بماذا يختلف الخير الإنجيلي عن الخير البشري؟

إنَّ الناس الّذين لا يفقهون الأسس الروحية لتلك الأمور الحاصلة في العالم يحكمون على الأعمال البشرية بشكلٍ سطحيٍّ جداً ويقسمون أفعال الإنسان إلى أفعال خاطئة على ما يبدو وأفعال شريرة وأفعال صالحة خيرة ممدوحةٌ من حيث ظهورها الخارجي فقط مجتهدين في أن يضعوا بين الواحدة والأخرى حدوداً تقريبيةً ما مرتكزين على أكثر المقاييس الغير المحددة والغير الثابتة حول الخير والشر بحسب نواميس هذا العالم . إنَّ العالم بحدِّ ذاته لا يمتلك ذلك الحق الّذي بإمكانه أن يكشف له قيمة الأشياء الحقيقية : إنَّ ناموساً واحداً فحسب هو الّذي يعطي تحديداً واضحاً حول ما هي الخطيئة وما هو صالح أية ناموس وما هو هذا الناموس – إنه الناموس الإنجيلي . تحاول نواميس هذا العالم في بعض المسائل أن تتشابه مع النواميس المسيحية ولكنَّ ذلك يكون من الخارج فقط : وأما عملياً فيكون كلُّ شيءٍ مختلفاً هناك .

إنه بعد السقوط بالرغم من أنه استُعبد الإنسان للخطيئة وقد صار متوحشاً ومريضاً وغضوباً فإنه مع ذلك يحفظ بعضاً من براعم الخير الطبيعي الموضوعة فيه من قبل الخالق عند خلقه بالرغم من أنَّ هذه البراعم لا تمتلك بعد الطهارة والقداسة بل إنها قد مُلِئت بسمِّ الخطيئة . وقد بدأ الإنسان على هذه الأُسس الوضيعة بالذات يبني معرفه حول الخير والأخلاق وحول المحبة والعدالة . لكنَّ "حقَّاً" بشرياً مدنساً من الدنس كهذا لا يمكنه أن يُعلِّم الإنسان على الخير الحقيقي ، لا يمكنه أن يُحيي ويشفي نفسه ، بل بالأحرى يُدخلها في ضلالٍ كبير .

يقوم الناس الغير المؤمنون أيضاً بما ليس بقليلٍ من الأعمال الجميلة وعلى ما يبدو بأعمال يستحقُّ المديح بها إنهم يقومون بالكثير من الفضائل ، ومساعي المحبة والرحمة والتضحية ؛ وأحياناً ما يبذلون حياتهم في سبيل شعبهم أو قريبهم ويعطون آخر رغيفٍ من الخبز تبقت لهم للجوعان ويساعدون بعضهم بعضاً عندما تحلُّ بهم المصيبة مضحين بملكيتهم من أجل أعمالٍ صالحة مختلفة ؛ ومن الممكن أن توجد هنالك مواقف مذهلة وبطولية فإنه من الممكن أن تُقدَّم هكذا أمثلةً بحيث يتأثر الجميع منها حتى أعماق نفسهم . وكلُّ تلك المظاهر لو لم تبنى على أساس الإنجيل وإذا لم تكن نابعة من أعماق النفس المسيحية المؤمنة فإنَّ كلُّ ذلك الّذي يعدُّ غايةً في المدح يكون نجساً ومنجساً من السقوط الإنساني ، وليس له عند الله تلك القيمة الّتي يضفيها عليه البشر . إنَّ هذه الحقيقة المهمة لا يمكن للكثيرين قبولها . عند سماعهم لهذا الكلام بعض الناس يستنكرون وينزعجون وأما آخرون فيغضبون منه .

وهذا يبدو غريباً حقاً فإنَّ الإنسان يقوم ببطولةٍ كبيرةٍ ، يضحي بحياته من أجل قريبه ، إنه يموت من أجل أن يحيا أحدٌ ما آخر بسعادةٍ وبالرغم من ذلك يمكن أن يوجد هنالك موضعٌ للشك بأنَّ نفس بطل كهذا قد خُلِّصت؟ أيمكن أن يكون مهدداً بالجحيم؟ أيُعقل لتصرُّف كهذا ألا يغسل كلَّ الخطايا البشرية؟ - إنَّ ذلك قاسٍ على السمع . ولكن للنظر من جهةٍ أخرى : إنه لو كان هذا البطل لم يستقِ قواه للعمل البطولي من أجل المسيح وليس بدافع من التعليم الإنجيلي ولا بدافعٍ من إيمانه المسيحي وإنه لو لم تكن قد تمت هذه التضحية الذاتية بقوة المسيح وليس باسم الله فيمكن أن ينتج حينئذٍ أنه من دون الإيمان ومن دون فداء المسيح يمكن للإنسان أن يخلُص . ويمكن لهذا أن يعني بأنَّه في الإنسان الساقط ذاته قد حُفظت تلك القوة والطهارة الكافيتين لإحيائه ولهذا يمكن للإنسان أن ينتزع نفسه لوحده من سلاسل الخطيئة . وما كانت الحاجة حينها من ذبيحة الجلجثة وما الغرض من تعليم المسيح والإنجيل والكنيسة؟ وما الحاجة إلى الأسرار والصلوات والأصوام والجهادات المسيحية الروحية؟ إنه يكفي حينئذٍ رغبةً وقوةَ إرادةٍ واحدة منا حتى الإيمان لم يكن له من حاجةٍ؟..... كيف من الممكن أن يكون هذا؟

تكمن المسألة في أنَّ القيام بالأعمال الصالحة الرائعة والممدوحة والقيام بأعمال الإيمان ليس سواءٌ ! فإنَّ الأعمال الصالحة المُقام بها بدون إيمانٍ ومن دون الله هي مكرَّسة لهذا العالم ومن قبل هذا العالم تجني مكافآتها وهي : المجد والكرامة والاحترام . وهي غريبةٌ على المجد السماوي الأبدي . وأما أعمال الإيمان فهي مكرَّسةً لله من الداخل ويتمَّ تنفيذها بالصلاة والتوجه إلى الله بصراحة قدر الإمكان على أن يعرف عنها الله فقط وتثير هكذا أعمال أقل ما يمكن من الدهشة الخارجية ولهذا يقبلهما الرَّبُّ وإنه سيعطي عنها المجد في الحياة الآتية .

ومن الغير القويم إطلاقاً أن نحسب بأنَّ خلاص النفس ووراثة الملكوت السماوي يتعلقان مباشرةً بأعمالنا الصالحة . إنَّ الله يرحم ويخلِّص الإنسان ليس من أجل أعماله الصالحة بل من أجل قلبه المؤمن المتخشع والمتواضع . وبالطبع لا يجوز أن يكون هنالك إيمانٌ بدونِ أعمالٍ ، إنَّ الإيمان سيتجسد في أعمالٍ معينة وحتماً ستكون هذه الأعمال هي الأكثر صلاحاً وقداسةً ، بما أنَّ الرَّبَّ نفسه هو من يعلِّم بها .

ولهذا ليس من القويم أن يبشَّر للناس حول خيرٍ ما عام وأن يوعَظوا بأن يحبوا القريب وأن يكونوا رحماء وصالحين بدون أن يُحكى لهم عند ذلك بأنهم لن يقدروا أن يفعلوا ذلك إطلاقاً على نحوٍ قويمٍ ومقدَّسٍ ومرضٍ لله بدون معونة التعليم الإنجيلي ومن دون الكنيسة ومن دون نعمة الروح القدس التي بإمكانهم أن يحصلوا عليها في الهيكل فقط بوساطة الأسرار المقدَّسة . إذا لم يُقال هذا سيظنُّ الناس بأنهم لو أرادوا فبإمكانهم أن يحلُّوا مشاكلهم على نحوٍ رائعٍ من دون الكنيسة ومن دون الأسرار وبدون نعمة الروح القدس وبدون المسيح .

غالباً ما تتمَّ في العالم التصرفات الحسنة ولكن الأغلب ما تكون من بينها هي التصرفات الشريرة . وإنَّ خطايا العالم هي الأكثر تحسيناً والأكثر ما تنوعاً مما هي الأعمال الصالحة فيه . إنَّ هذه الخطايا هي قريبةٌ للغاية إلى هكذا صلاحٍ حتى وكأنه لا يوجد تناقض فيما بينها . إنَّ الشخص عينه الّذي يمدحه الجميع من أجل أعماله الصالحة يرتكب من فوره كثرةً من الأعمال الشريرة ، والتي لا يعيرها أحدٌ انتباهاً . يقوم بطل العالم بتصرف فدائي مذهل ما ومن بعد ذلك يقوم بعمل شيء يكون الأكثر خبثاً ووطأةً من جميع الأعمال الشريرة . هكذا هي فضائل هذا العالم : تترافق هنا المحبة والبغض توجد هنا التضحية والبطولة والرحمة وتكون الأنانية وحبُّ الذات والعظمة مترافقة معها . وفي الواقع ترتكز إحداهما والأخرى على أهواءٍ مهلكةٍ . وكأنَّ الخير موجودٌ هنا لكي يعطي ويضفي على الخطيئة لذةً أكبر ويحسن من مذاقها . يشرب الخير ذاته في جذوره من الماء المدنس وتصمُّ الأفكار السرية المتكبرة والمُحِبَّة للمجد من فورها كلَّ ميلٍ صريحٍ للنفس الّذي بالكاد ما يكون سامياً .

يقول القدِّيس إغناطيوس بريانشانينوف الروسي :

" إنَّ القائم بالحق البشري هو ممتلئٌ بالغرور والعظمة والافتتان الذاتي ، إنه يبشِّر ويشيد بنفسه وبأعماله دون أن يعير أية اهتمام لتحريم الرَّبِّ ( متى6: 1-18 ): إنه يجازي بالانتقام والبغضاء أولئك الّذين تجاسروا على أن يفتحوا أفواههم ولديهم أكبر حجةٍ وحسن نيةٍ لكي يناقضوا حقه : إنه يعترف بذاته على أنه مستحقٌّ وفائق الاستحقاق للمكافآت الأرضية والسماوية . والعكس صحيح فإنَّ القائم بالوصايا الإنجيلية هو دوماً منغمس في التواضع : مقارناً نفسه بسموِّ وطهارةِ الوصايا الكلي قدسها وإنه يعترف باستمرار عند تنفيذها بأنَّ تنفيذه هذا هو غير كافٍ وغير مستحقٍ إطلاقاً لله إنه يرى ذاته كمستحقٍ للعقوبات الزمنية والأبدية من أجل خطاياه ومن أجل شركته الغير المفصولة مع الشيطان ومن أجل سقوط البشرية العام ومن أجل سكناه الشخصي في هذا السقوط وأخيراً بسبب تنفيذه الغير الكافي للوصايا الإلهية والمناقض لها في أغلبية الأحيان ." ( 9 الجزء الخامس ص36 ).

" إذا ألهمتك فكرةٌ ما صالحةٌ فتوقف لا تسعى إلى تنفيذها بتسرُعٍ وبلا تفكير . إذا شعرت في قلبك بميلٍ ما صالحٍ فتوقف : لا تتجاسر أن تنقاد إليه . تأمل في الإنجيل وانظر بالمقارنة به هل هذه الفكرة الصالحة وميلك القلبي الصالح يتوافقان مع تعليم الرَّبِّ الكليُّ قدسه . وسترى عما قريب بأنه لا يوجد أية توافق بين الخير الإنجيلي وخير الطبيعة البشرية الساقطة . فإنَّ خير الطبيعة الساقطة ممزوج بالشر ولهذا السبب قد أصبح الخير ذاته شرَّاً كما يصبح الطعام الطازج والصالح ساماً حين مزجه بالسم . احفظ ذاتك من القيام بخير الطبيعة البشرية الساقطة ! إنك حينما تقوم بهذا الخير فستقوم بتطوير سقطتك ، ستطور غرورك وكبرياءك وستكتسب هيئةً قريبةً من هيئة الأبالسة . وبالعكس حينما تقوم بالخير الإنجيلي كتلميذٍ حقيقي ووفي للإله المتأنِّس فستصبح مماثلاً له ." ( 9 الجزء الخامس ص35 ).

إنه من المهمِّ في كلِّ عملٍ صالحٍ أن يُنظر إلى أعماق القلب ، إلى مكامن أفكارنا القلبية . يُجذب ويُقيَّم كلُّ عملٍ من قبل أن نُقدِمَ على تنفيذه من قِبَلِ قوانا الداخلية فيتمُّ هنالك ما يشابه المؤتمر السري : فيقول القلب " معه " و " ضدَّه " الخاصتين به وكذلك ذهننا بالإضافة إلى حواسنا وجسدنا وأهوائنا وتعلقاتنا وضعفاتنا فيحاول كلُّ شيءٍ هنا أن يقول كلمته ؛ وإذا ما كان سيصدر في هذا المؤتمر حكمٌ عادلٌ ويُحكم على العمل بحسب نواميس المسيح فإنه سيُنفذ لصالح خلاص النفس . وأما إذا سُمِح للخبث بالتوغل في الحكم لصالح هوىً ما مع الفكر السري بأن يُشبع ذلك الهوى فإنَّ العمل المُقام به مهما بدا ذو هيئة خارجية صالحة فسيجلب للنفس بالأحرى ضرراً أكثر من الفائدة . إنَّ التصرف الأكثر استصغاراً والّذي بالكاد تتم ملاحظته وكلُّ خطوةٍ لنا تكون مترافقة في داخلنا من قبل هذا التكريس الداخلي باسم شيءٍ ما ويتمُّ تنفيذه إما من أجل الأمور الأرضية أو من أجل السماوية ، وإما من أجل الأمور الإلهية أو من أجل البشرية . وغالباً ما تكون لهذا التكريس ذاته أهمية أكبر مما للعمل الخارجي الذي يتم تنفيذه وفيه بالذات تكمن قيمة العمل المُنفَّذِ أمام حضرة الله .