يمكن للكثيرين لدى سماعهم ذلك أن يُحبطوا ويقولوا :" إذا كان الإنسان يفكِّر بنفسه على هذا النحو وإذا كان دوماً يدين نفسه هكذا وإن كان رافضاً دوماً لكلِّ ثقةٍ بنفسه وليس له رجاءٌ أبداً بأعماله الصالحة فسيقع حينها في اليأس بالتأكيد وسيخسر حوافزه ولن يكون لديه رغبةٌ في إنجاز شيءٍ ما أبداً ." ولكن لا ! ليس الأمر هكذا ! كيف إذن كان الآباء القدِّيسون الّذين كانوا يحتقرون أنفسهم في نظرهم دائماً ولن يكن في نيتهم التفكير بأي شيءٍ آخر سوى في عدم استحقاقهم – كيف أنهم إذن لم يسقطوا في اليأس ، بل إنهم كانوا يتحملون جهداً تلو الآخر بدون أن يتركوا عنايتهم بأنفسهم ولو للحظةٍ واحدة ولم يفقدوا أبداً يقظتهم وعزيمته في الجهاد حتى النهاية ؟ كيف أنه بالرغم من ذلك قد كان لهم فرحاً وسلاماً روحياً داخلياً في الوقت عينه؟ إنه بالرغم من أنَّ الآباء القدِّيسون يوضحون أحياناً هذه المسألة في كتاباتهم ، ولكن مع ذلك فذلك المستحيل التوصل إليه بوساطة العقل ، وإنما يُعرف الظهور السري للسلام وللذة في النفس لدى التوبة وإدانة الذات بوساطة حياة توبةٍ عمليةٍ فقط . وكذلك فمن الصعب تفسير ذلك الاعتراف نفسه بحالة الخطيئة الذاتية والنظر إلى الذات على أنها خاطئة غير مستحقة وغير صالحة ، كما كان يفعل ذلك الآباء القدِّيسون الّذين عاشوا حياةً جهاديةً ساميةً جداً ، والّذين كان ينصتون إلى صوت قلبهم باستمرار ويجتهدون أن ينفِذوا مشيئة الله في كلِّ شيءٍ . ويروي الأنبا دوروثيوس التالي : كان هنالك شيخاً اسمه زوسيماس الّذي كان يسير سيرة حياةً غايةً في الروحانية ، تحاور ذات مرة مع فيلسوف حول الخطايا . فسأله الحكيم :" قل لي كيف أنك تعدُّ نفسك خاطئاً هكذا ، أو لست تعرف نفسك أنك قدِّيس؟ أو لست تعلم أنك تمتلك فضائل؟ إنك ترى كيف تقوم بتنفيذ الوصايا : كيف إذن تعدُّ نفسك خاطئاً بما أنك تتصرَّف هكذا؟" لم يكن باستطاعة الشيخ أن يجيب بل كان فقط يقول :" لا أدري ما الّذي أقوله لك ، ولكني أظنُّ نفسيَّ خاطئاً ." وكان الحكيم يستمرُّ في سؤاله ، وأما الشيخ فكان يجهل بما يجيبه وحينئذ تدخل الأنبا دوروثيوس وقال للفيلسوف :" ألا يحدث هذا عينه في فنِّ الطبيب والحكيم؟ حينما يتقن كلٌّ من الطبيب أو الحكيم فنَّهم بشكلٍ جيد ويعملان به يكتسب كلٌّ من الطبي أو الحكيم بحسب خبرتهما عادة ما ، ولكن ليس باستطاعتهما أن يفسِّرا كيف أنهما قد صارا خبيرين في عملهما : لقد اكتسبت النفس بالتدريج عادةً ومن دون أن تشعر بذلك . هكذا هو الأمر في التواضع أيضاً : فإنه يُكتسب من تنفيذ الوصايا عادة ما في التواضع وإنَّ ذلك من المحال أن يُعبر عنه بالأقوال ." لدى سماعه لهذا التفسير فرح الأنبا زوسيماس جداً وثبَّت صحة ما قيل . وبقي الحكيم راضياً أيضاً من هذا الجواب . ( 5 ص46 ). إنَّ هذا يختصُّ بما قيل فيما سبق أيضاً : إنَّ ذلك الأمر الّذي يُدنى منه من قبل بالذهن بصعوبة وكأنه لا يتوافق مع الأمر الآخر ، فإنه عملياً يتوافق سرِّياً ويتصل بديعياً معه ، ويعمل بشكلٍ خلاصي للنفس . وهذا ما تُعلِّم به الخبرة نفسها ؛ فكلُّ مسيحيٍّ تذوق ولو قليلاً من مرارة التوبة والاحتقار الذاتي قد اختبر الشعور بالحزن على حالته الخاطئة ، ومن المؤكد أنه قد لاحظ أنه قد اتحد بهذا الشعور وبطريقة عجيبة الفرح السلامي الداخلي العميق الهادئ الّذي هو الرجاء؛ إنه قد لاحظ كيف أنَّ النفس بعد موجات من التأنيب الذاتي كهذه قد نالت تعزيةً من الله بعد اتضاعها وركوعها أمامه ؛ وكيف أنَّ الإدانة الذاتية قد والاعتراف بالذات على أنه المجرم الأكثر خطيئةً ومستحقٌّ لعذاب الجحيم ، وإنه يقوي في أعماق قلبه وبطريقة لا يُدنى منها الرغبة في التوكل على رحمة الله . حينما نحن أنفسنا ندين أنفسنا من أعماق نفسنا ، حينما نتنهد ، فإنَّ الرَّبَّ نفسه يبرِّرنا ويغفر لنا ، حينما نحزن ونئن بشدةٍ على خطايانا ، فحينها يسكن الرَّبُّ بنفسه الفرح من جراء ترحمه علينا في قلوبنا . يقول الأنبا إشعياء " لا يرمي حزن الله بالإنسان في اليأس ، بل بالعكس فإنه يعزيه إذ يقول له :" لا تخف ، اذهب واطلب الله مجدداً ؛ فإنه صالحٌ ورؤوف ، إنه يعلم بأنَّ الإنسان ضعيف فيساعده ." يجلب حزن الله الفرح للإنسان ويثبته في تنفيذ المشيئة الإلهية ." يعلَّمنا القدِّيس:" أنبوا أنفسكم ، أنبوا مشيئتكم الضعيفة .... ففي الاتهام الذاتي تجدون التعزية . اتهموا أنفسكم وأدينوها ، فيُبرِّركم الله ويترَّأف عليكم..." " حضَّروا أنفسكم للأحزان ، فتتعزى أحزانكم ، ارفضوا التعزية فتأتي إلى ذاك الّذي يعدُّ نفسه غير مستحقاً لها." ( 10 الرسائل 12 ، 18 ). ولكن من الممكن حدوث الأمر المضاد كذلك أيضاً : فكما أنَّ إنساناً عادَّاً نفسه خاطئاً وغريباً عن كلِّ خيرٍ يقترب بتأنيبه الذاتي وتواضعه هذا من الله ، كذلك والعكس صحيح فإنَّ ذلك الّذي يعدُّ نفسه غيُّوراً ومسيحياً فاضلاً ، قادراً على كثيرٍ من الأعمال الصالحة والمساعي الروحية ، هو في الواقع بعيدٌ عن الله ومن الخير الحقيقي وكثيراً ما يُصبح مسخرةً للأبالسة .