عندما يكون الله غائباً فإنَّه يكون حاضراً بشدَّةٍ في قلبك أحياناً يفتر عندك أنت أيضاً أيُّها المسيحي الغيور الّذي تتوب عن خطاياك بعد فترة معينة من الوقت لهب الجمر المشتعل الّذي كان يجعل قلبك تقدمة سلامية لله وقد همد البركان الّذي المتأجِّجِ فيك وهمد إيمانك الّذي كانُ يغلي ويتأجج فيك.... ولكنَّه الآن أخذ يبرد وأما أنت فتتردد وتضطرب وتذهب إلى أبيك الروحي قائلاً له هكذا : - لقد تغيَّرت لست الآن ذلك الشخص الذي كنته سابقاً . ليست لديَّ الآن الرغبة الكافية لأخوض الحياة الروحية . لذلك أتأخر عن الكنيسة أيضاً ، لا أقصدها باكراً ولا أشعر بالكثير من الأمور التي كنت أعيشها سابقاً . إنَّك تبدأ بالتردُّد .... إنَّ هذا سرٌّ عظيمٌ جداً الّذي – انتبه إلى ما سأقوله لك – يحصل مع جميع الناس . يجب علينا أن نكون صرحاء أرضيين وحقيقيين وأن نعلم بأنَّ ذلك يحدث مع جميع المسيحيين الّذين يسعون روحياً . إنَّ الجميع قد مرُّوا وسيمرُّون عبر هذا الدرب . عندما تتعرَّف على المسيح فإنك تعيش الأعجوبة والانذهال . ولكن المسيح يتخلَّى عنك ليس بعد ذلك بكثير . بأيِّ معنى يتخلَّى عنك؟ إنه يتخلَّى عنك تربوياً أي إنَّه يريدك أن تبذل جهوداً وأن تكسب بتعبك وصراعك الخاص تلك الأعجوبة الّتي سبق لك أن عشتها بالموهبة منه . دعوني أقول ذلك بالمثال الّذي أعطاه الشيخ يوسف الهدوئي للأب أفرام . كان كلاهما يعيشان معاً على تلةٍ واحدة في الجبل المقدَّس . وذات مرَّةٍ كانا ينظران باتجاه البحر . وقد مرَّت سفينةٌ ما عبر البحر وكانت الريح تهبُّ فكانت السفينة تتحرَّك بدون أيَّّة عائقٍ . فقال الشيخ يوسف للأب أفرام : - أترى بأية سهولة تتحرَّك السفينة الصغيرة عندما يكون هنالك ريحٌ؟ تنفخ الريح الأشرعة فتبحر السفينة الصغيرة في البحر . يا لسهولة ، ويا لبساطة إبحارها ! وما الّذي يفعله البحار؟ لا شيء فإنَّه يستلذُّ بالسفر . ولكن حينما تهدأ الريح ، حينما لا يتوافر الطقس الملائم والسفر السهل ، فحينئذٍ ما الّذي سيفعله البحار؟ إنَّه لن يستطيع الجلوس في مكان واحد بل إنه سيمسك بالمجاديف وسيشدُّ عضلاته وسيحتلُّ المكان الملائم في السفينة ولن يستلذَّ وكأنه في مشوارٍ بالقارب بل إنه سيشدُّ عزمه وسيبذل مجهوداً حتى يوجه السفينة بالاتجاه الّذي يريدها أن تسير نحوه . لقد حانت الساعة الّتي يجب عليك فيها أن تمسك بالمجاديف وتجاهد بنفسك . وأنت لست بعد لوحدك لا يزال المسيح معك ويمنحك القوة ولكنَّك في تلك اللحظة تضع كامل إرادتك وكامل قلبك وكامل مشيئتك الذاتية وكامل كرامتك إنك تضع نفسك وتظهر ما الّذي ترغب به في الواقع ، وليس ما يهبك إياه المسيح . دعني أعطيك مثالاً . لو ظهر لك الرَّبُّ الآن وعاينته دون أن تكون راغباً في ذلك ومن دون أن تتعب ومن دون تعرق وتتصارع من أجل ذلك فإنه سوف تظهر فيك صلاةٌ مفاجئة وإنَّك ستصلي طوال الوقت وستنسكب من عينيك دموع الفرح والسعادة والورع أمام الرَّبِّ ، وسوف يكون ذلك من السهل ومن المريح جداً . أتعرف ما هذا؟ إنَّ هذه هي موهبةُ الله التي يعطينا إياها الله مجاناً بدون ثمنٍ ، وإنَّك لا تقوم بشيءٍ لكي تحصل عليها . وهذا لا يجعلك صالحاً أو شرِّيراً ، فتلك هي عطية الله الّتي يريد الله بقراراته الّتي يستحيل معرفتها أن يمنحك إياها . إنه يقول لك : - إنَّني أرغب في إظهار مدى محبتي وجلالي وحرارتي ونوري لك ! أتعرف بماذا يشعر الإنسان في تلك اللحظة؟ من المؤكَّد أنَّك عشت ذلك الإحساس مرَّاتٍ عديدة وإنَّك تندهش قائلاً حينئذٍ : - يا ما أحلى الشعور أن تكون بالقرب من الله ! وما أسهله ! إنه بالفعل الأمر الأكثر راحة ! لقد شعرت إحدى الفتيات حينما لمسها الله مجاناً من دون أن تفعل شيئاً فصلَّت الفتاة لساعات عدَّة ، وبسهولة ومن دون أن تواجه أية مشاكل في ذلك . لقد كانت الفتاة تستيقظ في الليل وكانت لديها رغبةٌ بأن تصلي لله في منامها وقد كان لديها إحساسٌ جميلٌ للغاية من جرَّاء ذلك . لقد ذهبت الفتاة إلى أبها الروحي وقالت له : - ينتابني إحساسٌ جميلٌ للغاية ، إنَّني أطير وأصلي واستلذُّ بالله ، فالحياة بالقرب من المسيح سهلةٌ للغاية ! فأجابها الأب الروحي : - يا بنيَّتي إنَّ هذا الّذي تعيشينه الآن هو من الله ، إنه ليس ملككِ بل ملكُ الله والّذي يجب أن يصبح ملكاً لكِ يجب عليكِ أن تجعله ملكاً لكِ . يجب أن تجعليه تجربةً شخصيةً لكِ . إنَّكِ تعلمين بأنه هذا الّذي نرهق دماً من أجله هو ما يصير تجربةً شخصيةً لنا . هبي دماً ، حتى تحصلي على الروح القدس أليس كذلك؟ - ولكن يا أبتي ما الّذي تقوله؟ إنَّني سأكون هكذا دوماً ودائماً ما سأصلي وسأشعر بأنَّ الحياة بجانب المسيح هي رائعةٌ جداً ومريحة ، ليس فيها التجارب والصعوبات ، ويغدو كلُّ شيءٍ سهلاً ، فإنَّني أحبُّ جميع الناس وأغفر للجميع ! - مجِّدي الله يا بنيَّتي ! هذه عطيةٌ منحكِ الله إيَّاها . ولكنَّ نفسكِ لن تكون كذلك دائماً . إنَّني أرغب في أن أهيئكِ لئلا تقولي بعد ذلك بأنَّه في الكنيسة كانوا قد حدِّثوني بالأكاذيب ، بأنَّ كلَّ ما في الحياة الروحية هو زهري اللون وسهلٌ وجميلٌ . الله هو من يمنحك ذلك . - ما الّذي تتفوه به؟! هل أنَّني سأفقده يوماً ماً؟ - لست أعلم متى ، من الممكن ألا تفقديه ولكن الله في لحظةٍ ما بالتأكيد سيرغب منك أن تقومي بذلك من جراء محبته اللا نهائية وأن تحتفظي به بثباتٍ . ولكي يحصل ذلك سيتوجب عليك أن تمرُّي من خلال محن وتجارب وآلام ودموع وضرباتٍ عديدة . ومن الممكن أن يسأل أحدٌ : - حسناً ، وهل هذا يعني أنَّه لا يوجد حلٌّ آخر؟ ألا يمكننا أن نعيش بطريقةٍ أخرى؟ - لا ، ليست ثمةَ طريقةٌ أخرى . إنَّه لديَّ بخورٌ ممتازٌ جدَّاً ولديك أنت أيضاً وإنَّك تبخِّر به في بيتك ، ولكنَّك لو أبقيته داخل العلبة فإنه لن يفوح بالرائحة الزكية . إنه مهما كان ذلك البخور ممتازاً ومهما كان قيماً ومهما كان فواحاً ، لو أبقيته داخل العلبة فلن يفوح البيت برمته برائحته الزكية . ولكي يفوح البخور بالرائحة الزكية ينبغي عليك وضعه على الجمر وينبغي أن يلتهب ويذوب ولا يجب أن يبقى الجمر بارداً جامداً ، بل يجب أن يكون مسخناً ومحمَّراً . إنَّ أولئك الّذين يجاهدون روحياً يعيشون ذلك وهم يعلمونه . هذا هو جوهر الحياة الروحية ويجب على الإنسان أن يفهمه ، لأنه مهمٌّ جدَّاً . عندما أقول جوهر الحياة الروحية فإنني أعني به لحظةً أساسيةً في الحياة الروحية التي ينبغي للإنسان أن يفهمها جيِّداً وإلا فهنالك خطرٌ بأن يترك كلَّ شيءٍ . وفي الواقع فإنَّ هذه هي لحظةٌ رائعةٌ ومهمةٌ جدَّاً في طريقكَ الروحي ، ولكنَّك لا تشعر بأنَّك تخطو بشكلٍ جيِّد . إنَّك تظنُّ نفسك بأنَّك لا تسير على نحوٍّ جيد لأنه تعتريك الرخاوة والضجر والكسل والشبع والتعب في الصلاة وتقول : - آه ، لا أستطيع قد تعبت وضجرت ولا أرغب في الصلاة بعد وهذا يعني خلص إنَّني ما عدت راغباً في الإكمال! لا يجدر بك التوقف . لا يجب عليك أن تترك كلَّ شيءٍ ، فهذه ساعة صراعكَ الخاص ، هذه الساعة التي يقول فيها الله : - أترغب في أن تصير فواحاً؟ إذن يجب عليك أن تشتعل ، يجب أن تختبر الألم ، يجب عليك أنت أيضاً أن تختبر الألم..... إنَّني أقول كلمة " يجب " وإنه لا تعجبني كلمة " يجب " هذه المرددة باستمرار ولكن ليست ثمة كلمةٌ أخرى هنا . هذا هو السرُّ بكلِّ ما فيه . كانت إحدى الراهبات في روسيا مؤمنة بالله إلى حدٍّ كبيرٍ للغاية فإنَّه قد سبق لي أن قرأت قصتها في إحدى الكتب الروحية . بعد أن نالت رسامة الرهبنة نامت و.... - لقد نمت مؤمنةً وصحوتُ غير مؤمنةٍ ! لقد استيقظت في الصباح ولم أكن أؤمن بالله ! لقد غاب الإيمان عني . بينما كنت سابقاً أعيش أموراً فائقةً للغاية وكنت أشعر بالله بقوةٍ كبيرةٍ للغاية وكنت أتفوه بصلاتي لمدَّة طويلةٍ للغاية تلك الصلاة المستمرَّة :" يا ربُّ يا يسوع المسيح ارحمني أنا عبدك الخاطئ ." كنت أتلفظ بها طوال الوقت وكنت أشعر بالفرح من كلِّ شيءٍ الّذي كنت أقوم به وفجأة بعد ذلك هوب كُسرت جناحايَّ واختفت رغبتي فصحوت غير مؤمنةٍ . لماذا؟ لقد ذهبت إلى أمِّي الروحيَّة في الدير وأخبرتها بذلك . فأجابتها أمُّها الروحيَّة : - لقد اقتحمتك هذه التجربة باكراً جدَّاً . فهنالك آخرون تقتحمهم في وقتٍ لاحقٍ وأمَّا أنتِ فبدأت تصارعك مباشرةً . - ولماذا عانيتُ من ذلك؟ - لكي تظهري إرادتك الشخصية ومشيئتك الذاتية . هل ترغبين في أن تكوني بالقرب من الله إنَّك ستبدين هذا بصراعك الذاتي . وليس بالتحصيل الحاصل . فهذا الّذي كنتِ تملكينه قبلاً وتستلذين به كان تحصيلاً حاصلاً والله هو الّذي منحكِ إيَّاه . تلك الحياة الروحية السهلة والمريحة . هل تعرفين الآن ما معنى أن تؤمنين دون أن تشعري بالكثير من الأمور؟ أن تنهضي وتذهبي إلى الكنيسة بالرغم من أنَّكِ لا تشعرين بالنعمة الإلهية بقوةٍ وأن تقولي في نفسكِ : - يا ربِّي إنَّني لا أشعر بكَ ولا أراكَ ولا أحسُّ بكَ . إنَّني أشعر بالبرودة ، أشعر بأنَّ نفسي يابسةٌ كأرضٍ قاحلةٍ مثل برية الصحراء الكبرى الأفريقية لا أشعر بكَ ولا أفهمكَ ، ولكنَّني أؤمن بأنَّكَ موجود وسوف أصلي لك . وبالرغم من أنَّ قلبي لا يشعر بالرأفة وبالرغم من أنَّني لا أشعر بالورع فإنَّني سأذهب سوف أذهب إلى الكنيسة وسأقرأ الإنجيل وسأقرأ مديح والدة الإله وسأجاهد روحياً وسأعطي الصدقة بالرغم من أنَّ هذا لا ينبع فيَّ من الداخل . لماذا؟ لكي أبديَّ لكَ بأنَّني أرغب ، أرغب بأن أؤمن ولن أتوقف بل إني سأتصارع . بالطبع سنتصارع . فجميع القدِّيسين قد مرُّوا عبر هذا ليس هنالك قدِّيسٌ لم يمر بهذا الّذي نحن بصدده أعني به الإحساسُ بأنَّ الله قد تخلَّى عنكَ في مكانٍ ما . إنَّه في تلك الساعة العصيبة الّتي تحسُّ بها بأنَّ الجميع وكلَّ شيءٍ قد تخلَّ عنكَ – وحتى الله الّذي يعدُّ أفجع أمرٍ على الإطلاق – وأن تحسَّ بأنه تأتي لحظاتٌ تشعر بها بأنَّ الله قد تركك ففي الساعة الّتي تشعر فيها بأنَّ التجارب تطغى عليك وتستولي عليك موجةٌ من المقاومة والتضاد وانعدام الشهية الروحية فصدَّقني فإني لا أكذب عليك لأنه لا أقوله أنا وإنَّما يقوله الرَّبُّ ويقوله القدِّيسون كما تقوله تجربة الكنيسة والرُّسل القديسين ، يقوله الجميع ففي تلك الساعة يكون الرَّبُّ أقرب جدَّاً منك مما كان في مرَّاتٍ عديدةٍ أخرى . عندما يكون الله غائباً فإنه يكون حاضراً بقوةٍ في قلبك . ولكنَّه لا يكون حاضراً بطريقةٍ انفعاليةٍ ولذيذةٍ ما ، بالملاطفات والتودد وأمورٍ أخرى بل بطريقةٍ صاحيةٍ جداً ويقول لك : - أنا هنا ! ولكنَّني أرغب في أن تتشجع نفسك وتكبر وتتقوَّى وألا تبقى كسولةً انفعالياً ونفسياً وإنَّما أن تتقوى وتصبح شجاعاً . أولئك الّذين أحبُّهم فهم الّذين أعاقبهم . أعاقب معناه أربي ( "παιδεύω" " أربي" ملاحظة المترجم البلغاري ) وأُطور ولا أتركهم لتيار الحياة . يُعطي المعلِّم الصالح تلاميذه مسائل أصعب فأصعب لكي يجعلهم أقوياء ويطوِّر أذهانهم وعندما يراهم بأنهم يترددون في حلِّ المسائل فإنه لا يسرع في التدخل . وأمَّا هم فيحدقون بعينيه ويقولون له : - والآن؟ ما الّذي يجري هنا؟ فحلُّ المسألة لا يجري على ما يرام . هل تعرف ماذا يفعل المعلِّم الصالح؟ إنَّه يحدِّق في أعين تلاميذه ويقول لهم : - عليك أن تبحث ، عليك أن تبحث في المجال حيثما تقول بأنَّك لم تتقدَّم فيه وعليك أيضاً أن تستذكر الأمور الأخرى الّتي تعرفها كما عليك أن تستذكر جميع المسائل الّتي سبق لك أن حللتها ، تذكر التجربة الّتي لك . إنه لا يعطيه غذاءً جاهزاً ولا يعطيه حلولاً جاهزةً بل يجلس ويترك التلميذ . سبق لي أن رأيت هذا في الصفوف حينما كنتُ صغيراً حيثما كانوا يعطوننا مسائل مجهولة بالنسبة لنا وكان يجلُّ هدوءٌ تامٌّ ريثما كنَّا نتوقع حلاً ما . لم نكن نعلم بأنَّ المعلِّم يعرف الحلَّ ولكنَّه لم يكن يقوله لنا كما وأنَّنا لم نكن راغبين في أن يقوله لنا : - لا نريد أن يقوله لنا حضرتك ، نودُّ أن نجده وحدنا ! تكمن المسألة في أن تجده . لماذا؟ لكي تسرَّ أنت أيضاً . لكي تصير أنت أيضاً مشتركاً في المعرفة الإلهية وإنَّ ابتعاد المعلِّم هذا بالذات يُظهر مدى كثرة حبِّه لك ومدى رغبته الكبيرة في جعلك مشاركاً في أسراره الخاصة . هل تفهم ذلك؟ بمعنى آخر إنَّ الله لا يشاء في أن يضعك بمعزلٍ عن معرفته لا يريدك أن تكون رضيعاً باستمرار وولداً وطفلاً أمامه بل إنه يريد أن يجعلك قوياً وواعياً حتى تكتسب المعرفة الإلهية الحقَّة . إنَّه يقول لك : - تعال ، تعال اصعد وتصارع وفكِّر وجاهد روحياً وتواضع وابحث عني وادعيني وسآتي حتى تجدني. أريدك أن تصرَّ في ذلك. إنه لأمرٌ عظيم ولو فهمته فستتوقف أنت وأنا أيضاً في لومنا لله . نحن مسيحيون ظالمون للغاية لأنَّنا نظلم الله بأقوالنا . ألستَ ظالماً وأنا ألستُ ظالماً أيضاً في حين أنَّنا لا نكفُّ عن القول بأنَّ الله غير صالح . إنَّه قد تخلَّى عنِّي ! إنَّ الله لم يتخلَّى عنك . إنه في الساعة التي تظنُّ فيها بأنَّ الله قد تخلَّى عنك ، فحينئذٍ يكون الله مهتماً بك. إنه يهتمُّ بي ولكنَّه لم يتخلَّى عني . أجل يُهيأ لك بأنَّه تخلَّى عنك . إنَّك في هذه اللحظة تشعر بعنايته هكذا على أنَّه تخلي إلهي ، على أنها غيابٌ لله . ولكنَّ الإله الصالح المتواضع القدُّوس لا يغضب من هذا ولا يبدِّل طريقة تعامله معك . إنه يقول : - هذا لا يعيق قل ما لديك ! فبالرغم من أنَّك تجعلني احتمل الألم وبالرغم من أنَّك تصلبني مجدداً على الصليب ، فهذا لا يصحُّ بطريقةٍ أخرى سأبقى مصرَّاً على هذه الطريقة . هكذا يولد القدِّيسون . إنهم يولدون في وسط التجارب. وهكذا تكبر النفوس . إنَّني أقول هذا لأنَّ – ربَّما قد حصل هذا لك أيضاً – الّذي تكون له غيرةٌ يتوجه نحو الكنيسة ولكنه ليس بعد ذلك بقليل يفقد معنوياته ويقول : - لا يمكنني الاستمرار بعد ، فقد تخلَّى الله عني الآن ! ولكنَّ الله لم يتخلَّ عنك . إنَّه يرغب منك الآن في أن تجاهد روحياً يريدك أن تكون مصرَّاً . هناك مجدداً ومجدداً . تحتاج الحياة الروحيَّة إلى صبرٍ كبيرٍ . ولهذا يتخلَّى الكثير من الناس عنها أيضاً ويتركون كلَّ شيءٍ . وأمَّا المسيح فما الّذي يفعله؟ إنه يحترم ذلك . وهو يقول : - يا ولدت لو أني عودتك على الدلال واللذة واهتماماتٍ مشابهة باستمرار فلن تصبح نفسك بالغةً أبداً ! أبداً ! إنك عندما ستتلقى الضربة فحينئذٍ سوف تتواضع وستصبح بالغاً سوف تبكي قليلاً وتتقوى وتصبح قدِّيساً . لقد مرَّ جميع رجال الله عبر ذلك . إنَّكم لو قرأتم سيرة القدِّيس سلوان الآثوسي فسترون مدى التجارب الّتي مرَّ بها ! لقد رأى هذا القدِّيس في بداية حياته الروحية الرَّبَّ لقد رأى المسيح حيَّاً أمامه ، لقد رآه وهو يظهر له وتغيَّرت نفسه وفرح للغاية وسرعان ما اختفى كلُّ شيءٍ . إنه لم يكن ببساطة غير شاعر بالرَّبِّ وإنَّما لم يكن يشعر بشيء . إنه كان يذهب للصلاة ولكنه لم يكن في إمكانه الصلاة إذ لم يكن يشعر بشيءٍ . وما الحلُّ إذن؟ الحلُّ هو في أن تصرَّ . أن تصرَّ وأن تشعر بنفسك أنَّك في مكانك بالضبط . أن تشعر بأنَّك صالحٌ جدَّاً وأنَّك لست سيئاً . - ولكن كيف ذلك؟! فثمة تجاربٌ وأفكارٌ شريرةٌ وخلاعةٌ تخنقني ، فكيف أكون صالحاً؟ إذ أنَّني لا أتمكن من إصلاح شيءٍ؟ لا تكمن المسألة في هذا أنك لا تصلح شيئاً بل في الصراع الّذي تخوضه . يقول الشيخ باييسيوس ثمة منظرٌ خلاب : حينما يحفر الفلاح في الحقل لكي يزرع فيه الزرع فإنك لو تطلعت من فوق فيبدو لك هذا المنظر كريهاً جدَّاً فإنَّه ليس للحقل المفلح منظرٌ ويبدو قاتماً بالإضافة إلى أكوام التراب من حوله وأما بعد ذلك فيزرع الفلاح الزرع . ولو كان أحدٌ يشاهد من الطائرة التي تمرُّ من فوق الحقل فإنه سيقول :" إنَّ هذا الحقل لا جمال له ." ولكنَّه بعد ذلك يخضرُّ الحقل ويغدو مزرعةً رائعةً وتظهر فيه الأزهار والأوراق والفواكه ويتجمل بذلك المزرعة . كيف بدأ كلُّ ذلك؟ لقد ابتدأ من حقلٍ مفلَّح لا منظر له حيثما ترى أكوام التراب فقط . هذا كلُّ شيءٍ . سوف تبقى مصرَّاً ولن تيأس وتبطِّل . يجب علينا أن ننتبه إلى هذا ، لأنَّ الكثير من الناس قد تخلُّوا عن حياتهم الروحية وتراخوا بينما كانت تلك تجربةً فحسب والتي كان يجب عليهم أن يعرفوا كيف يتخطوها . وأكرَّ مجدداً عندما تشعر بالوحدة فحينئذٍ يكون المسيح قريباً جداً . إنَّك تشعر هكذا وتظنُّ هكذا ولكن هل هذا ممكنٌ بعد أن نكون قد قلنا له :" أنت الساكن في كلِّ مكانٍ؟" أتسألني ما الّذي يحدث؟ إنَّك لا تشعر بأنه قريبٌ ولكنَّه كذلك . إنَّك في تلك الساعة ستعطي الأولية لمنطق الروح ، منطق الروح القدس وتقول : - حسناً فمن الممكن أن أشعر بنفسي هكذا ولكن ما الّذي يعنيه هذا؟ هل هذا يعني بأنَّه حقيقة؟ إنَّني أشعر بأنَّني خاطئٌ يستحقُّ الأسى فهل هذا يعني أنَّني كذلك؟ إنَّني أشعر بأنَّ الله غير موجود ولا أشعر به فدعني إذن أشعر به . هذه أفكارٌ لا تعني أنَّ هذا ما أنت عليه . فبالرغم من كوني كاهناً يمكن أن يخطر لي غداً الفكر التالي : - إنَّ الله غير موجود فليعطني هكذا فكر – هل من الممكن أن يكون كلُّ ذلك حقيقةً؟ لربَّما كان كلُّ ذلك كذباً؟ يمكن لذلك أن يحدث لأية إنسانٍ . ثمة أناسٌ يختنقون من أفكارهم الخاصة وييأسون وأناسٌ آخرون حساسون يتركون كلَّ شيءٍ ويقولون : - آ- آ-آه ! لا أستطيع سوف أترك الكنيسة لأني بهذا الّذي أتفكَّر سأذهب إلى الجحيم لا محالة ! لا ، عليك أن تصرَّ وستضع رشدك أمامك وتقول : - تسبِّب لي هذه الأفكار الاضطراب وكوني أضطرب فهذا يعني أنها لا تعجبني ويعني أنها ليست لي ويعني أنَّ أحداً ما آخر – المجرَّب هو من يصارعني في هذه اللحظة . وبماذا تقف أمام التجربة؟ أقف أمامها بالصراع وبالمقاومة وبالصبر والإصرار مرَّةً وأخرى ، وأخرى وليكن إحساسي ما يكون . فإنَّ هذا لا يعيق . - أتذهب إلى الكنيسة؟ - أجل. - أتجاهد روحياً؟ - أحاول ذلك. - أتقرأ قانون مديح والدة الإله الفائقة القداسة؟ - لا أفهم النص. - هل تقرأه؟ - أجل . - لا عليك من أنك لا تفهم هل تضع جهداً في ذلك؟ هل تتضرع إلى الله لينيرك؟ أتقرأ الإنجيل؟ بالرغم من أنك لا تشعر بشيء..... انتبه ! فالحلُّ ليس هو فيما يقوله بعض الناس : - إنَّني سأقوم بفعل جميع تلك حينما ابتدأ بالشعور بها . وأما بالنسبة للآن فإلى اللقاء ! متى ستشعر به؟ عليك أن تقول لي متى ستأتي تلك اللحظة " حينما ستشعر " إلا إذا كنت تقصد تلك المرتين في السنة أي في يوم الجمعة العظيمة وفي يوم ما آخر حينما تشعر برهبةٍ . يظنُّ البعض بأنهم إذ قد ذهب في يوم الجمعة العظيمة إلى الكنيسة وانفعلوا وبكوا فمعنى ذلك بأنَّ تلك هي الملامسة الإلهية لنفسهم . إنَّك تقترف خطأً . ليس هذا دوماً هو عبارةٌ ملامستك لله . إنَّ ذلك عبارةٌ عن إعجابٍ . ولو كان حقَّاً ملامسةً لله فكان من الأجدر بك حينئذٍ أن تغيِّر حياتك . لا يمكن لإيمانك أن يكون ليوم واحد في السنة وأن تتلخص في التأثر العاطفي الوحيد – خلال يومين أو ثلاثة أيامٍ في السنة. هل تفهم ذلك؟ سيكون عليك أن تجاهد روحياً بالرغم من أنك لا تفهم الكثير من الأمور وسوف تقول : - أسألك يا ربي أن تعينني على أن أتخطى هذا ! إنَّني أشعر في نفسي بجفاف روحي ولا شهية نفسية . هبني غيرةً ، هبني شوقاً إليك..... وليس ما يقوله ذهني . ما الّذي يقوله المنطق الإلهي؟ ما الّذي يقوله أبوك الروحي؟ إنه يقول لك : - اذهب لتتناول هذا الأحد . ولكنَّك تقول: - إنَّني لا أشعر به أريد أن أشعر به ومن ثمَّ سأذهب ! إنَّ هذا فخٌّ . يظلُّ الكثير من الناس بعيدين عن المناولة المقدَّسة لأنَّهم لا يقدمون عليها إذا لم يشعروا بأشٍياء انفعالية مثل : الرهبة والدموع . وبمعنى آخر لو لم تكن لك أحاسيس مماثلة وشعورٌ روحي أفلن تتناول مطلقاً؟ بل إنك ستتناول . سأضع في المقدمة منطق الإيمان وسوف أقول : - يا ربي إني لا أشعر بأمورٍ كثيرةٍ ، ولكنَّني أؤمن وأعترف بأنَّك أنت هو المسيح الحقيقي ابن الله الحيِّ . إنَّني أؤمن بأنَّ هذا هو جسدك المقدَّس عينه ودمك الكريم نفسه . إنِّي أؤمن بهذا . أأشعر به؟ أحياناً أشعر به وأحياناً أخرى لا أشعر . فهذا لا يهم . إنِّي سأذهب بإيماني إلى المناولة . هذا هو الإيمان الحقيقي . لقد بقيت بعيداً عن المناولة المقدَّسة فعليك إذن أن تبدأ بالصراع . لن تثق بخواطرك وأفكارك الخاصة فتلك هي معاملةٌ عظيمة وسرٌّ روحي الّذي يقلِّدنا إياه القدِّيسون . فمثلاً دخل إليك فكرٌ ما بأنه لديك علة وبأنك لست على ما يرام ولست مستحقَّاً . فقل حينئذٍ لنفسك : - ما الّذي قاله لي مرشدي الروحي؟ إنَّه قد قال لي بأنَّه على الرغم من كوني غير مستحقٍّ للمناولة فعليَّ أن أتناول سأفعل هذا وليس ما تملي به عليَّ أفكاري . إنَّ الكثير من الناس في عصرنا – هل سبق لك أن لاحظت ذلك وأنت وأنا أيضاً – يتعذَّبون من الخواطر والأفكار ، إنهم يلتصقون بأفكارهم الداخلة إلى رؤوسهم ولكنهم لا يجاهدون لكي يخرجوا من هذه الواحة فيغرقون ومن بعد ذلك يتعقدون نفسياً وانفعالياً كما يتدخل في وسطك المجرِّب بالإضافة إلى أمورٍ كثيرةٍ أخرى أيضاً فلا يغدو بإمكانك أن تجد النهاية . ولهذا تقول الكنيسة : " وبروحٍ رئاسيٍّ أعضدني" ( مزمور51: 14 ). ليكن روحي وذهني ورشدي رئاسياً دعني أوجه أفكاري بحسب الفكر السليم الّذي يمنحني إياه الله . لأنَّ بعض الناس حساسون للغاية وبالأخص بعض النساء اللواتي تستولي عليهنَّ أفكارٌ ما فيؤمنَّ بما يخطر في بالهنَّ . اطرد هذه الأفكار! أيضاً قد أثار إعجابي من الكتاب ذاته – أسبق لك أن قرأتَ هذا الكتاب إنه رائعٌ بشكلٍ استثنائي – لقد أثار إعجابي كتاب الأب أفرام الفيلوثيوسي : " شيخي يوسف ألهدوئي والكهوفي " . لم يكن لدى رهبان إسقيط " القدِّيسة حنَّة " موضعٌ يطبخون فيه ولهذا السبب كانوا يطبخون في الخارج تحت سطح إحدى الشرف وكان الرهبان يضعون أخشاباً لتعيق الريح التي كانت تعصف بشدَّة فتهوي بالطبق حتى تكاد تسقط الشرفة ذاتها لأنها كانت ذو أساسٍ ضعيف جداً . يروي الأب أفرام في كتابه : - ذات يومٍ حينما كانت ريحٌ عاصفةٌ قُلبَت الطنجرة بغطائها وهوت إلى الأسفل وانسكب كلُّ الطعام فنزلت وراءه في البرد القارص . أين لي أن أجد الطعام وأين لي أن أجد الطناجر ( أطباق الطبخ ) وأين لي أن أجد غطاءها؟ لقد كان الفكر يشكِّك إيمانه ويقول له :" ما هذا الإله؟ بأيِّ إلهٍ تؤمن؟ وما الّذي يفعله هذا الإله؟ لقد أتى بكم إلى فوق ههنا ولا يحميكم بل يترك الريح تنقب كلَّ شيءٍ وراءها . أين هي حمايته وما الّذي تفعله تلك الحماية؟ أين هو؟" وأما الراهب فكان يردُّ على الفكر :" لا تتعجب مما سأقوله لك:" - اصمت ، اصمت وانقلع ! إنه قد قال ذلك للفكر لأنه كان يعلم بأنَّه في أعماق نفسه ليس هو من يقول ذلك ، هذا ليس صوته فليس بإمكانه أن يتجادل مع الله لأنه يقول :- إني أحبك يا إلهي ! ولكنَّ شيئاً ما في داخلي يأتي حتى يثير فيَّ الريبة . تلك هي التجربة تلك هي مقاومة المجرِّب كما تدخل الطبيعة أيضاً وعادات الماضي الّتي لا تدعني أثق بالله . ما الّذي سأفعله؟ هذا الذي سبق له ( للراهب ) أن فعله أيضاً . إنَِّي سأقول : - انقلع من هنا وانفجر ! دعني ! لا أقبل هذه الفكرة لا أقبل ذلك الخاطر . - إنَّك غير مستحقٍّ ولا تسير جيداً لكن هل أنت متأكدٌ بأنَّ الله موجودٌ؟ من أين لك أن تعرف كلَّ هذا؟ إنَّها مجرد قصص ! - أيَّة قصصٍ؟ انقلع من هنا وانفجر ! إنه لكلامٌ شريرٌ ها؟ لكنَّ الراهب قد قالها للفكر بمعنى أنه :" لا أقبل هذا الّذي تقوله بأنَّ الله غير موجود وبأنَّ الله لا يمدُّني بالعون . وكيف لي أن أعيش كلَّ هذه السنين؟ وكيف لي أن أجاهد روحياً طوال هذه السنين؟ وأين ذهبت كلُّ تلك الأعاجيب التي اجترحها الله؟ أيُعقل أن يكون الله غير موجود؟ ألم يسبق لي أن رأيت كلَّ هذه الأعاجيب؟ وهل نسيتُ كلَّ ذلك؟ هل نسيت هكذا عون وهكذا نعمة التي سبق لي أن شعرتُ بها؟ وهل نسيتُ هكذا دعمٍ من الله وهكذا تدخلاتٍ في حياتي ، أيعقل لي أني قد نسيتُ كلَّ ذلك؟" سبق لك أن بحثت عن العون في الماضي وقد منحك إياه الله . إنه يخلِّصك في كلِّ مرَّةٍ . ما كان كلُّ ذلك؟ أنسيته؟وكن ذا خواطر روحيةٍ سليمةٍ وليس ذا أفكار ربوبيةٍ من النوع العلمي . أتفهم ما أقصد؟ ثمة في الحياة الروحية عدة أسرار صغيرة إنها ليست بكثيرة أي إنها خمسة أمورٍ ينبغي لك أن تتعلَّمها في الحياة الروحية وأن تتعامل معها على نحوٍ قويمٍ وأن تعرفها وأن تتلقى بوساطتها أغلبية التجارب ومن بعد ذلك ستجاهد روحياً وستغلِب . لقد مررنا جميعنا عبر هذا . قال لي أحدهم : - وأنت؟ - وأنا أيضاً قد مررت . لمَ تسأل؟ - لكن ألست تؤمن طوال الليل والنهار؟ أجل ولكن تأتي لحظات حينما يرتاب الإنسان . كلُّ إنسانٍ يرتاب . لقد سبق للرسل القدِّيسين أن ارتابوا . لقد سبق لقدِّيسين في كنيستنا أن لاقوا صعاباً وآخرين فقدوا إيمانهم ووجدوه من جديدٍ . وكانت نفس آخرين منهم تحمى وتفتر وتحمى من جديد . إنَّ طرق كلِّ واحدٍ منا هي سرٌّ . وبالتالي فما الّذي علينا فعله؟ نسأل ما الّذي سبق أن فعله أحدهم وما الّذي سبق أن فعله الآخر . ولهذا السبب نقرأ سير القدِّيسين حتى نرى ما الّذي سبق أن فعله الرسل القدِّيسون والقدِّيسون الّذين تصارعوا مع كلِّ ذلك . إنَّني أظنُّ بأنَّ القدِّيس بولس الرسول قد كتب في رسالته إلى أهل تسالونيكي :" ألم أقلْ لكم أنَّكم ستمرُّون عبر تجارب؟ لقد كنت بجانبكم فكنتم أنتم طائرين في السحاب قائلين :" ما أروع ذلك." وحالما رحلت عنكم أتت التجارب عليكم فأصابتكم الريبة . يجب عليكم أن تكونوا قد تعودتم على التجارب وألا تضطربوا ." عندما تكون لديك تجربة فلا يجب عليك أن تشعر بأنَّ الله قد تخلَّى عنك . حينئذٍ يحبُّك الله . ولكنَّك تقول : - إنَّني اقترف الخطايا بوساطة هذه التجارب . - إنَّك ستقوم ! أواقعٌ أنت؟ فقم إذن ! - أجل ولكنَّني سأخطئ مجدداً . - أخطئ مجدداً وستقوم مجدداً . وبالنهاية فإنَّك لا تخطئ باستلذاذ لا تخطئ على نحوٍ مباشر بل إنك تتصارع مع الخطيئة . أتفهم ذلك؟ بمعنى آخر عندما تأتيك في يوم الأربعاء رغبةٌ في أكل اللحم فإنك لا تأكله مباشرة . لقد قلتَ لي أنك تصارعت وجاهدتَ روحياً لئلا تفعل ذلك لمدة ساعة واحدة : - لا ! لن آكله ! ولكنِّي في النهاية فقدتُ السيطرة على نفسي وأكلت ! أكلت قطعة من لحم الفروج . حسناً ، ولكن أرأيتَ ما قلته لي :- لقد تصارعت مع شراهتي لمدة ساعةٍ وجوعي فانجذبت في النهاية وأكلتُ . وقد أكل آخر حلوة الشوكولا في يوم الجمعة العظيم . - لم أتمكن من تمالك ذاتي طوال اليوم وفي النهاية اضطربت . حسناً ، وما الّذي سيفعله الله لك؟ أيقطع رأسك؟ بسبب أنك أكلت الشوكولاتة؟ إنك قد تصارعت وسقطت وعاينتَ ضعفك فتواضع الآن وقل : - ها أنذا يا ربي هذا ما أنا عليه ! إني غير قابلٍ للإصلاح فإنسانٌ أنا وضعيفٌ أنا ! فقط المسيح هو الكامل . نحن نكمَّل والّذي معناه بأنَّنا نقوم باستمرار إنَّنا نكمَّل هذا أمرٌ قد حصل وهو دائمٌ إلى الأبد . لا تكن أنانياً هكذا أيضاً حتى أنك لترغب في أن تكون كاملاً للغاية . إنك حينما تقترف الخطيئة لا تشعر بأنَّ ذلك هو غريبٌ للغاية في حياتك إنك خاطئ وقد فهمت لا يجب عليك أن تكون لديك أفكارٌ سامية عن نفسك للغاية ، تواضع وجاهد روحياً ولا تيأس ولا تنصدم . حينما تكون لديك تجارب وتشعر بأنَّ الله بعيدٌ عنك فإنه حينئذٍ يكون قريباً جداً منك . مثلاً لو كانت لديك مشكلةٌ ماليةٌ ما أو مشكلة مؤلمة لا مخرج منها وتقول بأنك تبحث عن عملٍ ولست تجده . يرغب ولدك في الزواج ولا يمكنه ذلك...... أأقول لك أمراً؟ هذه هي الساعة التي يأتي فيها الله تهيأ ألا تسمع خطواته يا بنيَّ؟ إنَّ الله آتٍ. مثلاً إنك تتناول البروتينات ولكنَّ عضلاتك لا تكبر بمجرَّد تناولك للبروتينات بل إنها تقول لك : - لقد تناولت البروتينات فتمرَّن الآن لكي يتمكن جسمك من تقبُّلِها كما يجب . إنَّ الصراع في الحياة الروحية لا يعد علامةً على إخفاقنا وأنَّ حياتنا قد صارت بائسةً بل إنه يعدُّ طريقةً للحياة . هذه هي حياتنا وصراعنا واجتهادنا وتعبنا ومحننا وأحزاننا ويتمُّ كلُّ ذلك في سرِّ القداسة . إنَّك بذلك ستصبح قدِّيساً . وهكذا أقول مختتماً : إنك تسير على نحو جيدٍ جداً . لماذا؟ أم أنك لا تسير جيداً إطلاقاً ولهذا السبب فإنك تسير على نحوٍ جيدٍ جداً . إنك تشعر بأنك خاطئٌ جداً ولكن بما أنك بالقرب من الكنيسة وبالقرب من قدمي المسيح فإنك تركع أمام المسيح ولهذا السبب فإنك تسير على نحوٍ جيدٍ فلا تضطرب إنك ستتصارع لتخرج من خطيئتك . ولكن هذا ما سيحدث بوساطة العوائق والصعاب التي هي بقرب المسيح . لا تيأس مهما اقترفت من الخطايا لا تيأس مهما كانت الظروف في حياتك مؤلمةً فسيتواجد الحلُّ ، لم تأتي النهاية بعد . ولكي يدعك الله تعيش ذلك فمعنى هذا أنه يعدُّ لك شيئاً جميلاً ولو لم يكن كذلك لكان قد أخذك إلى لدنه . لو كنت قد تهيأتَ للفردوس لكان الله اصطحبك إلى لدنه . وحتى تكون حيَّاً – بالرغم من جميع الظروف – فهذا معناه بأنَّ لله خطة حكيمة ما لحياتك . إنَّني أصلي لله حتى يُفتح قلبك وذهنك قليلاً ذهني وذهنك وذهن الجميع معاً لنعاين هذه الأسرار ولنوقن لمَ نمرُّ عبر كلِّ ذلك ونتيقن في النهاية محبة الله العظيمة فنسبحه ونمجده ونقول: - ليكن اسمك ممجداً فقد كان كلُّ شيءٍ للخير ! إنَّك قد دبرَّت كلَّ شيءٍ رائعاً للغاية ففي وسط المشاكل والصعاب أنت قد أتيت لتقويني ولتطهرني ولتجعلني ولداً لك ولداً قوياً حرَّاً فرحاً محرراً ذو شخصيةٍ كاملةٍ لكي أكون مستحقاً للدخول إلى الفردوس . تدخل هكذا نفوس إلى الفردوس فليست نفوسٌ مريضةٌ وملتويةٌ وعابسة هي التي تدخل إليه بل نفوسٌ سبقت لها أن تمرَّنت وجاهدت روحياً والتي أصبحت حسنة المنظر من تحت يدي الله اللتين تجعلاننا نشعر بالألم أحياناً لأنَّنا حساسون جداً ودائماً ما نشكو ولكن ما الّذي على الله فعله؟ إنه يجعلنا نختبر الألم . وإني أنا أيضاً أشعر بالألم ولست أجعل من نفسي معلِّماً . وأنا أمرُّ عبر التجارب ذاتها الّتي تمرُّ بها أنت أيضاً ..... الكاتب : الأرشمندريت أندراوُس كونانوس تُرجم من موقع أبواب الأرثوذكسية البلغاري فيكتور دره 1/ 7 / 2012