Warning: preg_replace(): The /e modifier is deprecated, use preg_replace_callback instead in ..../includes/class_bbcode.php on line 2962
كتاب العلل الخفية للنفس البشرية للكاتب : الأرشمندريت لعازر أباشيدزي الجيورجي
النتائج 1 إلى 7 من 7

الموضوع: كتاب العلل الخفية للنفس البشرية للكاتب : الأرشمندريت لعازر أباشيدزي الجيورجي

  1. #1
    أخ/ت بدأ/ت التفاعل
    التسجيل: Dec 2010
    العضوية: 9338
    الإقامة: سوريا
    العقيدة: الكنيسة الأرثوذكسية / روم أرثوذكس
    هواياتي: التراث الكنسي الأرثوذكسي
    الحالة: Victor Dora غير متواجد حالياً
    المشاركات: 42

    Array

    New10 كتاب العلل الخفية للنفس البشرية للكاتب : الأرشمندريت لعازر أباشيدزي الجيورجي

    كيف يمكن للأبالسة أن يوقعونا في شباكهم مقدِّمين لنا الخير في الظاهر؟

    إنه بالرغم من أنه يمكن للأعمال الأكثر صلاحاً ألا تمنَّ لنفسنا بفائدة ما بل وحتى يمكن لها أن تضرَّ بها بل وإنه ليس من الإمكان أيضاً البقاء بدون الأعمال الخارجية ومن دون الإرغام الذاتي إلى السواعي والأتعاب الروحية المفيدة للنفس ، كما أنَّه يستحيل أن يكون للحياة الروحية الداخلية وجود من دون هكذا أعمال . يجب أن يُصطاد وأن يُعثر على ذلك الرابط السري والمقدَّس ما بين الأمر الخارجي والأمر الداخلي وكلٌّ من الأمرين يتكاملان معاً ويتعاضدان معاً كما ويمكن التوصل إلى ذلك عن طريق الخبرة الروحية ، وبوساطة الصلاة ، يُعطى الباحث والسائل نعمةً الله . كي تتوصل أعمالنا إلى هدفها الرئيسي أي إلى تقويم وشفاء إنساننا الداخلي وكيلا تكون مجرَّد طرقٍ في الهواء لا معنى له ( 1كورنثوس9: 26 ) ، فإنه من الضروري أن نتتبع بانتباهٍ كلَّ حركةٍ من حركاتِ القلبِ ، وأن نجتهد دوماً في ملاحظة أية فكرٍ وأية شعور ينشأ في نفسنا واقتادونا إلى تصرُّفٍ أو آخر ما ، وقولٍ ورغبةٍ ما ونحكم من ذلك ما المفيد وما المضر بالنسبة لنا . إنَّه لو أنصتنا هكذا إلى أنفسنا ، سوف نكتشف بأنَّه ليس كلَّ تصرُّفٍ ممدوحٍ في الظاهر هو خيِّرٌ بالحقيقة وأنَّ الحياة الغير المتعمقة البسيطة والغير الجذابة في الظاهر هي في الواقع المفيدة للنفس .

    إنه كثيراً ما يتخفى تحت قناع الأعمال الصالحة والمفيدة أمرٌ خطيرٌ وضارٌّ جدَّاً . يقول سليمان الملك في الأمثال :" تُوجَدُ طَرِيقٌ تَظْهَرُ لِلإِنْسَانِ مُسْتَقِيمَةً وَعَاقِبَتُهَا طُرُقُ الْمَوْتِ ." ( أمثال16: 25 ) . وكان داود الملك في المزامير :" في الطريق التي كنت أسلك فيها أخفوا ليَّ فخَّاً ." ( مزمور142: 3 ). إنَّ " هؤلاء " المقصودين في الآية هم الشياطين الّذين يُحاولون في أكثرية الأحيان أن يُوقعونا في فخاخهم مقدِّمين لنا أموراً جدُّ نافعةٍ ومنيرة وباسلة في الظاهر . وحالات سقوط المسيحيين في كثيرٍ من الأحيان المفتونين من جراء انخداعهم بسبب الفضائل الكاذبة هي أكثر بكثير من سقوطهم مغريين من جراء خطاياهم الظاهرة ، بالإضافة إلى ذلك فإنَّ الخروج من هكذا افتتان هو أصعب بكثير إذ أنه قلَّما يُرى في هذه الحالة ضرر هذا الافتتان ذاته .

    يا لكثرة عدد الأمثلة الموجودة حول هذه الحالة فإنَّنا نجد خبثاً شيطانياً وشروراً شيطانية متنوعةً وأكثر حبكةً في روايات الآباء القدِّيسين وسيَرِهم . وما أكثر تلك الأحيان التي تحاول فيها هكذا نصائح خبيثة ووساوس شيطانية أن تحيد المسيحي كلَّ يومٍ وكلَّ ساعةٍ تقريباً وأن توجهه نحو الطريق المِعوج . يبدأ الأبالسة محادثتهم مع ذهننا بسهولة إذ أنهم عندئذٍ يخفون أنفسهم ويُقدِّمون نصائحهم على أنها إحدى أفكارنا الخاصة الأكثر بساطةً فقط ولذلك فكثيراً ما نكون عرضة لخطر قبول واحدة من تلك الأفكار الزاهية والمزينة والتي تعبِّر عن اندفاع النفس والتهاب الإحساس بشيء حقيقي وباستنارة خلاصية وذات نعمة . يُحاول الشياطين عادة أن يخدعونا بأفكار خدَّاعة ومشاعر كاذبة وأما المجاهدون والنساك وأولئك العلمانيون الّذين يتولون القيام بتنفيذ جهاداتٍ خاصة وكذلك أولئك الّذين لديهم بدون أية جهاد آراءً رفيعةً عن أنفسهم فيحاول الأبالسة كثيراً أن يفتنوهم بوساطة رؤىً وإعلاناتٍ كاذبة إذ أنهم يظهرون لهم في هيئة ملائكة منيرة أو في هيئة بشر . ولكن بشكلٍ عام فالفخاخ الأولى والثانية هي متآلفةٌ من حيث الطبع وإنها تلتصق بنفس الإنسان بوساطة موثوقيته السرية العميقة ببرِّه الخاص وبوساطة شعوره باستحقاقه الذاتي .

    ولكي نكتسب انتباهاً ورصانةً خاصة تجاه ظواهر " منيرة " ومشرقة سواء أكانت داخلنا أو خارجنا سنأتي هنا بعضاً من روايات الآباء القدِّيسين المفيدة للغاية الّتي تكشف لنا تعدد هيئات ومكر وخبث إغواءات الأبالسة .

    يقول القدِّيس إغناطيوس ( بريانشانينوف ) بأنه " ليس دائماً ما يسعى الأبالسة إلى إقحام الإنسان ليكون في شركة معها وأن يخضعوه لها بوساطة أفكار الخطيئة الظاهرة : إذ يوحي الأبالسة أولاً بأفعالٍ لا تمتلك في الظاهر ما يُدانُ عليه وغالباً ما تكون صالحةً في الظاهر وأما فيما بعدُ بعد أن تحصل على سلطانٍ على ذلك الإنسان فإنها تدفعه إلى اقتراف أعمالٍ الخطيئة والتي تتحول بالنتيجة إلى إيهام الأبالسة الأولي على ذلك الإنسان . إنَّ هذا ما يُظهر لنا مدى ضيق وحزن طريق الأفكار هذا وبأية اتزانٍ ينبغي أن نسير نحن عليه ." ( 11 المجلد 472 ص117 ).

    روى أحد الشيوخ حدثاً كالحدث التالي : إنَّ أحد الشبان بعد أن حصل على سماحٍ من أبيه ترهبن في دير حيثما ابتدأ يجاهد بشدة حتى أنه أذهل رئيس الدير بسيرته الصارمة . وشرع بعد فترة وجيزة يطلب من الرئيس أن يخلي سبيله في البرية حتى يعيش هنالك كناسك . وبعد أن حصل على السماح ذهب الشابُّ إلى البرية وسكن في مكانٍ الّذي دله عليه الرب بطريقة عجيبة . سكن الراهب هناك وشرع بالجهاد وعاش في النسك وهو على هذه الحال مدة ستَّةِ سنين دون أن يلتقي بأحدٍ . وها أنه في إحدى قد جاء إليه إبليس ، لقد أخذ الشيطان هيئة أبٍ شيخ كان وجه ذلك الشيخ مريعاً . عندما رآه الأخ خاف وارتطم بوجهه على الأرض وشرع في الصلاة وبعدئذٍ استقام . فقال له إبليس :" لنصلِ قليلاً بعد يا أخي ." فصلى كلاهما وبعد أن فرغا من الصلاة سأله الشيطان :" كم من الوقت مضى على سكناك هنا؟" فأجابه ذاك :" ستُّ سنين ." فقال الشيطان:" إذن أنت تكون جاري ! إنَّني قد علمت قبيل أربعة أيام بأنَّك قاطنٌ هنا . إنَّ قلايتي لا تبعد كثيراً عن هذا المكان ، قد صار مدة إحدى عشرة سنةً لم أغادرها وإنَّني اليوم حتى خرجت منها ، بعد أن علِمت بأنك تقطن على مقربة مني . وإذ علمت ذلك قلت لنفسي : سأذهب إلى رجل الله هذا وسأتحاور معه قليلاً لفائدة أنفسنا . كما أنِّي سأخبره هذا أيضاً : أنَّ النسك لا يأتينا بأية فائدة ، إذ أنَّنا لا نشترك بجسد ودم المسيح المقدَّسين ، وبأنَّني أخشى أن نصير غرباء عن المسيح إذا ما حدنا عن هذا السر . وليكن معلوماً لديك أيُّها الأخ أنها على بعد ثلاثة أميالٍ منه يوجد دير فيه كاهنٌ : دعنا نذهب إلى هناك في يوم الأحد لكي نشترك بجسد ودم المسيح المقدَّسين ونعود بعد ذلك إلى قلالينا ." نالت هذه الفكرة استحسان الأخ . فجاء إبليس في يوم الأحد مجدداً وذهبا معاً إلى الدير ودخلا الكنيسة ووقفا ليصليا . بعد نهاية الصلاة لم يجد الأخ ذلك الّذي أتى به إلى الكنيسة وشرع يسأل الإخوة أين يكون الأنبا الّذي دخل معه إلى الكنيسة ؟ أجابه الإخوة :" إنَّنا لم نرَ أحداً ما سواك !" عرف الأخ عندئذٍ بأنَّ ذاك كان إبليساً وقال لنفسه :" أنظري يا نفس بأية حيلةٍ أخرجني الشيطان من قلايتي ! ولكن ما لي من هذا فإنَّني قد أتيت من أجل إتمام عملٍ صالحٍ ؛ إذ أنَّني سأتناول جسد ودم المسيح ومن ثَمَّ أعود إلى قلايتي . لقد تناول الأخ ، فاضطُرَّ بعدئذٍ أن يتقاسم المائدة مع الإخوة الّذين في الدير وعاد في النهاية إلى قلايته .

    مضت فترة من الوقت فجاء إليه إبليس مجدداً ولكن هذه المرة على هيئة شاب علماني شرع في التحديق به من أعلى رأسه حتى أسفل قدميه ثمَّ قال:" إنَّه هو !" ثمَّ بعدئذٍ بدأ يتطلع فيه مجدداً . فسأل الأخ:" لماذا تحدِّق بي؟" أجابه ذلك الشاب :" أظنُّ بأنَّك لا تستطيع أن تتعرف عليَّ . وبالأحرى كيف لك أن تعرفني بعد كلِّ تلك الفترة ! أنا جار أبيك ابن فلانٍ . نعم أجل ! ألا يُدعى أبوك فلان بن فلان؟ أما اسم أليس أمك فلانة ؟ وتُدعى أختك فلانة . وكان اسمك السابق فلان . قد ماتت أمك وأختك قبل ثلاث سنين وأما أبوك فقد مات قبل فترة وجيزة بعد أن جعلك وريثاً له إذ قال :" لمن سأترك إرثي سوى لابني الّذي ترك العالم وهو الآن يعيش كناسك من أجل الله . له أعطي جميع خيراتي ." ثمَّ ترجانا أن نعثر عليك ونخبرك حتى تأتيَ وتقبل الإرث وتوزعه على الفقراء والمساكين وتقدمه عن نفسك ونفسه . لقد بحث عنك الكثيرون ولم يجدوك ، وأما أنا فإذ قد أتيت إلى هنا من أجل عملٍ ما يخصُّني سمعت عنك . لا تتلكأ ! اذهب وبع كلَّ شيءٍ وتمِّم وصية أبيك ." أجاب الأخ:" لا يحلُّ لي أن أعود إلى العالم ." فقال له الشيطان :" إذا لم تذهب فسوف يخرب الميراث ، وأما أنت فستعطي حساباً على ذلك أمام الله . وما الضرر مما أقوله لك:" اذهب ووزع الميراث على المساكين واليتامى كيلا يتمكن الزناة والناس الملتوون من هدر ما تبقى منه للفقراء؟..." وبعد أن أغوى الشيطان الأخ بهكذا أقوال عاد به إلى العالم وأرسله إلى المدينة وغادره من فوره . أراد الراهب الدخول إلى بيت أبيه المفترض موته وها أنَّ أبوه بذاته قد خرج في استقباله . عندما أبصره أبوه لم يعرفه وسأله بخشونة :" من أنت؟" فاضطرب الراهب ولم يستطع أن يُجيبه بشيءٍ . فشرع والده يسأله حينئذٍ أجاب الراهب باضطرابٍ :" أنا هو ابنك ." ردَّ الوالد على ذلك:" ولأية علة عدت إلى هنا؟" فاستحى الراهب من إخباره بالعلة الحقيقية لعودته وإنما قال :" إنَّ محبتي تجاهك قد جعلتني أعود لأنَّه قد تاقت نفسي جداً إليك ." بقي الراهب في بيت أبيه ؛ وبعد فترة من الزمن سقط في فعل الزنى ونال عقاباً صارماً من أبيه . يا للمسكين ! فإنَّه لم يرجع إلى التوبة بل بقي في العالم ." ( 11 المجلدات 453-456 ص9 ).

    ويشير القدِّيس إغناطيوس بريانشانينوف الروسي تعقيباً على هذه الرواية إلى أنَّ السبب الرئيس لسقوط الراهب كان نسكه السابق لأوانه والمتعمَّد ، الّذي لم ينضج له بعد . كذلك ينوِّه القدِّيس بأنَّ غالباً ما يتعامل إبليس مع النساك بشكلٍ ظاهري مكشوف وأما مع أولئك القاطنين في المساكن العامة فيتعامل عادة بالأفكار ولكن هذه المعاملات هي متشابهة في الواقع . يستعمل الشيطان غالباً لكي يهلك الإنسان المقدِّمات الأكثر صلاحية في الظاهر واصفاً صلاحاً مليئاً بالحيوية والغنى والمنفعة ولكنه في الواقع يدفعه نحو ارتكاب الخطايا الجمة والهلاك .

    يا لمدى خبث خبثِ ودراية العدو ! فكأنَّ خروج الناسك للمرة الأولى من قلايته لم يؤدي إلى أية كارثة حتى أنه وللوهلة الأولى قد انتهى بمنفعةٍ كبرى . ولكنَّ الضرر كان يكمن في ذلك أنه قد أُخذ من النفس انتباهها الخلاصي ، وأُظهِرَ لها بأنَّ الخروج ليس فيه شيءٌ من الخطورة . وهكذا يمكن للشيطان أن يُهيأ ضحيته لمدة طويلة مخرجاً إياها في الغالب إلى مسلك الهلاك بعد أن يخفي عنها كلَّ ضررٍ وراسماً لها كل استحقاقاتٍ على ذلك الدرب حتى يتمكن أخيراً من إصابة الوقت المناسب الّذي يمكنه أن يضرُّ فيه بدون إمكانية الإصلاح المسيحي الفاقد حذره الخاص .

    يُذكِّرنا الأسقف إغناطيوس بريانشانينوف الروسي بالتجربة التي لحقت ببطرس الآثوسي البار . فقد جُرِّب هذا الشيخ من روح شرير أيضاً الّذي قدَّم له ذاته على أنه أحد أقربائه وكان يقنعه بالأقوال المعسولة أن يترك حياة السكينة ويذهب إلى وطنه حتى يقوم بتخليص مواطنيه الهالكين هناك . رفض القدِّيس بطرس الآثوسي ذلك الإغواء وأخزى الشيطان . يقول القدِّيس إغناطيوس بريانشانينوف الروسي :" كان بإمكان القدِّيسين أن يُعاكسوا تهجمات العدو بفضل رحمة الله وحدها فقط الساكنة في القدِّيسين وتنيرهم : كيف لنا أن نحتمل تلك التهجمات حينما يكون لدينا الغرور الذاتي الأعمى وبلادة العقل الإرادية والرأي الذاتي الّذي يلاطفنا ويخدعنا على الدوام؟ كيف لنا أن نحتمل هذه الهجمات حينما يتواجد إنساننا الداخلي في ظلمةٍ روحية وأسرِ الشيطان؟ يتوجب عليه التنويه بأنَّ الحق الذي يُبشَّر به من قبل الحكمة الجسدية يتآلف مع حقِّ العالم المعادي لله ويتناقض مع الحق الإنجيلي ." ( المجلد الأول ص458 ).

    ويروي القدِّيس عينه أيضاً عن حدث آخر للتجربة الشيطانية : كان الأبالسة يظهرون لأحد الإخوة متخذين هيئة ملائكة ويوقظونه ويظهرون له النور ويدعونه لحضور القداس الإلهي / يا للخبث ! لن يشكَّ كثيرون منا اليوم في أنَّ الّذي يظهر هم ملائكة النور ويوقظوننا للصلاة في منتصف الليل ويدعوننا لحضور القداس الإلهي؟ اليوم سيستجيب الكثيرون بدون أية تفكير لتلك الدعوة ./ لكنَّ ذلك الأخ فبعد أن طلب نصيحة شيخه أخزى الأبالسة ولم يسمع لهم بالرغم من أنهم كانوا يعرضون عليه الصلاح للوهلة الأولى . حينئذٍ ابتدأ الأبالسة يفترون في حضرته على الشيخ الّذي كشف له حبائكهم. لقد قالوا للأخ:" إنَّ شيخك لمرائي فقد كان لديه المال ولم يقرض أحد الإخوة بعد أن قال له بأنَّ ليس لديه مال ." قصَّ الأخ في الصباح التالي على الشيخ هذا الأمر أيضاً . فقال له الشيخ :" في أنه كان لدي مال فهذا صحيح وأمَّا في أنَّني لم أقرض الأخ الذي طلب مني فإني لم أعطه لأنني كنت أعلم أنه لو أعطيته لكان ذلك قد سبب الضرر لنفسه . وقررت بأنه لو عصيت وصية واحدة من وصايا الله أفضل من أن أعصي الوصايا العشرة معاً . فإنه من هذا الأمر الصغير يمكن أن يحصل اضطراب كبير ولكان مسببه هو المال . وأما أنت فلا تسمع للأبالسة الّذين يرغبون في إغوائك ..."

    يُعلق سيدنا إغناطيوس على هذه الرواية قائلاً :" لا يجب علينا أن ننجرَّ وراء الفضائل التي يقترحها علينا الأبالسة مهما كانت ساميةً ومشرقةً يجب علينا أن نرفض كلَّ شيءٍ بغضِّ النظر عن إذا كان معروضاً من قبل الأبالسة أم لا . إنَّ الخضوع الطوعي للأبالسة بالرغم من كونه أنه قد يحصل بدعوة وإصرار منهم يُخضع الإنسان لهم ويحرمه من حريته الروحية جاعلاً إياه أداةً للأبالسة ! هذه كارثةٌ تشمل العالم ولا تُفهم من قبل العالم ." ( 11 الصفحات 466-467 ص110 ).

    أحداثاً مثيرةً وذات عبرةٍ كبيرةٍ يقصُّها لنا أحد الرهبان الآثوسيين الّذي عاش خلال القرن التاسع عشر في جبل آثوس وكان قد زار الكثير من الأماكن الرائعة هناك فوصف انطباعاته ضمن رسائل أرسلها إلى أصدقائه في روسيا .

    كان كاتب هذه الرسائل في إحدى المرات ذاهباً مع راهبٍ آثوسيٍّ آخرَ إلى قلايته . مرَّ الاثنان بمجاراة صخرة ضخمة كانت تتربع فوق الهوة فقصَّ عليه ذلك الراهب قصة هذا المكان . قبل نهاية الحرب التركية الأخيرة كان أحد الرهبان اليونانيين يعتني بخلاص نفسه في هذا المكان ، والّذي كان ينحدر من عائلة يونانية نبيلة ولكنه بعد أن تنازل عن جميع حقوقه بالمجد والكرامة في العالم ، اختار ذلك الإنسان حياة البرية . لعله كان مقتدراً جداً في جهاده الروحي وإلا ما كان ليُغضِب الشيطان . لأنَّ جميع المحاولات ليحاربه بالأفكار ضاعت سدىً ، فاكتشف الشيطان مكان ضعفه فجعل ذهنه وقلبه الخاصان به أداة لسقوطه الخاص . ملأ الشيطان رأس الراهب بأفكار عن سمو جهاده الروحي وأقنع ذهنه بعد أن عرض عليه تنوع الجهاد وصرامته وكثرتهما وهكذا رويداً ، رويداً قاد الشيطان ذلك المسكين إلى هكذا ضلال حتى أنه بدأ يرغب في مشاهدة رؤى سرية ومحاولاتٍ علنيةٍ لظهورات العالم الروحي . عندما تأصلت الكبرياء والغرور إلى حد عميقٍ للغاية فيه ابتدأ الشيطان يعمل بحزم في الناسك ! إذ أنه بدأ يظهر للناسك على هيئة ملاكٍ ويُحاوره . كان المسكين يصدِّق الأقوال الملائكية وفكره الخاص إلى حدِّ أنه رغب في أن يخدم الكنيسة برتبة رئيس الأساقفة الّتي بحسب قول الملاك كان الناسك مستحقاً لها منذ زمنٍ بعيد وكان قد كُتِبَ له أن يقبله من قبل الرَّبِّ نفسه . كان مقام أقربائه في العالم يشغل باله بشكلٍ مبالغ فيه جداً وكان مجد اسمهم في العالم يحكُّ فكر الناسك الّذي قد نسي ذاته . لم ينقصه شيءٌ سوى مناسبةٌ التي بإمكانها إخراج الناسك إلى العالم.... ولكن بالنسبة للشيطان فلم يكن ذلك بالأمر العسير . في إحدى المرات عندما كان الناسك مشغولاً للغاية بأفكاره حول مقامه المستقبلي العظيم الشأن متفكراً في إيجاد وسائل ليصل إلى هدفه المنشود وريثما كان متعمقاً في فكره ، طرق على عصابة عتبة قلايته . فذُعِرَ الناسك ورسم إشارة الصليب وذهب ليفتح الباب متلفظاً بصلاة:

    - من هناك؟ - استفسر الناسك
    أجابوه:- نحن فولانيون نحن آتون من وطنك وقد أحضرنا سجدةً من أقربائك مع شيءٍ آخر أيضاً . لقد جئنا إلينا بطلبٍ هام ائذُن لنا أن ندخل ونتحدث معك ، أيُّها الأب القدِّيس .

    فتح الناسك الباب فسلِّم عليه الغريبان بإكرامٍ .

    - تفضَّلا – قال الناسك بتواضعٍ وهو يفتح الباب .

    فدخل الغريبان جعل ربُّ البيت الضيفان يجلسان على أريكة الحصير وجلس هو بنفسه قبالتهما . سأل الناسك في النهاية عن سبب زيارتهما ، وأما الغريبان فأجابا :

    - هوذا ما لدينا أن نقوله لك ، أيها الأب القدِّيس : أنت تعرف كم نحن نعاني تحت ظلم الباب العالي وكم نحن مظلومون وكم هي مظلومةٌ عائلاتنا وإيماننا وكنيستنا ذاتها... وبالطبع فأنت تعلم بهذا....

    - نعم وهو كذلك – قال الناسك متفوهاً بشعورٍ من الغم- وماذا في ذلك؟

  2. #2
    أخ/ت بدأ/ت التفاعل
    التسجيل: Dec 2010
    العضوية: 9338
    الإقامة: سوريا
    العقيدة: الكنيسة الأرثوذكسية / روم أرثوذكس
    هواياتي: التراث الكنسي الأرثوذكسي
    الحالة: Victor Dora غير متواجد حالياً
    المشاركات: 42

    Array

    افتراضي رد: كتاب العلل الخفية للنفس البشرية للكاتب : الأرشمندريت لعازر أباشيدزي الجيورجي

    - لابدَّ أنك تعلم هذا أيضاً – أكمل الغريب حديثه- بأنَّ حرب الأتراك مع روسيا قد انتهت بمعاهدة سلامٍ الّذي يصبُّ للغاية في مصلحتنا ، قد أُعطِيَت لنا الآن الفرصة لأن نعيش حياةً مسيحية .... ولكنَّ المصيبة تكمن في أنَّه ليس لدينا في وطننا أسقف. وهل من الممكن أن توجد كنيسةٌ من دون أسقف وهل في مقدورنا أن ندير أنفسنا بأنفسنا؟ ومن سيحفظنا من غدر العثمانيين؟ ونحن نعرف أقرباءك ونعرفك أنت أيضاً ولذلك اغفر لنا لأننا قد طلبنا من دون إذن موافقتك أن تصبح أسقفاً لنا . وهوذا الفرمان العثماني المقضي بذلك وقد أضيف إليه الأمر البطريركي . فأخرج الغريبان المستندات وأسلماهما إلى الناسك .
    - ارحماني !- عارضهما الناسك خافضاً عينيه بتواضعٍ إلى أسفل ولكنَّه على وشكِ أن يطير من الفرحة من الداخل – وهل أنا هو من يتوجب استلام صولجان الخدمة الرعائية ، في حين أنَّني لا أملك القدرة بأن أسيطر على نفسي؟ وهل أنا من عليه أن يتقلَّد ثقل الخدمة الرسولية في حين أنَّني أشعر بضعفي الذاتي وكثرة خطاياي؟ لا يا أبنائي إنَّني أتنحى عن هذا الّذي يعدُّ فوق طاقتي ! كما أنَّ بريتي هي الفردوس بالنسبة لي إنَّني قد عاهدت نفسي أمام الله بأن أموت هنا ...

    - فكر بنفسك كما تشاء أيُّها الأب القدِّيس – ردَّ عليه الغريبان- ولكن إنَّ صوت الشعب هو تعبير عن صوت الله : فإنَّ مشيئة الحكومة هي مشيئة الله ! أنت تعلم بأنَّ المصلحة العامة هي أهم من المصلحة الخاصة . ولمَ هذا الفرمان إذن؟ لا أيها الأب لا ترفض !... فإنَّ الكنيسة تدعوك . وإذا لم يكن بمقدور أية شيءٍ أن يؤثر فيك لا مصائب الشعب ولا محننا العائلية فهل حاجة الكنيسة أيضاً لا يمكن تعني شيئاً بالنسبة لك؟

    - إذا كان الأمر كذلك- أجابهم الناسك بعد تفكيرٍ طويل بالموضوع- فأنا موافق .

    فقال له الضيفان :- وهكذا إذن أيها الأب استعجل ! لأنه كلَّما كان انطلاقنا باكراً كلَّما كان ذلك أفضل ، فإنه تنتظرنا بالقرب من هنا بغالٌ ( حمير ) مع قوادها .

    وريثما كان الناسك يعدُّ نفسه للسفر ويضع بعض الأشياء في كيسه لم يتوقف الضيفان عن الإصرار عليه . وفي النهاية سلك الجماعة خلال هذا المسلك باتجاه قمة الصخرة : فاعترى حزنٌ شديدٌ وإحساسٌ غامض قلب الناسك : لقد حزن الناسك على انفصاله عن بريته . عندما صعدوا إلى هناك إلى أعلى نقطة من الصخرة ، لم تكن لدى المسكين رغبة في الرحيل قبل أن يتمعن إلى أسفل في جمال بريته القاسية : كان ثلاثتهم واقفين في الأعلى ومن تحتهم كانت تنفرج الهوة العميقة .....

    كان الناسك عديم الحذر لدرجة أنه أثناء حديثه مع الغريبين اقترب بصحبتهما إلى طرف الصخرة ذاته . حينئذٍ أسقطته ضربةٌ قوية في ظهره إلى الهاوية مثلما تُسقط أوراق الشجر في الخريف من قبل الريح فسُمِع من أعلى صريرٌ مع ضحكة شيطانية ، انتشر صداها في أنحاء البرية . وفضلاً من ذلك فإنَّ الناسك لم يُقضى عليه حتى الموت فقد منحه الله وقتاً للتوبة بعد أن أرسل إليه عن قصدٍ أحد الرهبان المبتدئين الّذي يسكن في القلاية المجاورة لقلايته . كان الناسك المفروز مكسوراً بكليته وقد كُسِرت جمجمته وكانت الدماء تسيل من جراحه ، ولكن كان لديه ما يكفي من الوقت لكي يروي تفاصيل عن حياته وتجاربه وكان يترجى النساك الّذين يعرفونه أن يصلوا له ويذكروه في صلواتهم وأسلم روحه لله بين يدي الناسك المبتدئ الّذي كان يبكي عليه . لم يعش ذلك الناسك أكثر من ثلاث ساعاتٍ من بعد تجربته الرهيبة ."

    إنَّ ذلك الآثوسي لدى سماعه لذلك الحدث الرهيب وبينما كان واقفاً على تلك الصخرة كان متعجباً بالأكثر من أنَّ ذلك الراهب المسكين قد بقي على قيد الحياة بعد سقوطه من هناك . " من المحتمل أن كانت لديه فضائل الّتي لم يدعه الرَّبُّ يموت بسببها ." ، يقول كاتب الرسائل منهياً روايته ." ( 8 الرقم 2 الرسالة الحادية عشرة ).

    ويتبين من رسائل ذلك الراهب الآثوسي أيضاً بأنَّ الأبالسة كثيراً ما يخافون من صلواتنا ، ولكنهم قادرون أيضاً على أن يقوموا بتشجيع الكثير من اجتهاداتنا الدعائية الغير الصحيحة .

    " ليس الروح الشرير قوياً بقدر ما هو ماكر ومتنوعٌ في تجاربه ." يقول الراهب الآثوسي راوياً لنا القصة التالية : كان هنالك شيخٌ روسي ساكنٌ في ديرهم . كان لدى هذا الشيخ ميلٌ قلبي للصلاة ، ولكنَّه لم يكن يعي مدى استحقاق وأهمية الطاعة وها أنه قد بدأ بالانحراف عن إطاعة قواعد الدير العامة ويختلي في الغابة للصلاة . كانت أفكاره تملي عليه أكثر فأكثر بأنَّ الصلاة هي سمة من السمات الأرواح الملائكية وبأنَّها غذاء النفس وأما العمل فهو حاجةٌ من حاجات العيش الدنيوي حاجةٌ دنيوية وباطلة وهكذا كان هذا الشيخ ينحاز إلى الترفع الذاتي واستمرَّ الوضع هكذا إلى أن بدأت تتولد فيه أفكار حول سمو جهاده الروحي وسموِّ سيرته .وبدأ في النهاية ملاكُ نورٍ بالظهور له ويبارك مسعى صلاته . كان ذلك الشيخ يعلي من شأن الصلاة وينزل من شأن الطاعة الأخوية ببراهين مقنعةٍ للغاية . لم يكن من الواضح كيف كان سينتهي كلُّ ذلك ولكنَّ تصرُّف هذا الشيخ قد لفت انتباه أحد المشايخ اليونان . استفسر هذا الشيخ من الأخ بالتفصيل حول رؤيته وقلق عليه بعد أن سمع عنها . حينئذٍ أرشده بصرامة قائلاً له هكذا أقوال :" سيهلكك الشيطان وسيؤدي بك إلى الجنون بسبب صلواتك التي تقيمها عمداً ، فإنَّ صلاتك هي خطيئةٌ عليك وإنها تعين الشيطان على الولوج إليك بسهولة . لأنَّ الّذي يظهر لك هو الشيطان وليس ملاكاً . جرَّب هذا إن أردت التحقق : لا تذهب بعد إلى الغابة واعمل مع الإخوة منفِّذاً قانون القلايات في قلايتك وأما عندما يظهر لك هذا " الملاك " لا تعره أيَّة انتباهٍ بل تمسَّك بصلاتك بصرامة ..." – وأشياء أخرى كثيرةً قالها له الشيخ بنفس ذلك المعنى وروحه بحيث أنَّ ذلك الراهب الروسي قد ذُعُرَ جداً وسمع لكلامه . كما أنه قد فعل كذلك فبعد أن عمل قليلاً مع الإخوة ذهب ليصلي في قلايته . وها أنه قد ظهر بالحقيقة ذلك " الملاك " مجدداً ولكنَّ الشيخ لم يعره أية اهتمام حتى أنه لم يُحدق فيه البتة . فسخط عليه " ملاك النور" وبدل هيئة الشاب الرائع المنير قد ظهر فجأةً رجلٌ حبشيٌّ قذر ذو عينين حمراوين كأنهما شعلتا نار وأخذ يقفز أمام الأخ المصلي . كان الأخ يرسم إشارة الصليب ويضعِّف من مطانياته بلا أية جدوى راجياً أن يطرد بذلك الروح الشرير فإنَّ ذاك لم يرحل عنه ولا تركه يؤدي قانون صلاته . وفي النهاية ضرب الأخ من شدة سخطه الروح الشرير بمسبحته ، وأما ذاك فضرب أذن الأخ بنابه واختفى كما يختفي الدخان . ويروي ذلك الراهب الآثوسي بأنَّ ذلك قد أُصِمَّ وإنه ما يزال لا يسمع شيئاً حتى اليوم بأذنه تلك .

    ينوِّه كاتب الرسائل بعد هذه القصة بأنَّ تجارب الرهبان في البرية هي أشدُّ خطراً ولذلك قوبل في آثوس كقاعدة أنَّه على كلَّ من ينصرف إلى حياة السكينة في البرية ألا يقبل أية رؤى وأن يرفض بتواضعٍ ووعي بواقع عدم استحقاقه وطبيعته الخاطئة أية ظهوراتٍ من العالم الروحي مهما كان نوعها . ويورد ذلك الراهب فيما يلي هكذا أحداثٍ .

    كان أحد النساك ذو سيرةٍ وجهادٍ روحي ساميين يتفوه في إحدى الأمسيات بقانون صلاته في قلايته بهدوء . انتشر فجأةً حوله نورٌ بهاؤه يعمي العيون وظهر شابٌّ ذو جمالٍ ملائكي أمامه . وبما أنه كان قد قبِلَ القاعدة الّتي تنص بأنه يتوجب عليه أن يتجنب تأمل أية ظهورات مهما كان نوعها بقي الناسك هادئاً في مكانه ولم يكترث بتلك الرؤيا . ولكنَّ الشابَّ لم يختفِ . فبعث ذلك الأمر الدهشة في نفس الناسك إذ أنَّ الظاهر له لم يكن يخاف لا من الصليب ولا من الصلاة .

    فسأله الناسك في النهاية بخشونة :- من أنتَ؟

    أجابه الشاب الظاهر له بوداعةٍ:- أنا هو ملاكك الحارس

    فسأله الناسك:- ولمَ أنتَ هنا؟

    فقال له ذاك:- لقد أُمِرتُ من قبل الرَّبِّ الإله بأن أزورك بهيئتي الحقيقية . وها قد أتيت إليك .

    فقال له الناسك: - إني لستُ بحاجةٍ إلى ذلك . وقام وبدأ يصلي .

    لم يختفِ الملاك وكان وكأنه هو ذاته مصلياً مع الشيخ . لم يفهم الناسك ما هذه الرؤية الغريبة . وكان يفكِّر في ذاته " لو كان شيطاناً لكانت الصلاة والصليب قد سحقا ودمرا هذا الشبح بالتأكيد .

    - بما ستقنعني – سأل الناسك الشاب الظاهر له- بأنَّك بالحقيقة ملاك الله ؟

    فأجابه الشاب:- بأيِّ شيءٍ ترغبه مني . ثمَّ قال مستأنفاً كلامه : - إنَّك تعلم بأنَّ الأبالسة يخافون من قوة الصليب ومن رسمه أما بالنسبة لي فإني لست خائفاً . إنَّني أسجد لله وكما ترى إني أسجد للصليب أيضاً . فرسم الملاك إشارة الصليب بورعٍ وخشوعٍ إلهي وخرَّ قدَّام صورة صليب المسيح . فتردَّد الناسك .

    - ما الّذي تريده مني أكثر من ذلك- سأله الملاك بعد أن نهض من الأرض- قد رأيت بأنَّني لا أخاف الصليب فحسب بل وحتى أنَّني سجدت له وهذا يعني أنَّني ملاكك الحارس .

    - ربَّما أنت كذلك – قال له الناسك بهدوءٍ- ولكن على أية حالٍ فإنَّني محتاجٌ إليك بهيئتك المحسوسة : فإنَّه من المعروف عندنا بأنَّ الملائكة الحراس هم غير مرئيون

    فسأل الملاك الناسك مجدداً: - هل هذا يعني أنَّك لم تصدقني بعد؟

  3. #3
    أخ/ت بدأ/ت التفاعل
    التسجيل: Dec 2010
    العضوية: 9338
    الإقامة: سوريا
    العقيدة: الكنيسة الأرثوذكسية / روم أرثوذكس
    هواياتي: التراث الكنسي الأرثوذكسي
    الحالة: Victor Dora غير متواجد حالياً
    المشاركات: 42

    Array

    افتراضي رد: كتاب العلل الخفية للنفس البشرية للكاتب : الأرشمندريت لعازر أباشيدزي الجيورجي

    - لن أصدِّقَ أبداً !- قال الناسك بحزم- اذهب عني وليكن الله معك كائناً من كنت حتى ولو كنت رئيس ملائكةٍ فليست لي حاجةٌ من حضورِك المرئي . إنَّك تلهيني عن صلاتي وهذا وحده حتى يدلُّ على أنَّك لست بملاك .
    - إنَّك تُجهد ذاتك سدىً! – مانعه الملاك- فإني لست ذاهباً من هنا لأنه قد أُوصيت بالبقاء عندك .

    - افعل ما شئتَ – قال له الناسك ببرودة – إنَّني لست راغباً في رؤيتك حتى أتلقى وصية من أبي الروحي بذلك فاذهب عني ! لست بحاجةٍ إليك بهيئتك هذه . ووقف الناسك بعد ذلك ليتَمِّمَ قانون صلاته وأما الملاك فصار غير مرئيٍّ بعد أن وعده بأن يظهر له مجدداً في الليلة التالية .

    وعند الفجر ذهب الناسك إلى أبيه الروحي وروى له عن الرؤية . فتفكر الأب الروحي في ذاته :" أن يسجد للصليب وأن يرسم إشارة الصليب وألا يخاف من الصلاة فإنَّ هذا كلَّه ليس من سمات أفعال الأبالسة . وفي الواقع حرَّم الأب الروحي على الناسك أن يتحاور ويعطي اهتمامه للرؤيا إذا ما هي تكرَّرت بل ليؤديَّ صلاته فقط وألا يلفت انتباهه لظهورات العالم الروحي . وهكذا فعل الناسك .

    وفي هذه الأثناء التجأ الأب الروحي لكي يحلَّ تساؤلاته حول رؤيا الناسك إلى أحد الشيوخ المعروف في آثوس بخبرته في الحياة التأملية وموهبته في التمييز وسهره الصارم في ترقُّب فخاخ الشرير وطلب منه النصح فيما يجب على الناسك فعله في ظهوراتٍ مماثلة .

    - لا شيء- أجابه ذاك- فليكن لديه علم الله ونفسه فقط .
    فسأله الأب الروحي: - وما الّذي تظنُّه بالنسبة لسجود ذلك الفتى الظاهر له أمام الصليب : هل بالحقيقة هو ملاك؟

    - ربَّما – أجابه الشيخ- ولكنَّه على الأغلب أن يكون روحٌ شرير .
    - وماذا بشأن رسم الصليب الّذي لا يخاف منه ذلك الفتى؟ وماذا عن تقبيله للصليب؟ - اعترض عليه الأب الروحي- ما الّذي تقوله بشأن ذلك؟
    أجابه الشيخ: - الشيء ذاته الّذي قلته عن الرؤيا . ثمَّ أكمل بعد برهةٍ من التفكير :

    - إنَّك تعلم وبالطبع تتفق معي بأنه بقدر ما يكون مسلكنا نحو الله سامياً بقدر ما يكون صراعنا مع الشيطان خطيراً ومتنوع الأوجه ولكي يظهر الله قوته فينا ويكشف بهذا أيضاً ضعف الشيطان ، يسمح له الله بأن يعمل ويخدم معنا هكذا كما يريد هو الشرير وحده وكما يكون في مقدوره . ويمكن أن تكون عاقبة هكذا سماحٍ إلهي ألا يكون الصليب مخيفاً بالنسبة للروح الشرير وألا يكون كلُّ ذلك مخيفاً بالنسبة له أيضاً الّذي قد يكون في حالاتٍ أخرى قاتلاً ومخيفاً مثل الغضب الإلهي . / ولكن من الملاحظ في أيامنا كثرة ظهورات الأرواح في هيئة الملائكة أو في هيئة كائناتٍ غامضة من الفضاء الخارجي الّذي يظهرون أحياناً حاملين الصلبان . " يصلون " أو يعلِّمون بأمورٍ فضيلةٍ أو مسيحيةٍ ويقومون باشتراح العجائب أو باشتراح سحرٍ شيطانيٍّ خيالي مبين الّتي تظهر أمامها الصلوات أو حتى القداديس والتكريس المؤداة من قبل الكاهن ضعيفةً : أليس هذا مماثلاً للسماح الإلهي الّذي تمَّ وصفه في الأعلى في أن يعمل الشيطان " كما يريد هو وحده وكما يكون في مقدوره " ، وهكذا لا يكون مخيفاً بالنسبة له ذلك الّذي قد يكون مخيفاً وقاتلاً في حالاتٍ أخرى ، فكون أن ذلك قد سُمِحَ به ليس من جراء سمو سيرتنا الأرضية بل من جراء إلحادنا الداخلي العميق عن الله وعن الإنجيل وعن الأرثوذكسية . تُذكَّرنا تلك الحرية التي تكذب الأرواح الشريرة ويسحرون الناس بها بإعلان الكتاب المقدِّس حول مجيء المسيح الدجال بأنه :" بفعل الشيطان وبكلِّ قدرةٍ وإعلانات ومعجزاتٍ كاذبة أياً كان نوعها وبكلِّ إغواءٍ ظالم يهلك أولئك لسبب أنهم لم يقبلوا محبة الحقِّ خلاصاً لأنفسهم . ولذلك يُرسل لهم الله فعل ضلالٍ لكي يصدِّقوا الباطل ..." ( 2 تسالونيكي2: 9-11 )/ .

    - وما الّذي يجب على الناسك فعله إذا ما تكرَّرت رؤيته- سأله الأب الروحي – ربَّما بالحقيقة قد ظهر له ملاك؟

    - حتى ولو تقبَّل الظاهر هيئة المسيح ذاته – قال له الشيخ- ماذا من ذلك؟ فإنه بعد صعود الرَّبِّ يكون الإيمان به أكثر منفعةً من رؤيته . ينبغي عليه هنا شيئاً واحداً : ألا يعير انتباهه للظاهرة بل أن يقوم بعمله الّذي هو الصلاة . فليظهر له ملاك أيضاً : ماذا في ذلك؟ نحن لدينا أعمالاً وتعاملاتٍ صلاتية مع الله ومع ربِّنا وسيِّدنا وأما بالنسبة للملاك فلا يعدُّ شيئاً أكثر من عبدٍ وخادمٍ له .... فكِّر جيِّداً : أيصحُّ لنا أن نوقف حوارنا مع الرَّبِّ ونبدأه مع خادمه؟ إذا كان قد ظهر لناسكك ملاك الله حقاً فعليه ألا يقبله !... لن يحزن الملاك بتاتاً من عدم اهتمامنا به أثناء الصلاة لأنه عالمٌ بالأهمية الإلهية لتعاملاتنا الصلاتية مع الله وليس أنه لن يلهينا عنها أبداً بل إنه بالعكس ينبغي له أن يوقظنا أكثر نحو أداءٍ مستمرٍّ ودقيق لها . وأما إذا الملاك يُجرح من برودتنا تجاه حضوره ويعيق حواراتنا مع الله فإنَّ هكذا ملاك حتى ولو كان متحلياً بالصلبان بجملته وليس أنه يقوم بتقبيل الصليب فقط فلا تقبله لأنه عدوٌّ!... وهكذا تبقى نصيحتي هي ذاتها : عليه ألا يقبل فحسب بل وعليه ألا يرغب في الشعور بظهورات للعالم الروحي : لأنه لا حاجة ولا فائدة لنا منها وأما أخطارها فلا تنتهي . إنَّنا في عراكنا الفكري نرى بأكثر وضوحٍ عمل القوات المعارضة لبعضها البعض : نحن نعلم كيف يكون الشيطان في هذا العراك من حيث عدم حيائه وفكره النجس وإنَّنا لنرى بوضوحٍ كم هي منيرةٌ وطاهرةٌ وعفيفةٌ هي الملائكة من خلال ظهور أفكارٍ سلاميةٍ وهادئةٍ الّتي يرسلها تلك الملائكة لقلبنا ، في حين أنَّه يُدخلنا الشيطان في أنجاسٍ وأماني خبيثةٍ وبغيةٍ شتى كما يدخلنا إلى حدةِ الغضب وما إلى ذلك . ماذا بعد؟ ما حاجتنا إلى ظهور الملاك الحسي في حين أنَّنا وبدونه نعرف الملائكة جيداً؟

    - ولكي أقنعك بحقيقة أقوالي- تابع الشيخ كلامه- أي بأنه لا يجوز لنا أن نقبل بالظواهر لأنها خطيرة استمع إلى ما سأرويه لك عن جاريَّ الناسك . إنه أثناء الليل فور وقوفه للصلاة كان يبدو له بأنَّ الصليب المعلق على الزاوية الأمامية لقلايته قد أخذ يستنير فجأة بنورٍ يعمي ضياؤه الأبصار ويعدُّ أكثر إشراقاً من نور الشمس . كان سطوع مجد الصليب هذا يعمل في قلب المصلي هكذا بحيث أنه لم يكن باستطاعته أن يسيطر على نفسه من الفرح . وعندما أباح لي الجار بذلك حددتُ من فوري هذه الظاهرة على أنها ألعوبة شيطانية ؛ وفي الواقع كانت لدي الرغبة في اختبار هذه الظاهرة بتجربتي الخاصة . ولذلك ذهبت في الليل إلى جاري . وعندما حلَّ الظلام جلس كلٌّ منا في زاوية مختلفة من زوايا القلاية . " اسمع أيها الأخ – قلتُ لصاحب القلاية- إنه بسبب عدم استحقاقي أظنُّ بأنَّ ذلك النور الّذي يُخرجه صليبك سيكون غير مرئيٍّ بالنسبة لي ولذلك حينما تلاحظ هذه المعجزة قل لي من فورك ." فقال ربُّ البيت:" حسناً." وشرع كلانا يقلِّب مسبحته بصمتٍ في ظلام مساء البرية الداكن . ولم تمضِ ساعةٌ حتى صرخ مستضيفي بصوتِ النصر :" يا أبتاه ! هوذا نور يتدفق من الصليب ؛ إنَّه ليس في استطاعتي حتى النظر إليه .... فرح قلبي لا يُحصى.... إنَّني لا أستطيع معرفة ذاتي من روح هذه الرؤيا ومن شدة حرارة الدفء الإلهي !" قلت هامساً له :" صلِّب " " لا أستطيع يا أبتي – صاح الناسك- فإنَّ الفرح قد أضعفني هكذا بحيث أنه لا قدرة لدي أن أرفع يدي !" " أيُّها الإنسان المسكين !" – قلت أنا بمرارة وبعد أن طرحت بنفسي نحوه صلَّبته " أيُّ المسكين – عدتُ وقلت له – إلى أيِّ مدى وصلت بجهلك وبكبريائك ! أما يزال النور أم أنه قد اختفى بعد؟" – سألت جاري بعد ذلك . " ثمة لا شيء بعد- أجابني- فهوذا المكان الآن مظلم كما كان سابقاً . " أرأيت ما الّذي حصل مع أخينا ." قال الشيخ للأب الروحي.....

    وعندما كان الأب الروحي يعيد عليَّ رواية حديثه مع ذلك الشيخ – يقول كاتب الرسائل- قبلت أقوال الأب الروحي بكامل اقتناعي بعد أن تذكرت القدِّيس نيقيطا حبيس كييف . كان هذا الناسك قد تمَّ تحذيره من تجارب الشيطان : وهذا يعني بأنه يمكن أن يكون القدِّيس نيقيطا أيضاً قد طلب من الملاك الظاهر له أن يرسم إشارة الصليب ، وكما أنَّ الصلاة ذاتها التي كان الشيطان يتمِّمها أمام الحبيس كان من الواجب أن تُرفق في بعض الأماكن برسمٍ لإشارة الصليب وسجدةٍ أمام الإيقونة الّتي لم يكن باستطاعة القدِّيس نيقيطا أن يحيا من دونها . إنه لو لم تتوفر هذه العلامات في صلاة الملاك لكان من السهل على الحبيس أن يُخمِّن ويعرف في هذه الرؤيا المنيرة فعل ملاك الظلام فيها . يعني أنه توجد تجارب من هكذا نوعٍ حيثما يسمح الله للشيطان أن يعمل هكذا بحيث ألا تخيفه الصلاة ولا رسم الصليب وتحيرانه . وبالطبع فإنَّ ذلك يعدُّ من أحكام إلهنا التي لا يدنى منها بعد . ويمكننا أن نعمِّم مما تقدم بأمرٍ واحد فقط وهو: إنَّ كلَّ شيءٍ مهما فعله الرَّبُّ بنا ومهما سمح للشيطان فإنَّ كلَّ ذلك هو من أجل أن نتمكن نحن عابرين من خلال درجات التجربة المختلفة وبوساطة خبرتنا الذاتية من تبرير حقَّانية قوله :" قوتي في الضعف تكمل ." ( 2كورنثوس12: 9 ) ( 8 الرقم 2 الرسالة الثالثة ).

    لقد حصل للشيخ إيلاريون الجيورجي الحدث التالي ( جاهد هذا الشيخ جهاده الروحي على جبل آثوس خلال القرن التاسع عشر ). حينما كان قاطناً في حبسٍ تامٍ في أحد الأبراج لم يكن يستقبل أحداً ولم يخرج إلى أيةِ مكانٍ ، وكان الأبالسة يخوضون ضده معارك قوية . ذات مرة حاول أن يدخل من خلال نافذة الشيخ بعض المصلين كي يحصلوا منه على بركة فاختبأ الشيخ منهم . فانتفع الأبالسة من هذا الحدث لأهدافهم الخاصة وشنوا حصارهم على الشيخ . لقد تسلَّلوا ذات مرة بهيئة حاجٍ من خلال النافذة وانقضوا على الشيخ وأخذوا يقولون بأنهم قد اضطروا للالتجاء إلى هذا التدبير ، لأنَّ الشيخ لم يكن يدع أحداً للدخول إليه ، وأما هم فيرغبون في رؤيته لأنه كان من وطنهم الأم . وعلى أنه قد جاؤوا من أجله من بلدٍ بعيدٍ كلَّ هذا البعد ليطلبوا استشارته في أعمالٍ شتى . بدأ الشيخ يتحدث معهم بعد أن ظنَّهم مصلين حقيقيين وأما الأبالسة فهذا ما كانوا يترقبونه منه . لقد بدؤوا معه حوراً طويلاً حول الوضع الكارثي لشعبهم وكنيستهم وفي النهاية هزأ الأبالسة بالشيخ بعد أن ضربوه بشدةٍ هكذا بحيث أنه قد بقي مستلقياً في فراشه لمدة شهرين دون أن يتمكن من التفوه بكلمةٍ ." ( 15 ص56 ).

  4. #4
    أخ/ت بدأ/ت التفاعل
    التسجيل: Dec 2010
    العضوية: 9338
    الإقامة: سوريا
    العقيدة: الكنيسة الأرثوذكسية / روم أرثوذكس
    هواياتي: التراث الكنسي الأرثوذكسي
    الحالة: Victor Dora غير متواجد حالياً
    المشاركات: 42

    Array

    افتراضي رد: كتاب العلل الخفية للنفس البشرية للكاتب : الأرشمندريت لعازر أباشيدزي الجيورجي

    لا يتعرض إلى هكذا تجارب التي غالباً ما تستمرُّ لمدة طويلة وتكون عاقبتها ثقيلة الرهبان والنساك الّذين يسلكون حياة متوحدة فحسب بل والمسيحيون الّذين يسكنون في العالم كذلك أيضا عندما يخوضون بجهلٍ في جهاداتٍ سامية . إنهم باجتهاداتهم الخاصة تلك يهيجون الأبالسة ، ولكن بما أنَّ جهادهم الروحي لا يكون قويماً فإنه لا يؤدي بهم إلى الأمر الرئيسي أي أنهم بإذلال جسدهم لا يذلون نفسهم بل إنهم يزرعون فيها بشكلٍ لا يُلحظ أشدَّ الكبرياء والرأي الذاتي ، لا يمكن للنعمة الإلهية أن تحفظ هكذا فعلة وإنَّما تسمح من أجل توعيتهم بأن يتمَّ إغواؤهم ويُستهزأ بهم من قبل الشياطين حتى يتواضعوا بوساطة ذلك .

    يروي لنا الأسقف إغناطيوس بريانشانينوف الروسي حدثاً حصل في عصره : كان أحد الجنود يذهب إلى دير لافرا القدِّيس ألكسندر نيفسكي الروسي إلى قدس الأب يوانيكيوس ليأخذ منه الإرشاد الروحي ( وقد كان في هذه الأثناء المطران إغناطيوس المستقبلي يلتجئ إلى هذا المرشد ليأخذ منه النصح الروحي ) وقد كان اسمه بولس وقد كان من المنشقين الّذين قد عادوا إلى الكنيسة الأم منذ فترة وجيزة . كان بولس قبل ذلك مرشداً على المنشقين وقد كان مثقفاً . كان وجه بولس ساطعاً من الفرح . ولكنه بسبب اجتهاده الكبير الملتهب فيه كرَّس بولس ذاته لجهادٍ روحي مفرط وغير منسجم مع بناء جسده ، لأنه لم تكن لديه فكرةٌ كافية حول الجهاد النفسي.

    ذات ليلةٍ كان بولس واقفٌ للصلاة . وفجأةً ظهر نورٌ حول الإيقونات على هيئة شمسٍ وأما في وسطها فتوجد حمامةٌ ناصعة البياض . وسُمع صوتٌ من الحمامة يقول :" اقبلني فأنا الروح القدس وقد أتيت لكي أجعلك مسكناً لي ." فقبل بولس ذلك فرحاً . دخلت الحمامة فيه عن طريق الفم فشعر بولس فجأةٌ وقد كان مرهقاً من الصوم والسهر بشهوةٍ بغية : ترك بولس الصلاة وركض إلى العرين. وأصبحت شهوته الجائعة يستحيل إشباعها . أصبحت كلُّ المطارح وجميع الزواني المتاحة بالنسبة لبولُس مطرحه الدائم . وفي النهاية عرف بولُس نفسه. وعرض إغواءه من جراء الظاهرة الشيطانية وتنجسه مع عواقب الافتتان الروحي في رسالة إلى الراهب الكاهن المتوحد ليونيدِس . وقد ظهرت في رسالته حالة بولس الساقط السابقة الروحية المرموقة . وكان لدى الأسقف إغناطيوس بريانشانينوف الروسي ذاته الفرصة للاطلاع على هذه الرسالة .

    " يتوجب علينا التنويه – يقول سيِّدنا إغناطيوس- بأن الروح الشرير الساقط والراغب في أن يسيطر على مجاهد المسيح لا يعمل بسيادة فيه بل إنما يبحث عن طريقةٍ ليجذب بها موافقة الإنسان بالإغواء المقترح عليه وبعد أن يحصل على الموافقة فإنه يسود على الإنسان الموافق على ذلك..... وأما الروح القدس فيأتي بسلطانه الذاتي بصفته إلهاً في ذلك الزمان حينما الإنسان المتواضع والّذي أذلَّ نفسه لا يكون في انتظار مجيئه البتة . ويُغيَّر ذهنه وقلبه فجأةً . ويشمل بفعله إرادة ومواهب الإنسان كلِّها ، والّذي لا تكون لديه الفرصة ليفكِّر في الفعل الحاصل فيه ." ( 9 الجزء الخامس ص49-50 ).

    وإليكم حدثاً آخر الّذي لم يمر على حصوله وقتٌ طويلٌ ، وقد رواه لي أحد الرهبان المبتدئين . لقد حصلت هذه القصة المؤلمة مع أخيه بالجسد ، الّذي كان هو معه قد اقبلا كلاهما نحو الإيمان المسيحي وشرعا في الذهاب إلى الكنيسة وفي التجوال حول الأماكن المقدَّسة وزيارة الأديرة . شرع الإخوان في مطالعة الآباء القدِّيسين وإتمام صلاة يسوع . ولكن على ما يبدو فإنَّ أخ الراهب المبتدئ قد أنحرف في تلك التمارين عن المسلك القويم ولأجل هذا قد حدث له التالي : ذات مرةٍ عندما كان وحده في البيت مصلياً ظهر أمامه شيطانٌ قذر وبدأ يعيق صلاته ، ولكنَّ الأخ لم يرتعب وبدأ يحاور الشيطان بشجاعةٍ . وأخذ ينصحه في التوبة وشرع يشرح له عن رحمة الله التي يفوقها الوصف وبأنَّ الله في إمكانه حتى إياه أن يرحم إذا ما هو – أي الشيطان- تاب . بدا الشيطان وكأنه يستمع إليه بانتباهٍ فتفكَّر بعدئذٍ بجديةٍ وتقبل في النهاية هيئة التائب وابتدأ يصلي ويئن ويسجد للإيقونة وعلى العموم عبر بكامل هيئته عن تخشع وتوبة عميقين لما قد فعله من شرٍّ ، وكان يردِّد بأنه يترقب رأفةً قريبة . كان الأخ يتابع كالمسحور أفعاله ( على ما يبدو بسرورٍ داخليٍّ ) . وها أنه بالحقيقة قد هبطت على الشيطان بعد برهةٍ من الوقت سحابةٌ منيرة وكأنها نورٌ ونعمةٌ وعلى مرأى الفتى المسرود تحول الشيطان إلى ملاكِ نورٍ وقال في النهاية بأنه مدين بالشكر للأخ . اقترح عليه الشيطان السابق بأن يصبح حارساً دائماً وأميناً للأخ . كان الأخ في حالةٍ من الحماسة لا توصف وليس على بعضه من السعادة فوافق على ذلك . دخل الملاك و.... أخذ الأخ في الجنون وفي الصراخ والتعيير بأقوالٍ رهيبةٍ وبدأ بكسر الإيقونات وبرميها على النافذة وباقتراف أشياءَ أخرى رهيبة . وهو كتواجد الآن في مشفى الأمراض العقلية . وإنه يسكن أحياناً في بيته مع ذويه ولكن عندما يتفاقم مرضه يتوجب عليه أن يعود إلى المستشفى لأنه حينئذٍ تكون أعماله قذرةً . ولكنه ما أن يتحسَّن يصبح بمقدوره أن يصليَّ قليلاً . بعث أخوه الراهب المبتدئ طلباً إلى الكثير من الأديرة ليصلوا لأخيه المسكين . وإليكم أمثلةً حول كيف أنَّ التواضع الحقيقي يتهرَّب بسهولة من فخاخٍ مماثلة .

    ظهر الشيطان لأحد الإخوة ، على هيئة ملاك النور وقال له :" أنا هو رئيس الملائكة جبرائيل وقد أُرسلت إليك ." أجابه الراهب :" تحقَّق ربَّما قد تكون مرسلاً إلى أحدٍ آخر؟ لأني أنا لست بمستحقٍّ أن تأتيَّ إليَّ ملائكةٌ مرسلون ." فاختفى الشيطان من فوره . وكان الشيوخ يقولون :" حتى ولو ظهر لك بالحقيقة ملاكٌ لا تقبله بيسرٍ ، ولكن تواضعْ قائلاً : إنَّني أنا بما أنَّني قاطنٌ بكليتي في الخطايا فلست مستحقَّاً برؤية الملائكة ." ( 11 المجلد 4801 ص134 ).

    ويُروى عن شيخٍ آخر أيضاً الّذي كان يعيش حياة السكينة في قلايته فاحتمل تجارب شيطانية . وعلى ما يبدو فإنَّ أبالسةً كانوا قد ظهروا له ولكنه احتقرها . وإنَّ الشيطان بعدما رأى بأنه قد غُلب من قبل الشيخ ظهر له وقال :" أنا هو المسيح !" فأغمض الشيخ عينيه . فعاد الشيطان وقال :" أنا هو المسيح فلِمَ تغمض عينيك؟" فأجاب الشيخ :" إنَّني لست راغباً في رؤية المسيح هنا بل في الحياة الأبدية ." وبعد ذلك لم يظهر له الشيطان البتة . ( 11 المجلد 481 ص135 ).

    يتوجب علينا التنويه بأنَّ ظهور ملائكة قدِّيسين مرسلين من الله بالحقيقة يُعطى لأولئك المسيحيين المتواضعين الودعاء فقط الّذين هم خارج خطر الكبرياء والوقوع في الغرور فيضرون أنفسهم بذلك .

    ذات مرة حينما كان القدِّيس مكاريوس الكبير جالساً في قلايته ظهر أمامه ملاك مرسل من الله وقال له :" يا مكاريوس ! لا تخف من هجوم الأعداء الغير المنظورين لأنَّ سيِّدنا الصالح لن يتنحى عنك ولن يكفَّ عن تعضيدك ، كن شُجاعاً وتثبَّت غالباً بشجاعةٍ رئاسات وسلاطين العدو ./ إنَّ الرئاسات والسلاطين هم بحسب تعليم القدِّيس ديونيسيوس الأريوباغي حول الرتب السماوية – قواتٌ عدم الأجساد من الرتبة الملائكية الثالثة- الرتبة الأولى ومن الرتبة الملائكية الثانية – الرتبة الثالثة . ويقصد بهم هما الملائكة الساقطة المفتونة من قبل الشيطان . ( ملاحظة المترجم البلغاري )/ ؛ ولكن لا تتعالى بعملك لكي لا تتركك المعونة الإلهية وكيلا تسقط سقطةً كبيرةً ."أجاب مكاريوس المغبوط مبتلاً بالدموع:" وبماذا أتعالى في حين تتغذى نفسي على مثال المرأة البغية الفاجرة من رجس الأفكار النجسة المجلوبة لها من قبل الأبالسة ." يقول القدِّيس إغناطيوس بريانشانينوف الروسي بأنه كان قد توصل مكاريوس الكبير إلى هكذا تواضع عميق بوساطة التعمُّق الذاتي الّذي قد أعطاه إياه عمله الذكي . لقد رأى مكاريوس في ذاته سقطة الإنسان وحواره مع الأبالسة ." ( 11 المجلد 284 ص8 ).

    يقول سيِّدنا إغناطيوس الروسي :" يستحيل على الإنسان المتواجد في منطقة الحكمة الجسدانية ولم يسبق أن حصل على نظرةٍ روحيةٍ على طبيعته الساقطة ألا يدفع ثمناً ما عن أعماله وألا يعترف باستحقاق ما على نفسه مهما نطق إنسانٌ كهذا بكلماتٍ متواضعة ومهما بدا متواضعاً في الخارج . لا يعدُّ التواضع الحقيقي من سمات الحكمة الجسدانية وليس من الممكن أن يكون له هذا التواضع : التواضع : هو ملك الذهن الروحي . يقول مرقس الناسك البار :" إنَّ أولئك الّذين لم يسبق لهم أن صاروا ممنونين لكل وصية من وصايا المسيح يكرِّمون ناموس الله بالجسد بدون أن يعوا الّذي ينطقون به ولا حتى الّذي هو عليه مرتكز . وفضلاً عن ذلك فهم يرغبون بتتميمه بوساطة الأعمال ." يتبين من كلام الأب البار بأنَّ ذاك الّذي يعترف لنفسه بعملٍ صالح هو قابعٌ في حالة من الافتنان الذاتي . وتكون هذه الحالة أساساً للإغواء الشيطاني : إذ يجد الملاك الساقط ميناءً له في مفهوم الإنسان المسيحي الكاذب المتشامخ ويقوم بتطعيم إغوائه الخاصة إلى جانب ذلك المفهوم برياحة وبوساطة الإغواء يقوم بإخ2ضاع الإنسان أيضاً لسلطانه ويرمي به إلى ذلك الافتنان المدعو بالشيطاني . يتبيَّن من الاختبارات المشار إليها بأنَّه لا أحد من الناس المفتونين قد أعترف بعدم استحقاقه في رؤية الملائكة معترفاً لذاته بالتالي باستحقاقٍ ما . لا يمكن للإنسان الجسداني النفساني التفكير بنفسه بطريقة أخرى ."

    وهكذا فإنه لا يمكننا أن نثق بكلِّ اندفاعٍ صالح أو حركة فينا كما يبدو لنا وإنَّما يتوجب علينا أن نميِّز الخير الحقيقي المسيحي والإنجيلي من الخير الكاذب الضار بالنفس الّذي يفصلنا عن الله .

  5. #5
    المشرفة الصورة الرمزية Seham Haddad
    التسجيل: Apr 2008
    العضوية: 2961
    الإقامة: jordan
    الجنس: female
    العقيدة: الكنيسة الأرثوذكسية / روم أرثوذكس
    هواياتي: الرسم , المطالعة الروحية
    الحالة: Seham Haddad غير متواجد حالياً
    المشاركات: 1,365

    Array

    افتراضي رد: كتاب العلل الخفية للنفس البشرية للكاتب : الأرشمندريت لعازر أباشيدزي الجيورجي

    شكراً لك اخي فكتور على الترجمة الرائعة والمفيدة
    بارك الرب تعب محبتك
    اشكرك كثيراً على الامثلة الكثيرة والمفيدة من حياة الاباءالقديسين والنساك
    كثيراً ما نتحاور بافكار تخطر في بالنا ونظن انها روحية وتكون مفيدة لانفسنا لكننا لا نعرف الى اين ستودي بنا
    مهما قمنا بامور ذات منفعة
    وعلينا ان ندرك انها لنا تؤثر على مسلكنا الروحي او انه سيلهينا او قد يسبب ذلك تهاون او كسل روحي يتضاعف ونظنن بافكارنا اننا نقوم بواجبنا
    كخدمة غيرنا اولى من انفسنا
    وهكذا مع قبول هكذا افكار ستتأثر حياتنا الروحيه جدا ولن ندرك عمق ذكا الشيطان بان يلهينا عن انفسنا ولن نقوم بجهادات روحيه لنفوسنا
    ظانين اننا نتعب من اجل غيرنا والله سيكأفئنا
    ليرحمنا الرب

    †††التوقيع†††

    إن أخطر أمراض النفس وأشر الكوارث والنكبات، هي عدم معرفة الذي خلق الكل لأجل الإنسان ووهبه عقلاً وأعطاه كلمة بها يسمو إلى فوق وتصير له شركة مع الله، متأملاً وممجدًا إيّاه.

    [SIGPIC][/SIGPIC]
    ان مت قبل ان تموت فلن تموت عندما
    تموت


    ايها الرب يسوع المسيح يا ابن الله ارحمني انا الخاطئة

  6. #6
    المشرفة العامة
    فريق عمل الشبكة
    الصورة الرمزية Nahla Nicolas
    التسجيل: Apr 2008
    العضوية: 2868
    الإقامة: venezuela
    هواياتي: المطالعة
    الحالة: Nahla Nicolas غير متواجد حالياً
    المشاركات: 2,897

    Array

    افتراضي رد: كتاب العلل الخفية للنفس البشرية للكاتب : الأرشمندريت لعازر أباشيدزي الجيورجي

    الشيطان اضعف مما نتصور ولكن نحن الذين نجعله شاطر بتهاونا ونحن رغم قله خبرتنا وتعالينا لانتواضع قط فهزيمه الشبطان اسهل مايكون فقط نتذكر ان الله اعطانا ان نغلبه وذلك ليس بالقوه ولكن بالتواضع فلنصلى بتواضع ونطلب ان يقوى الرب ضعفنا
    ليحمنا الله من شرهم ويطفئ سهامهم الملتهبة نارا.
    فليعطنا الله السهر الدائم، والتوبة النقية، والثمر المتكاثر لحساب ملكوت ربنا الذي له المجد الدائم إلي الأبد. آمين.
    بركة الرب ونوره ترافقك مدى الحياة

  7. #7
    أخ/ت بدأ/ت التفاعل
    التسجيل: Dec 2010
    العضوية: 9338
    الإقامة: سوريا
    العقيدة: الكنيسة الأرثوذكسية / روم أرثوذكس
    هواياتي: التراث الكنسي الأرثوذكسي
    الحالة: Victor Dora غير متواجد حالياً
    المشاركات: 42

    Array

    افتراضي رد: كتاب العلل الخفية للنفس البشرية للكاتب : الأرشمندريت لعازر أباشيدزي الجيورجي

    معكِ حق أخت سهام كثيراً ما نتحاور ونظنُّ أنَّ بحوارِنا سنفيد الآخرين ولكنَّ الضرر منه يكون أحياناً كثيرةً أكثر من المنفعة باركك الله وأعانك في ضعفِك وأنا أشكر الأخت نهلة على هذا التوضيح الّذي كتبته بارككما الله

المواضيع المتشابهه

  1. مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2012-06-04, 09:53 AM
  2. كتاب العلل الخفية للنفس البشرية للكاتب : الأرشمندريت لعازر أباشيدزي الجيور
    بواسطة Victor Dora في المنتدى عظات وكلمات آبائية نافعة
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2012-05-14, 03:01 PM
  3. كتاب العلل الخفية للنفس البشرية للكاتب : الأرشمندريت لعازر أباشيدزي الجيور
    بواسطة Victor Dora في المنتدى عظات وكلمات آبائية نافعة
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2012-04-27, 05:48 AM
  4. كتاب العلل الخفية للنفس البشرية للكاتب : الأرشمندريت لعازر أباشيدزي الجيور
    بواسطة Victor Dora في المنتدى عظات وكلمات آبائية نافعة
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2012-04-07, 10:06 AM
  5. كتاب الضعفات الروحيَّة للنفس البشرية للكاتب : الأرشمندريت لعازر أباشيدزي ا
    بواسطة Victor Dora في المنتدى عظات وكلمات آبائية نافعة
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2012-03-26, 05:54 AM

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •