منقول عن صحيفة الجمهورية


أســـقـــف العـــربـــيـــة


الأربعاء 30 أيار 2012
مازن ح. عبّود

دخل أسقف العربية إلى المسرح ممسكاً يد شمّاسه. فالعمر الذي لم يستطع أن ينال من فكره، قد نال من جسده. بدا ممتنّاً للموارنة، وتكريمهم له. فلم يخفَ الموضوع عني.
فما قامت به الرهبنة الأنطونية وجامعتها لم يقم به الأورثوذكس. وصل إلى المنبر وسط التصفيق. إعتلاه وتكلّم. فإذا هو فكر وقّاد. شكر المكرّمين على لقب استحقّه، لمّا أخرج الفصحى من خزائنها وسَبَكها لاهوتاً مشرقيّاً، فبرهن أنّ المسيحيين يمتهنون العربية أيضاً. أطلّ بكلتا العينين اللتين عرفتهما طفلاً، يوم كان يتكرّم عليّ فيجالسني لمناقشة الأمور الإلهية. نعم لم تتغيّر روحه وهو في عتبة التسعين، لا بل ازدادت "طراوة". طراوة قد أتى بها من معلّمه المشرقي الأول.

ارتقى المنبر، مَن جعل قومه يتكلّمون لغة واحدة، وتكلّم عن مصحفه "لو حكيت مسرى الطفولة"، على رغم أنّ للعروبة مصحفاً واحداً، فعلى ما يبدو إنّ لجورج خضر "عروبة" من صنعه أيضاً.

بان "العَلَمُ" هذه المرة، يتحضّر إلى الرحيل. فظهرت في كلمته عبارات: "البكاء على أقدام المصلوب" و"الرحمة العظمى" و"الاستغفار لئّلا أطرح خارج الحنان"، و"المهم أن يكتبنا الرب في سجل الحياة"... خرج عن المكتوب فأبلغنا أنّه يرتعب من ساعة الدينونة لأنّه سَيُدان حتماً. إلّا أنّه بدا واثقاً من محبّة العذراء التي ستلتمس له الخلاص، إذ إنّه كان أسقفاً محبّاً. "جورج خضر" أسقف العربية "المجروح" الذي يؤمن بأنّ الذكاء "لا ينقذ أحدا". هو الأسقف المهتمّ بإرضاء الله لكسر الآية: «ندم الرب أنّه صنع الإنسان على الأرض (6:6). هو الحبر المنشغل بمصائر ستّين مليار مسيحيّ ولدوا على هذه الأرض حتى اليوم. لكنّه أيضاً المتسلّح ببعض من رسالة بولس إلى العبرانيين: «ما الإنسان حتى تذكره أو ابن الإنسان حتى تفتقده» (2: 6)، و«بمجد وكرامة كلّلته». فيكون بذلك أيضاً مدعواً إلى المجد والكرامة.

ويتألّم في كلمته عن نفسه وعن الأحبار لأنّ "تقصيراتنا تشكّل جرحاً دائماً للمسيح". إنّه الحبر الحزين الذي يرى كنيسته تتحوّل إلى "تجمّع بشري فيه تفاهة كبيرة". وهو الحبر الفرح أيضاً عندما "يلتمع فيها ضياء القدّيسين".

حسبه أنّ سر نيل عقول الناس، عشق الله. فلا علماء في الله ما لم يكونوا "إلهيين أي غير بادئين مع الزمان"، كما يقول.

وتراه يدعو إلى تجدّد أزلية الله في الإنسان، كما في يسوع، وفق ما يرتّل في كنيسته. وفهمه لذلك ما كان ليتمّ لولا "الطراوة" التي هي نتاج خمسين عاماً من الخبرة. و"العلم" يكره في الحضارة الغربية انصبابها على "العقل المحض، وتأسيسها للإنسانوية المنعزلة عمّا هو فوق"، واعتبارها القلب "انفعالاً أو تحرّكاً عاطفيّاً بحت". فالعقل بالنسبة إليه ليس "المكان الوحيد للمعرفة". كيف لا وهو رجل العاطفة الجيّاشة.

وابن "باسيليوس الكبير" الذي يقول: "إنّ العقل وحده هو أداة المعرفة للطبيعة وعلومها، وإنّ الكشف الإلهي أداة معرفة الله". إنّ العقل بالنسبة إليه "ينزل إلى القلب، فيقتبس الطراوة"، ثمّ "يصعد إلى نفسه حرّاً من جموده مملوءًا حبّاً لتتمّ فيه استقامة الرأي ويبدو هكذا الإنسان واحداً حرّاً من محدوديّة العقل ومن انفعالية القلب". أوروبا الشرقية والشرق الأدنى حضرا في كلمته أيضاً التي اختتمها بدعوة الله إلى حكم الأرض بعد أن تعذّر على الناس حكمها معتبراً أنّه: "ليس مهمّاً أن يكتب الإنسان عن نفسه كلّها، المهمّ أن يكتبنا الرب في سجل الحياة".

وكما دخل المسرح خرج منه ممسكاً يد شماسه، وعيناه الخضراوان تتطلعان إلى فوق، إلى أبعد من ترهّل الجسد وزلّات العواطف. فناشدته في سكوتي، قائلاً: "سيّدي وأبي، إسمحوا لي أن أقول لكم: "يا حبراً علّمتني منذ صباي، كيف أتحمّل آلام الصلب في الكنيسة، إبقَ في فؤاد كلّ من عرفك رمزاً جامعاً لكلّ أطياف الناس، وتجاوزْ ضعف جسدك وعاطفتك البشرية، كما علمتنا.

ولا تنسَ يا سيّدنا أبداً أن تقتحم الأبواب التي بدأت تقفل ما بين حارتكم ومحيطها، إقتحمْ أبواب الخوف كي يتشارك قومكم مع محيطهم الثائر على سجّانيه، فيكونوا بذلك قد ناصروا ما آمنوا به، حتى لو تحوّلوا بدورهم إلى أضاحي غد آت لا محالة". 

العدد 370 | 30 أيار 2012 لبنان
الصفحة 1
[/code][/liturgy]