم أنه ينتصب هناك احتفال الظافر والاعتراف المفرح بالأهمية والإرضاء الخاص لله؟ يُعرف من ذلك جيِّداً هل أنَّ إنساناً كهذا يعدُّ نفسه هالكاً ومستحقاً بالكلية للجحيم ومهدداً بالخطر الحقيقي أن يُقضى عليه بالعذاب الأبدي وأنه من الممكن أن يُخلَّص فقط برحمةٍ من الله ، وليس بفضل فضائل ما له ، وأنه بحاجةٍ إلى صلوات الكثيرين ، وأما أعماله وصلواته الخاصة فليست بكافيةٍ أبداً لخلاصه .أما إذا كان مسيحيٌّ " غيُّورٌ " كهذا ، الّذي يدعو نفسه خاطئاً وإنه على أية حالٍ مقتنعٌ بثباتٍ أنه لن يتمكن من الوقوع في ظلمات الجحيم ، لأنه ممتلكٌ أعمالاً صالحةً كثيرةً بهذا القدر ، فإنَّ استعداداً قلبياً مثل هذا يعدُّ كارثةً بالنسبة له ! يعطينا الآباء القدِّيسون الّذين وهم بعد على هذه الأرض قد توصلوا إلى الحالة الملائكية مثالاً مغايراً تماماً وقد كان بإمكانهم أن يصنعوا معجزاتٍ بديعةٍ وامتلكوا موهبة التمييز وكانت لديهم رؤى وإعلانات من الله ، وأما عند مماتهم فقد كانوا يبكون على أنفسهم دون توقف وكانوا يظنون مقتنعين بأنه قد حُكم عليهم بالجحيم .

"عندما اقتربت نهاية الأنبا أغاثون ، قال له الإخوة الّذين لاحظوا الخوف المعتري وجهه :" يا أبتاه ! أيُعقل أن تخاف أنت أيضاً؟" فأجابهم:" بالرغم من أنَّني قد اجتهدتُ بكامل قوايَّ في تنفيذ الوصايا الإلهية ، إلا أنَّني إنسانٌ ولست أعلم إذا كانت أعمالي مرضية لله ." فقال له الإخوة:" أوَ لست متيقناًً بعد بأنَّ أعمالك مرضية لله؟" فقال الشيخ:" من المستحيل أن أتيقَّن من ذلك قبل أن أقف أمام حضرة الله لأنَّ حكم الله واحدٌ وأما حكم البشر فآخر ." ( 11 المجلد 49 ص25 ).

"عندما حانت نهاية الأنبا أرسانيوس رأى الإخوة الّذين كانوا عنده أنه يبكي ، فقالوا له:" يا أبتاه! أيُعقل أنك أنت خائفٌ أيضاً؟" أما هو فأجاب:" إنَّني خائفٌ! فالخوف الّذي اختبره في هذه الساعة كان كامناً فيَّ منذ أن أصبحت راهباً ." ( 11 المجلد 42 ص16 ).

" كان بيمُن الكبير يقول لإخوته :" أؤكِّد لكم يا إخوة بأنه حيثما سيُلقى بالشيطان سيُلقى بي أيضاً ." ( 11 المجلد 302 ص21 ).

" لقد كرَّس سلوان الشيخ سنين عديدةً من حياته لأتعابٍ جهاديةٍ عاليةٍ فقد احتمل صراعاتٍ معذِّبةً جدَّاً ضدَّ الشياطين . هكذا في إحدى الليالي أثناء قانون صلاة الشيخ ضايقته الأرواح الشريرة بشدَّةٍ ولم تدعه يصلِّي بطهارةٍ . فصرخ الشيخ بحزنٍ وتألمٍ نحو الرَّبِّ سائلاً إيَّاهُ أن يُعلِّمه كيف يصلي وما الّذي يجب عليه صنعه لكيلا تضايقه الشياطين . فسمع جواباً في نفسه:" إنَّ المتكبِّرين دائماً يُعانون هكذا من الشياطين ." " يا ربُّ – قال له الشيخ – علِّمني ما الّذي أفعله حتى تتَّضع نفسي ؟" فسمع في قلبه جواباً من قبل الله من جديد:" ابقِ ذهنَكَ في الجحيم ولا تيأس ." بعدئذٍ فهم سلوان الشيخ بأنَّ الجهاد بأكمله يجب أن يتمَّ توجيهه نحو اكتساب التواضع . ومنذ ذلك اليوم أصبحت الكلمات التالية " ترنيمته المفضَّلة " :" إنَّني قريباً سأموت وستنزل نفسي المسكينة المتلطخة بالخطايا إلى الجحيم الأسود والضيق . وهناك سأتعذَّب وحيداً في اللهيب المظلم وسأنوح من أجل الرَّبِّ :" أين أنت يا نورَ نفسي ؟ لمَ تركتني؟ لا يمكنني أن أحيا من دونك ." ( الأرشمندريت صفرونيوس ( ساخاروف ) سلوان الشيخ سيرته وعظاته م. – مينسك 1991م ص40-41 ).

" ويروي يوحنَّا السُّلُّمي بأنَّ أحد الرهبان كثيراً ما كان يقع في غيبوبةٍ من جراء تفكيره في الموت – وكأنه كان يُغمى عليه أو يُضرب من نوبة صرعٍ وكان الإخوة المتواجدون عنده يُخرجونه بالكاد عديم النسمة ." ( المقالة الرابعة 6، 17 ).

" وفي تثبيتنا في الفكر ، وأنه يجب علينا أن نتواجد دائماً في حالة توبةٍ وتخشُّعٍ يروي ذلك الأب ذاته إعلاناً رهيباً كهذا :" عاش في تلك الأمكنة أحد الناس اسمه استفانوس الّذي كان محباً لحياة البريةِ والسكينة وقد أمضى سنواتٍ عديدةٍ في جهاداتٍ تقشُّفيةٍ واستنار بفضائل مختلفةٍ وقد كان متحلِّلاً بالصوم والدموع بخاصةٍ . وكان هذا الأب يتغرَّبُ إلى مساكن النساك لكي يخوض الجهاد والتوبة الأكثر صرامةً ، وكان يسكن هناك لبضع سنواتٍ في البرية العديمة النسمة . وإنَّه قبل نهايته عاد إلى قلايته . فوقع هناك في غيبوبةٍ قبل يومٍ من مماته ، وكان يتفرَّسُ بعيونٍ مفتوحةٍ حول سريره تارةٍ لليمين وتارةٍ للشمال وكأنه كان معذَّباً من قبل أحدٍ ما وكان يقول بصوتٍ مرتفعٍ أمام جميع الحاضرين من حينٍ لآخر :" أجل بالحقيقة هو كذلك ، ولكنَّني قد صمتُ من أجل ذلك قبل كذا سنين ." وأحياناً كان يقول:" لا لم افعل ذلك أنتم تكذبون ." وبعد ذلك كان يقول:" هذا صحيح بالحقيقة هو كذلك ولكنَّني بكيت وكنت أخدم الإخوة " وأحياناً أخرى كان يعترض:" لا إنكم تفترون عليَّ ." وكان يجيب على أشياء أخرى:" وهو كذلك بالحقيقة هو كذلك ولا أدري ما الّذي أقوله عن هذا ، ولكن لدى الله رحمةٌ." حقاً إنه كان مشهدٌ مخيفٌ ورهيبٌ هذا العذاب اللا مرئي والعديم الشفقة يقول القدِّيس يوحنَّا السُّلُّمي وكان الأمر الأكثر رعباً أنه كان يُتَّهم في أشياءٍ لم يقترفها . يا للأسف ! كان الناسك القابع في السكينة يقول عن بعض خطاياه:" لا أعرف حتى ماذا أجيب عن هذا ." بالرغم من كونه قد عاش في الرهبنة لأكثر من أربعين سنةً وكانت لديه موهبة البكاء . يا للأسف ! أين كان حينئذٍ قول حزقيال النبي ليقول للمعذِّبين :" بحسب مسالكك وبحسب أعمالك أُدينُك ، يقول الرَّبُّ الإله ." لم يستطع الناسك أن يقول شيئاً من هذا القبيل . لماذا؟ المجد للعالم الوحيد . وكان بعضهم يقول بأنه كان يطعم الأسد بيديه في البرية . وريثما كان هذا العذاب مستمرَّاً انفصلت نفسه عن جسده : وقد كان من المجهول ما كان قرار ونهاية هذا القضاء وما الّذي كان حكمه ." ( المقالة الرابعة 7 ص50 ).

يروي الآباء القدِّيسون الرواية التالية أيضاً:" ذهب أحد الآباء الخبراء إلى إحدى المدن ، حينما كان يُحتضر هنالك راهبٌ مكرَّمٌ من قبل الجميع . كان جميع سكَّان المدينة يُكرِّمونه كشيخٍ قدِّيسٍ ويمجدُّونه جدَّاً وينوحون على موته ويُعدُّون ذلك خسارةً كبيرةً بالنسبة لهم ، وكان الكثيرون يترجون أن يُخلَّصوا بصلواته من شتى أنواع التجارب . وقد كان الراهب المرتحل الخبير حاضراً في هذه المناسبة فكُشفت له رؤيا رهيبة : لقد رأى كيف ظهر أحباشٌ مرعبون وفي يديهم مناشير ، وانتشر صوتٌ من العلوِّ يقول :" لا تتركوه يستريح لأنه لم يتركني أستريح ولو لساعةٍ." فطعن الأحباش نفس المحتضر بمناشيرهم وخطفوها بصحبتهم . ويُفسِّر بطرس الدمشقي وهو أبٌ قدِّيسٌ من القرن الثامن هذه الحادثة هكذا:" لقد كان سبب ذلك ارتفاع الراهب بنفسه لأنه لو كان لديه خطايا أخرى لم يكن بإمكانه إخفاؤها من الناس وأكثر من ذلك أن يكون بإمكانه فعلها في كلِّ ساعةٍ . ولكن استعلاء الذهن فقط هو ما يمكن إخفاؤه ومن جرَّاء إرضاء الذات عن الجميع وحتى ذاك الّذي يمتلكه إذا لم يُجاز أن يقع ذلك الإنسان في تجارب التي بها توبَّخ النفس وتتعرف على ضعفها وجهلها . لم تكن للروح القدُس ولو ساعة راحةٍ في تلك النفس المسكينة لأنه كان لديها هذا الفكر دائما وإنَّها كانت تفرح به وكأنه عملٌ صالحٌ ما ولذلك قد أظلمت هذه النفس مثل الشياطين . حينما لم يكن يرى نفسه خاطئاً ربَّما كان لدى ذلك الإنسان هوىً معيناً بدل أهواء أخرى وكان ذلك الهوى وحده كافياً بالنسبة للأبالسة والّذي كان يستبدل بالكلية العيوب الأخرى ." ( مؤلفات بطرس الدمشقي م. 1874م الجزء الثاني المقالة الرابعة والعشرون ).

هكذا أيضاً يقول القدِّيس بطرس الدمشقي :" لن يجنيَ أحدٌ فائدة من بقية الفضائل ، حتى وإن كان ساكناً في السموات إذا كانت لديه الكبرياءُ الّتي بسببها سقط الشيطان وآدم وكثيرون آخرون . ولذلك لا ينبغي على أحدٍ أن يرفضَ الخوف حتى يتوصل إلى ميناء المحبة الكاملة ويمسيَ خارج العالم وهو في جسده بعد ." ( المصدر ذاته ).

" عندما وصل الأنبا مكاريوس الكبير إلى إسقيط جبل نطرون اجتمعت حوله أخويةٌ غفيرة العدد . كان الإخوة يترجونه بأن يقول أقوالاً إرشاديةً للإخوة . أما هو فدمَّع وقال :" يا إخوة ! لتزرف أعينُكم دموعاً قبل أن تكونوا قد ذهبتم إلى هناك حيث ستُلهب دموعنا أجسادنا ." فبكى الجميع وبعد أن خرُّوا أرضاً قالوا :" يا أبتاه تشفع لنا ." ( 11 المجلد 284 ص6 ).

" كان تيخون زادونسكي الروسي يعظ قائلاً :" اليوم في أوان الحياة الأرضية يجب عليك كثيراً أن تنزل بذهنك إلى الجحيم لكيلا تنزل فيه بروحك وجسدك إلى الأبد ."

إنَّ هذا المسلك فقط : مسلك دينونة الذات وعدم الثقة بالنفس وحسبان ذاتنا بأنَّنا أحقر جميع الخطأة ومستحقين لمختلف أنواع العذاب قد أعترف به الآباء القدِّيسون بأنَّه مسلكٌ خلاصي وآمن . عندما نختار مسلك حياتنا الروحية القويم فإنه ليس من الممكن ألا نجتاز في معبر الخوف والرهبة على نفسنا – فإنَّ جميع من سلكوه قد عبروا من خلال هذا المعبر .