Warning: preg_replace(): The /e modifier is deprecated, use preg_replace_callback instead in ..../includes/class_bbcode.php on line 2958
الإنسان لم يسقط، فما معنى الفداء؟ بشارة، موت وقيامة المسيح في كتاب: الله والشر والمصير - د. ك. بندلي

الأعضاء الذين تم إشعارهم

النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: الإنسان لم يسقط، فما معنى الفداء؟ بشارة، موت وقيامة المسيح في كتاب: الله والشر والمصير - د. ك. بندلي

  1. #1
    مدير ومؤسس الموقع الصورة الرمزية Alexius
    التسجيل: Jun 2012
    العضوية: 1
    الإقامة: أوروبا
    الجنس: male
    العقيدة: الكنيسة الأرثوذكسية / روم أرثوذكس
    أُفضل في الموقع: تاريخ الكنيسة
    الحالة: Alexius غير متواجد حالياً
    المشاركات: 89

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    افتراضي الإنسان لم يسقط، فما معنى الفداء؟ بشارة، موت وقيامة المسيح في كتاب: الله والشر والمصير - د. ك. بندلي

    ما معنى الفداء؟
    "طالما أن الله محبة، فلماذا اضطر المسيح أن يقدّم نفسه ذبيحة فداء عن خطايانا أمام الله الآب؟"
    معلومة
    حتى تفهم ما سيأتي في فكر الدكتور كوستي بندلي، يجب مراجعة هذا الموضوع: هل سقط الإنسان؟ أم لم يسقط كما يقول الدكتور كوستي بندلي؟


    أولاً: نظرية موت المسيح كوفاء متطلبات العدل الإلهي:
    هذه النظرية شاعت في الغرب منذ أن أطلقها " أنسلموس" أسقف كنتربري ( 1033 - 1109 )، ولكنها غريبة عن تراث الشرق المسيحي ولم تتسرب إليه إلا بطغيان التأثير الغربي في عهد الانحطاط. بموجب هذه النظرية:

    1. الخطيئة الجدّية وما تبعها من خطايا، ألحقت بالله إهانة لا تُحدّ ( لأن الكائن الذي وُجّهت إليه كائن لا يُحدّ ) واستوجبت غضبه على الناس.
    2. كان لا بدّ، من أجل كفّ هذا الغضب، أن تلبَّى متطلبات العدالة الإلهية، وذلك بتقديم التعويض المناسب عن الإهانة اللاحقة بالعزة الإلهية.
    3. من هنا أنه كان لا بدّ أن تُقدّم إلى الله ضحية تتحمّل كل أوزار البشر وترضي بموتها متطلبات العدالة الإلهية.
    4. ولم يكن ممكنا أن تكون هذه الضحية من البشر أنفسهم:
      1. لأنهم كلهم خاطئون لا قيمة فدائية لموتهم الذي هو مجرّد العقاب الواجب على خطاياهم. في حين أن الضحية كان يجب أن تكون بريئة ليكون لموتها قيمة فدائية.
      2. لأنهم محدودون وليس بإمكانهم بالتالي، ولو ماتوا كلهم، أن يعوضوا عن الإهانة التي ألحقتها الخطيئة بالله، إذ هي إهانة لا محدودة كونها موجهة إلى الكائن اللامحدود.

    5. هذه المعضلة حلّها التدبير الإلهي بتجسد ابن الله الوحيد وموته على الصليب:
      1. فالضحية كانت كائناً بريئاً من العيب، وبالتالي يمكن لموته الطوعي أن يُقبل كثمن العفو عن الخطأة.
      2. والضحية كانت كائناً لا محدوداً، وبالتالي فإن موتها كان يوازى حجم الإهانة اللامحدودة اللاحقة بالله.



    ثانيا: تقويم هذه النظرية:

    هذه النظرية الحقوقية للفداء التي سادت الفكر المسيحي لحقبة طويلة ولا تزال رواسبها الشعورية واللاشعورية ممتدة إلى يومنا هذا تناقض جذريا الإعلان المحوري للإنجيل، الذي يجعل منه بالفعل " إنجيلاً" أي " بُشْرَى"، وهو "أَنَّ الله مَحَبَّة" (1 يوحنا 4: 8، 16).

    وقد كان لهذا آثارًا فادحة:

    1. فقد رسمت عن الله صورة رهيبة. صوّرته إلهاً سادياً يرتضي عذاب ابنه الوحيد وموته لا بلّ يمعن في تعذيبه إخمادًا لغضبه. تلك الصورة أثارت اشمئزاز الكثيرين (ومنهم بودلير وجيد) وهي تؤول إلى هذا الاعتقاد الغريب بأن الخلاص الذي كان الله يسعى إليه إنما كان بالدرجة الأولى خلاص ذاته بتفريغه غضبه على ضحية بريئة!
    2. هذه الصورة الرهيبة اُتخذت تبريراً لاستبداد المتسلطين من حكام ورجال دين، الذين تماهوا بها في علاقتهم بالناس (من هنا محاكم التفتيش والحروب الصليبية وما شابه ذلك). كما أنها اُتخِذت ذريعة لدعوة الناس إلى الخنوع (على مثال المسيح "الضحية") أمام الظلم والتعسف والاستغلال.
    3. كما أن هذه الصورة كانت منطلق دين إرهابي فُرض على الناس طيلة 600 سنة ( من القرن الرابع عشر حتى مطلع قرننا ) وقد بُني على إذكاء الشعور بالذنب والتخويف من العقاب الأبدي، وبالتالي كان على نقيض البُشرى الإنجيلية، بُشرى الخلاص والتحرّر والفداء.


    ويرى اليوم مؤرخون مسيحيون أمثال Guillemin & Delumeau، أن هذه النظرية في تعليل موت المسيح وما نتج عنه، كانت من الأسباب الرئيسية لانحسار المسيحية Dechristianisation في الغرب في العصر الحديث.

    ثالثا: لماذا مات المسيح؟ قراءة تاريخية للصلب:
    من مساوئ النظرية التي استعرضناها، أنها تطمس الوجه التاريخي لحياة المسيح،إذ أنها تهمل الرسالة النبوية التي أدّاها في حياته البشرية، والتي لا تُعتبر، في هذا المنظار، سوى الذريعة التي كان لا بدّ منها كي يبلغ مأربه الأساسي، أعنى الموت التكفيري.

    والحال إن من يطلع بإمعان على سيرة يسوع الأرضية يرى بجلاء أنموته لم يكن تنفيذًا لنوع من العقد الضمني القائم بينه وبين الآب، بأن يقدّم نفسه في وقت محدّد ذبيحة عن خطايا البشر، بلّ أن هذا الموت كان النتيجة الطبيعية، في أوضاع تاريخية معينة، لمجمل المسار النبوي الذي سلكه يسوع في حياته محققا به إرادة الله ومؤلباً عليه، من جراء ذلك، قوى الظلمة.
    تاريخياً، لماذا صُلب المسيح؟ لأنه تصدّى طيلة حياته بجرأة لم تعرف التخاذل، للحكم الديني التسلطي القائم في شعبه.

    1- من كان يمثّل هذا الحكم؟
    هذا الحكم كان يمثله:

    • من جهة رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب ( أي الوجهاء ) وهم أصحاب السلطة السياسية والاقتصادية.
    • من جهة أخرى الكتبة ( أي الفقهاء واللاهوتيون ) والفريسيون ( وهم فريق من الأتقياء المتشدّدين، كان ينتمي إليه كثيرون من الكتبة )، وهم أصحاب السلطة المعنوية والدينية ("عَلَى كُرْسِيِّ مُوسَى جَلَسَ الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ..." متى 23: 2).

    وكان هؤلاء وأولئك يتخذون من الله ذريعة لتأكيد سلطتهم على حساب سحق الشعب وإذلاله:

    • فرؤساء الكهنة وشيوخ الشعب كانوا يحتقرون الشعب لأنه كان بسواده الأعظم فقيراً، فكانوا يرون في غناهم علامة على رضى الله عليهم ويرون في فقر الشعب لعنة من الله. وكان رؤساء الكهنة يتوافقون مع أغنياء التجار للإثراء على حساب الشعب من خلال تجارة الهيكل، وكان خدّام رؤساء الكهنة يضربون الشعب، وكانت عائلات رؤساء الكهنة تحتكر وظائف الهيكل. وكان رؤساء الكهنة يستفيدون من فتوى تسمح لمن شاء بالتملص من واجب مساعدة الأهل المسنّين شرط أن يقدّم للهيكل جزءاً رمزياً منها.
    • أما الكتبة والفريسيون فقد نصبوا أنفسهم حماة للشريعة وعقدوا فرائضها إلى حدّ أنه أصبح شبه مستحيل على عامة الناس أن يعرفوا دقائقها وأن يوفقوا بين تنفيذ أوامرها الكثيرة وبين انهماكهم في أعمالهم اليومية وتحصيل رزقهم. من هنا إن الكتبة والفريسيين كانوا يحتقرون عامة الناس: ("... أما أولئك الرعاع الذين يجهلون الشريعة فإنهم ملعونون" يوحنا 7: 49). ويصنفونهم في مصفّ " الخطاة" ( وكان معظم هؤلاء " الخطاة" من الفقراء الذين لم تكن تسمح لهم ظروف حياتهم القاسية لا بدراسة الشريعة ولا بتنفيذها بحذافيرها ) . بالإضافة إلى ذلك، كانوا يؤولون الشريعة بحيث تصبح للناس عبئاً وقيدًا ("فَإِنَّهُمْ يَحْزِمُونَ أَحْمَالاً ثَقِيلَةً عَسِرَةَ الْحَمْلِ وَيَضَعُونَهَا عَلَى أَكْتَافِ النَّاسِ وَهُمْ لاَ يُرِيدُونَ أَنْ يُحَرِّكُوهَا بِإِصْبِعِهِمْ" متى 23: 4). فيُشبعون بذلك، من حيث يشعرون ولا يشعرون، شهوتهم للحكم والتسلّط. من هنا تفسيرهم لوصية السبت، التي وُضعت أصلاً رأفة بالناس، تفسيرًا ساحقا يمنع من معالجة المريض في ذلك اليوم إلا إذا كان مشرفاً على الموت (راجع مثلاً مرقس 3: 1- 6) ويمنع جائعا من اقتلاع بعض سنابل القمح في ذلك اليوم ومن فركها بين يديه إشباعا لجوعه (راجع مرقص 2: 23- 28).


    2- الخيار الذي اعتمده يسوع حيال تسلّط رؤساء شعبه

    حيال هذا التسلّط الديني - الذي هو أبشع أنواع التسلّط لأنه يتخذ من الله تبريرًا وتغطية له - كان ليسوع خيارات ثلاثة ممكنة:

    1. أ - أن ينصاع للأمر الواقع حفظا على سلامته. ولكن هذا الخيار كان بمثابة تواطؤ مع الظلم والاستبداد وبالتالي خيانة لرسالته النبوية.
    2. ب - أن يسعى إلى الاستيلاء على الحكم الديني، فيزيح المتنفذين الدينيين من موقع السلطة ويحتل مكانهم فيحكم بدوره باسم الله ويأتي حكمه أكثر عدالة ورأفة. ولكن هذا الخيار كان يعني أن يسوع المسيح تبنّى منطق الحكم الديني القائم في عهده واتخذ من الله ذريعة لفرض حكمه على الناس، وأنه بالتالي رضخ أمام متطلبات شهوة الحكم وأعطاها تغطية إلهية. تلك هي التجربة التي سقط فيها إيليا النبي على جبل الكرمل عند ما أراد أن يفرض ذاته على الملك والشعب عبر فرضه الله عليهم بقوة النار، مما أدى به إلى ارتكاب مجزرة بحق مئات من كهنة البعل، فتلقّى من الله بعد ذلك درساً معبرًا حين تراءى له الله على جبل حوريب لا من خلال الريح ولا من خلال الزلزلة ولا من خلال النار، بلّ من خلال نسيم لطيف يكاد لا يُسمع صوته. هذه التجربة رفضها يسوع رفضاً قاطعاً في بداية رسالته في تجربة الشيطان الثالثة في البرية (أنظر تجربته الثالثة في البريّة: متى 4: 8 -10). وكافحها وصدّها كلّ ما أعادت الكرّة في حياته.
    3. ج - لم يبقَ بالتالي أمام يسوع سوى خيار واحد ينسجم مع أمانته للإله الحق، الإله المختلف عن أهواء البشر. وهو أن يتصدّى دون هوادة لانحرافات الحكم الديني ولكن دون أن يعتمد في هذا التصدّي منطق الحكم الديني الذي كان يقاومه وأساليبه. لذا نراه، باسم الله وتمثلاً بمواقفه:
      • يتصدّى لاستعمال الهيكل مكاناً للمتاجرة والاستغلال ( طرد الباعة من الهيكل ).
      • يشهّر بتأويل الشريعة وفقاً للمصلح الجشعة.
      • ينادى بالطوبى للفقراء وبالويل للأغنياء.
      • يعاشر "الخطأة" ويؤاكلهم.
      • يجعل همّه شفاء المرضى وأصحاب العاهات، وهم المعتبرون من قِبَل القيّمين على الدين مغضوباً عليهم من الله ( خاصة البرص منهم ).
      • يشفى المرضى علناً يوم السبت.



    ولكننا نراه بآن يرفض رفضا باتا الفكرة الماسيانية المنتشرة في عهده ( وهي فكرة استلام المسيح الحكم بالقوة باسم الله). لذا يَمْتَنِع عن تسمية نفسه" مسيحا"، مَنْعا للالتباس، ويُفَضِّل أن يسمّي نفسه "ابن الإنسان". ولما رأى أن الحركة الشعبية التي التفت حوله في الجليل كانت تدفعه إلى تسلّم السلطة ("وشعر يسوع أنهم يهمّون باختطافه ليقيموه ملكاً" يوحنا 6: 15)، اعتزل الشعب وركز رسالته على " القطيع الصغير" من تلاميذه. ولكن ذلك لم يثنه عن قصده وهو التصدّى للتسلط الديني المفسد لصورة الله والساحق للإنسان، لا بلّ نراهيقرّر الابتعاد عن الجليل حيث صادف تأييدًا عارما لرسالته ويصعد إلى أورشليم ليواجه الحكم الديني في عقر داره، وهو يعرف ما فيهذه الخطوة من خطر على حياته. ونراه، وهو في الطريق، يجتهد أن يكسب تلاميذه لرؤياه، رؤيا الماسيانية الحقّة التي تقوم على قوة الحق لا على قوة السلاح والخوارق، التي تجتذب الإنسان ولا تخضعه عنوة. ونراه يقاوم بعنف عودة تجربة الحكم على لسان بطرس.

    إن خيار يسوع هذا، خيار الصمود حتى النهاية في مقاومة تشويه الحكم الديني لله وللإنسان، إنما دون اللجوء إلى وسائل هذا الحكم وأساليبه، كان لا بدّ أن يقود يسوع إلى الموت، وفقا للحتميات النفسية والتاريخية السائدة آنذاك. لم يكن الصليب إذاً، كما سبق وقلنا، نتيجة " عقد" قائم بين الله ومسيحه، عقد لم تكن الظروف التاريخية سوى حجّة لتنفيذه، بلّ كان تتويج المسيرة النبوية التي سلكها يسوع والتي شهد بها حتى الموت لحقيقة الله ولمقاصده التحريرية حيال الإنسان. وقد جاءت القيامة تعلن تأييد الله لتلك المسيرة ونصره لها عبر الفشل الظاهري.


    رابعا: ما هي علاقة المسيح بخلاصنا؟
    قراءة إيمانية للصليب

    ولكن معنى موت المسيح يتعدّى هذا البعد التاريخي الذي ذكرناه. فقد أدركت الجماعة المسيحية منذ البدء. على ضوء تعاليم السيد المسيح وبإلهام الروح القدس، أن لموت المسيح بعداً خلاصياً شاملاً يمتد إلى البشرية جمعاء وإلى كل فرد من أفرادها في كل زمان ومكان. فما هي طبيعة هذا البعد الخلاصي؟ وبعبارة أخرى: ما هي علاقة موت المسيح بخلاص الإنسان؟
    الجواب الصحيح أن موت المسيح يخلصنا، لا لكونه يفي عنّا دَيْنا تجاه الله الآب فقط. بلّ لكونه، كتتويج لحياة السيد المسيح كلها.يكشف حقيقة الله وحقيقة الإنسان.ويُدخِل الإنسان إلى علاقة صحيحة محْيِيَة بربّه. هذا ما يتّضح لنا إذا تأملنا في النقاط التالية:

    1- مأساة الإنسان: الصراع بين لا محدودية الرغبة ومحدودية الوجود
    يوجد الإنسان على الأرض ويفتح عينيه على الموجودات المحيطة به، فتوقظ رغائبه وتشدّه إلى هذه الموجودات، فيندفع نحوها بملء جوارحه، ناشدًا فيها إرواء غليله وإشباع جوعه إلى الطمأنينة والسعادة والانشراح والاكتمال. ولكنه يكتشف بخيبة ومرارة أن الموجودات كلها مقصّرة لا محالة عن تحقيق مأربه وأنها تعده بالاكتمال المنشود ولكنها لا تفي بوعدها. شأنها في ذلك شأن المرأة المحبوبة التي يضع الشاعر الفرنسي الكبير "بول كلوديل" على لسانها هذه العبارة ذات الدلالة: إنني الوعد الذي يستحيل تحقيقه.

    فلا الطعام ولا الشراب ولا اللذات على أنواعها، ولا الجاه ولا النفوذ ولا المعرفة ولا الفضيلة ولا الصداقة ولا الحب، لا شيء من كل ذلك يستطيع أن يروى غليل الإنسان. فقد وردت في سفر الأمثال هذه الملاحظة: "في الضحك نفسه يكتئب القلب وعاقبة الفرح غم" (أمثال 14: 13)، ووردت هذه العبارة في خدمة الجناز: "أي نعيم في الدنيا ثبت ولم يخالطه حزن؟...". هكذا يكتشف الإنسان أنه مهما نجح وتوفق في مساعيه، فإنه فاشل لا محالة في تحقيق أمانيه، ذلك لأن ما بوسع الموجودات أن تمنحه إياه محدود حكماً، فيما أن رغائب الإنسان لا تُحصر ولا تُحدّ. هذا الفشل الذي تمنى به لا محالة رغائب الإنسان يبلغ ذروته بالموت، ذلك الموت الذي يدرك الإنسان وحده - دون سائر المخلوقات الحية، لأنه بخلافها متميز عن الكون، يعي الكون، ويعي ذاته ومصيره - أنه النهاية المحتومة لوجوده الأرضي، فيخيّم من جراء ذلك على حياته كلها طيف ذلك الفشل الجذري الذي ينتظره، ألا وهو انهيار كيانه وما يرافق ذلك من انقطاع علاقته بالموجودات.

    2- نتيجة هذه المأساة: الوضع الإنساني "الساقط"
    فما سر هذا التناقض المأساوي الذي يعاني منه الإنسان، ذلك الذي عبّر عنه الشاعر "لامرتين" ببيتين له خالدين: "محدود بطبيعته، لا متناهٍ من حيث أمانيه، الإنسان إله ساقط يتذكّر السماوات"؟

    الواقع أن الله قد زرع في قلب الإنسان رغبة لا متناهية توقظها الموجودات دون أن يكون بوسعها إروائها، قاصدًا من وراء ذلك أن يتخذ من الموجودات لغة يخاطب بها قلب الإنسان ويوجّهه إليه ويُشعره بأنه هو وحده قادر أن يلبّى الانتظار الذي توقظه فيه الموجودات وأن يحقق أمانيه، وبأن تلك الأماني إنما هي أعظم من الكون الذي يوقظها لأنها تستهدف في آخر المطاف سيد الكون وبارئه. شأن الله في ذلك شأن الحبيب الذي يُرسل إلى حبيبته باقة من الزهور فاتنة الألوان، عطرة الأريج، ولكنها على روعتها، لا يسعها أن تكون، بحال من الأحوال، محط أماني الحبيبة، التي تتجه، من خلالها، إلى باعثها ومعطيها. في هذا المنظار يصبح الموت، على قسوته ورهبته، ذلك المعبر الذي ينسلخ به الإنسان عن الموجودات ليتسنّى له أن يحقق اللقاء التام والمباشر بقطب وجوده الحقيقي، الذي هو أعظم من الموجودات قاطبة.

    ولكن الإنسان كثيرًا ما يسيء فهم مقصد الله هذه، فيتصوّر أن الله عدوّ له يتعمّد حجب السعادة عنه لتحجيمه وإذلاله وتعذيبه، وأنه إنما يفعل ذلك ليستأثر لذاته بالسعادة والاقتدار. هكذا تغيب عن الإنسان صورة الإله الحقيقي وتستَبْدَل بتلك الصورة المشوهة التي يسقطها على الألوهة. فتضطرب من جرّاء ذلك علاقة الإنسان بالله، فإما يتمرّد عليه صراحة (وهو إذ ذاك يتمرّد بالفعل على وهم من صنع خياله) أو أنه يُبطن هذا التمرّد مُسَترًا إياه بخضوع عبوديّ ذليل، برضوخ المغلوب على أمره لسلطة لا مناص له منها، ومُتخذًا من ذلك الإله الممسوخ نموذجاً يتماهى به في علاقته بسواه من الناس.

    هذه العلاقة المشوهة بالله تنعكس على مجمل مواقف الإنسان من نفسه ومن الموجودات، فإذا به، بدلاً أن يرى في الله محطّ أمانيه ومحجّة مسيرته ومعنى وجوده وغاية هذا الوجود، ينطوي على ذاته محاولاً محاولة المستميت أن يكتفي بما يستطيع أن يجنّبه من متع ومسرّات. وعوض أن يرى في الموجودات تعابير يخاطبه الله بها وكشوفات لله في حياته وإشارات لما أعدّه الله له مما يفوق التصوّر والوصف، وأن يتعامل معها بالتالي باحترام ورأفة وحنان ( خاصة مع تلك الكائنات البشرية أمثاله التي هي صورة حيّة لله)، فيتصل عبرها بالله ويذوق بالتالي مسبقا شيئا من طعم اللقاء الموعود، نراه ينقضّ عليها بشراهة لا تعرف حدّاً، موهما ذاته بأنه، على قدر ما يعبّ منه، يستطيع أن يملأ فراغه ويُشبع جوعه الكيانيّ. وعوض أن يتخذها نوافذ يطّل منها على الله، يحوّلها إلى مرايا لا يشاهد فيها إلا صور نهمه. يتعامل مع الموجودات كلها وكأنها أشياء لا مبرّر لوجودها سوى أن تستهلك وتمْتلك، يتناولها كلها وكأنها وُجدت فقط لتملأ جوفه، ولسان حاله يقول: "فَلْنَأْكُلْ وَنَشْرَبْ لأَنَّنَا غَداً نَمُوتُ" (1 كورونثوس 15: 32). هكذا يوهِم نفسه أنه بلغ الاكتفاء الذاتي، ويخدّر جوعه اللامتناهي، يخترع لنفسه ألوهة زائفة تقوم على " النجاح والمال والشهوة" وعلى "اقتناص الملذّات" على أنواعها. يتسلّط على من كانوا أضعف منه ليخدع نفسه ويتعامى عن هزال كيانه ويوهم ذاته أنه مرجع ذاته وسيّد مصيره.
    ولكن تهالكه هذا على التسلّط والتملّك والتنعّم يرتدّ عليه ويؤول به إلى عكس ما كان يقصد. ذلك لأنه، على قدر انغلاقه وانطوائه على نفسه ومقتنياته - ولو توسعت باستمرار تلك المقتنيات كما حصل لغني المثل الإنجيلي الذي كان ينوى هدم إهراءاته وبناء أخرى تستوعب المزيد من الغلّات (لوقا 12: 16- 18) - فإنه لا يفعل شيئاً سوى إحكام أسره ضمن جدران محدوديته الخانقة. وعلى قدر استرساله في رؤية الموجودات من زاوية نهمه وحسب، فإنه يحكم على نفسه بعزلة مريرة قاتلة. وكلّما ازدادت وطأة هذه العزلة، استمات المرء في السعي النهم وراء الأشياء علّه ينجو من وحدته، ولكنه يبقى هكذا سجين دوّامة لا رجاء بالإفلات منها، دوّامة هي " الموت" عينه بمعناه الروحي، اختناق إنسانية الإنسان، ضياع الرغبة المحورية لديه بالاكتمال في سراب الوهم، ذلك الموت الذي تحدّث عنه السيد بقوله "من أراد أن يستبقي حياته يفقدها" (لوقا 17: 33). وأيضا: " ماذا ينفع الإنسان لو ربح الدنيا كلها، وخسر ذاته أو دمرها) (لوقا 9: 25). لا بلّ إن الموت الجسدي يصبح، في هذا المنظار، قدرًا مرعبا لأنه يفقد أفقه ورجاءه. فالإنسان الذي يستميت في محاولة الاكتفاء بذاته والتشبث بالموجودات كغاية لوجوده، يشعر بأنه لن يبقى له شيء سوى العدم إذا انتزع منه الموت ذاته والموجودات التي اقتناها: "فقال له الله: يا جاهل، في هذه الليلة تُستر نفسك منك، فلمن يكون ما أعددته؟ فهكذا يكون مصير من يجمع لنفسه ولا يَغنى بالله" (لوقا 12: 20، 21).

    ذلك هو "الوضع الساقط" الذي يعانى منه الإنسان.تلك هي "خطيئته الأصلية"، أي الأساسية، التي تنبع منها سائر الخطايا، والتي قال عنها الرسول إن "أجرتها الموت" (رومية 6: 23).إنها استعباد الإنسان لقيود محدوديته، لأن آفاق تلك المحدودية قد غابت عنه وتناسى أنها تطلّ على دعوة الله له ورغبته بلقائه وإدخاله إلى فرحه الأبديّ. فإذا به يصبح أسيرًا لتلك المحدودية بسبب خوفه منها ومن الموت الذي يلخّصها ويجسدّها. خوفه من تلك المحدودية يحمله إلى ترسيخها وتحويلها إلى سجن له، مما يقوده إلى نمط عيش أشبه ما يكون بالموت، مما يعطي الموت كل "شوكته" في حياته: "إن شوكة الموت هي الخطيئة" (1 كورونثوس 15: 65). هذا ما أشارت إليه رسالة العبرانيين لما ذكرت "الذين كانوا طيلة حياتهم في العبودية في مخافة من الموت"(عبرانيين 2: 15).

    3- نهج يسوع كان على نقيض هذا الوضع "الساقط" وما موت يسوع سوى تتويج لهذا النهج
    فرادة يسوع أنه سلك على نقيض الوضع "الساقط" الذي يتخبط فيه الإنسان. لقد شارك البشر تماما في مأساتهم، مأساة التناقض بين لا محدودية الرغبة ومحدودية الوجود، ولكنه لم يشاركهم في الخطيئة التي تقودهم أليها هذه المأساة، خطيئة التقوقع على الذات وإدعاء ألوهة زائفة يخدعون بها أنفسهم ويتعامون بآن معا عن محدوديتهم بها لتجاوز هذه المحدودية، ألا وهو الانفتاح الكلّي إلى الله.

    لقد كان يسوع، من حيث بنوّته الأزلية، معادلاً لله، ولكنه لم يشأ أن يتخذ من هذه المساواة ذريعة ليحيا إنسانيته وكان بوسعها أن تكتفي بذاتها وتتنكّر لمحدوديتها وتستغني عن الله. بعبارة أُخرى لم يشأ أن يتصرّف وكأنه إنسان "يملك" الألوهة كما يتشبث البخيل بثروته. بهذا المعنى كتب الرسول بولس عنه" "فمع أنه في صورة الله لم يعدّ مساواته لله غنيمة" (فيليبى 2: 6). (والجدير بالذكر هنا أن الكلمة تُرجمت هنا إلى "غنيمة" قد وردت في الأصل اليوناني، harpagmon، والمعروف أن الكاتب المسرحي الفرنسيّ الكبير موليير قد سمى بخيلهHarpagon، وهي عبارة مشتقة من هذه الكلمة). هذه الاكتفائية التي رفضها المسيح لم تكن، لتتنافى مع حقيقة الطبيعة البشرية وحسب، التي اتخذها المسيح كما هي لا كمجرّد صورة أو مظهر، بلّ إنها تتنافى أيضاً مع حقيقة الألوهة نفسها، بالضبط كما انكشفت لنا بيسوع المسيح، على أنها ليست اكتفائية بلّ تواصلاً، عطاءً كلّيا وانفتاحا وتقبلاً كاملين في "حركة الحب الأبدية" التي تجمع أقانيم الثالوث.

    البنوّة الأزلية التي للمسيح، بصفته "الكلمة" الذي كان منذ البدء "نحو الله" ( تلك هي الترجمة الدقيقة للعبارة اليونانية الواردة في يوحنّا 1: 1 والتي تُعرّب عادة "عند الله" )، أي متجهًا بكل كيانه إلى الآب، شاء أن يحياها في الوضع البشري الذي اتخذه، انفتاحاً كاملاً إلى الله، فقرًا كلياً إليه، اعتمادًا عليه دون سواه من أجل تحقيق معنى حياته وأمنية وجوده. هذه الثقة الكاملة، العارمة بالله، النابعة من إلفة حميمة بين يسوع وبين الآب (عبّر عنها بتسمية الآب "أباً" وهي العبارة الأرامية التي تناسب "بابا" في لغتنا). هذه الثقة التامة بأن الله وحده قادر أن يلبّى عطش الإنسان المحوري إلى السعادة والاكتمال والخلود، هي التي أعطت يسوع القدرة على رفض كل الأصنام التي ينصبها البشر فيتعبدون من خلالها لذواتهم ويتنكّرون لمحدوديتهم، وينسون الله الذي هو وحده قادر أن يحرّرهم من وطأة هذه المحدودية. من هنا إن نهج حياته كلّها اتصف بالإخلاص الكامل لله كما عبّرت الرسالة إلى العبرانيين بقولها:
    "لذلك قال المسيح عند دخوله العالم: "لم يشأ ذبيحة ولا قرباناً ولكنك أعددت لي جسداً لم تقبل المحرقات ولا الذبائح كفّارة للخطايا فقلت حينئذ (وقد كان الكلام عليّ في طيّ الكتاب): هاءنذا آتٍ اللهم، لأعمل بمشيئتك"." (عبرانيين 10: 5-7).

    هذا الإخلاص الكامل لله والانفتاح الكلّى إليه ونبذ كل انكفاء على الذات يحُول بين الإنسان وبينه، عاشه يسوع في كل ظروف حياته الأرضية ومراحلها:

    أ - فقد رفض سراب التملك الذي يوهم المرء نفسه بواسطته أنه أصبح مكتفياً بذاته، مطمئناً، آمناً على مصيره، سيدًا مطلقا لحياته ("الغنيّ"، لغة، هو من استغنى أي اكتفى بذاته). لذا نراه حرّاً من كل تملّك، لا وجود لعائق يقيد انطلاقه نحو الله ومشاركته للناس "لِلثَّعَالِبِ أَوْجِرَةٌ وَلِطُيُورِ السَّمَاءِ أَوْكَارٌ وَأَمَّا ابْنُ الإِنْسَانِ فَلَيْسَ لَهُ أَيْنَ يُسْنِدُ رَأْسَهُ" (متى 8: 20).

    ب - رفض كذلك سراب التسلّط الذي، خاصة إذا اتخذ من الله ذريعة له، يوهم الإنسان بأنه تغلّب على محدوديته بسؤده على من هم أضعف منه، وبأنه أصبح "ظل الله على الأرض"، سيدًا لمصيره ومُهيمنا على مصائر العباد. لقد رفض يسوع، كما رأينا، أن يتذرّع بالله ليفرض على الناس سلطته وحكمه، فيبني لنفسه ألوهة زائفة تتستر بالله في الظاهر ولكنّها تتنكّر له بالفعل إذ تتجاسر على مصادرته واحتلال مكانه. لذا نراه حريصاً على بث رسالته بقوة الحق والإقناع وحده، عاري اليدين من كل سطوة مسلّحة وزعامة جماهيرية وأساليب سحرية يفتن بها الناس.

    ج - وبسبب إخلاصه الكامل لله، كانت حياته متجهة بكليتها، دون تحفّظ أو رجعة، نحو الآخرين، فكان يجد في خدمتهم فرحة وتحقيق ذاته. وقد لخص سفر أعمال الرسل بحق حياة يسوع بقوله على لسان بطرس: "مضى من مكان إلى آخر يعمل الخير (...) ونحن شهوداً على كل ما فعل من الحسنات في بلاد اليهود وأورشليم" (اعمال 10: 38، 39). وقد قال عنه إنجيل متى: "وكان يسير في جميع المدن والقرى يعلّم في مجامعهم ويُعلن بشارة الملكوت ويشفي الناس من كل مرض وعلة" (متى 4: 23). وأيضا: "فكان (...) يشفي جميع المرضى. فتم ما أوحي إلى النبي إشعيا فقال: "أخذ أسقامنا وحمل أمراضنا"" (متى 8: 16، 17). وكم من مرة ذكرت الأناجيل حنانه الفاعل على الناس ورأفته بمآسيهم، مثلاً: "ورأى الجموع فأخذته الشفقة عليهم، لأنهم كانوا متعبين رازحين، كغنم لا راعي لها" (متى 9: 36). (راجع أيضاً متى 14: 14؛ متى 15: 32؛ متى 20: 34؛ مرقص 6: 34؛ مرقص 8: 2و3؛ لوقا 7: 13).

    د - هذا الإخلاص الكلّي، الواحد الذي لا يتجزّأ، لله وللبشر "عياله"، الذي عاشه يسوع، جعله يلتزم دون أي تحفظ وتهرّب قضية تحرير الناس من طغيان الحكم الديني الذي كان يسحقهم. لذا تصدّى بجرأة فائقة لممثلي هذا الحكم، من رؤساء كهنة وكتبة وفريسيين، وفضح سوء رعايتهم لمن أؤتمنوا عليهم وتحميلهم للناس أحملاً ثقيلة بغية ترسيخ سطوتهم ونفوذهم وإشباع شهوتهم إلى التسلّط والمجد الباطل، ونادى بالقول والفعل أن الله يريد رحمة لا ذبيحة، وأعلن بالممارسة أن الشريعة، التي كان يستمد منها الرؤساء نفوذهم، وُجدت في الأصل من أجل الإنسان وليس الإنسان من أجل الشريعة. وفى تلك المواجهة القاسية لرؤساء شعبه، لم يشأ يسوع أن يضع ثقته في زعامة يمنحها له البشر أو في قوة مسلّحة يجابه بها خصومه، بلّ وضع ثقته كلها بالله وحده وذهب إلى أعدائه في عقر دارهم أورشليم، يواجههم بسلاح الله وحده الذي هو سلاح الحق. وقد كان عارفا أنه سائر إلى الموت، ولكنه تقبل الموت، لا حباً بالموت، بلّ كتعبير أسمى عن ثقته التامة بالله، وإعراضه عن كل وسيلة للمقاومة من أجل أن تُحجب حقيقة الله، ويقينه بأن الله قادر على إنقاذه حتى ولو اجتاز جحيم الموت، ولسان حاله يردّد مع كاتب المزمور 22: "نعم حتى ولو مشيت في وادي ظلّ الموت، فإني لست أخشى شراً لأنك معي." (مزمور 22 : 4).

    هـ - هذه الثقة الكاملة بالله هي التي سمحت ليسوع أن ينتصر على التجربة الأخيرة التي راودته في بستان حسثيمانى ( وقد كانت بالفعل تكرارًا لتلك التي راودته في بدء حياته التبشيرية )، ألا وهى أن يطلب من الله أن يتدخّل في مصيره فيعطيه مناعة إلهية ضد مكائد خصومه ويجعله فوق نواميس الطبيعة والتاريخ التي كانت تحتّم موته، وبعبارة أخرى أن تمنحه ألوهة زائفة تحجب حقيقة الله كإله مختلف عن رغائب الإنسان، وحقيقة الإنسان ككائن محدود لا يكتمل إلا بالله. فكان الصراع النفسي والروحي العنيف والعرق المتصبب كقطرات الدم وهتاف يسوع "ولكن لا كما أنا أشاء، بل كما أنت تشاء!" (متى 26: 39). عبر هذا الصراع ترسّخ يسوع في النهج الذي بقى أمينا له طيلة حياته، رغم التجارب التي واجهها، ألا وهو خط التعرّي الكامل أمام الله والإسلام الكلّي إليه والانتظار منه، ومنه وحده، تحقيق رغبة الإنسان في الاكتمال والخلود، إنما بطريقة تفوق كل تصوّرات البشر. لقد كان صراع الجسمانية محطة حاسمة في تحقيق المسيح لبنوّته الأزلية عبر البشرية الترابية المائتة التي اتخذها. وقد قالت الرسالة إلى العبرانيين بهذا الشأن: "وتعلّم الطاعة، وهو الابن، بما لقي من الآلام" (عبرانيين 5: 8).

    و- وقد بلغت هذه المسيرة تمامها وذروتها على الصليب. فقد اختبر يسوع، في ساعات الظلمة تلك، أكثر مما في أي وقت مضى، اختبر في جسده الذي كان يعاني سكرات موت رهيب وفي نفسه المكتنفة بمشاعر العزلة والفشل، تمايز الله الجذري عن تصورات البشر وأمانيهم، وقد تّرجم ذلك بشعور مرير بالتخلّي الإلهي: "إِلَهِي إِلَهِي لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟" (متى 27: 46). ولكنه، وبسبب من ذلك، اختبر أيضاً، أكثر مما في أي وقت مضى، الإسلام الكلّي إلى هذا الإله الآخر، الذي من حيث هو آخر هو وحده الإله الحقيقي المتميز عن تخيلات البشر، واختبر الثقة التامة بأن هذا الإله وحده قادر أن يحقق ملء رغبة الإنسان بالطريقة التي يعرفها ويشاؤها هو. من هنا تلك الصيحة الأخيرة التي أطلقها المصلوب قبل أن يلفظ الروح، أطلقها " بصوت عظيم" كما يقول الإنجيلي لوقا، وكأنه يلخّص ويتوّج مسيرة حياته كلّها وتوجهها المخالف لمجمل وضعنا " الساقط"، النازع إلى اكتفاء وهمي: "يَا أَبَتَاهُ فِي يَدَيْكَ أَسْتَوْدِعُ رُوحِي" (لوقا 23: 46).

    4- القيامة أتت تصديقا لمنهج يسوع، وكشفت حقيقة الله والإنسان
    وقد تقبّل الله تقدمة ابنه وتلقاه في المجد وحقق رغبته الإنسانية في الاكتمال والخلود. تقبله، لا بسبب الألم والموت ( كما لو كان ألم الإنسان وموته يلذّان له )، بلّ بسبب الإخلاص والتسليم اللذين بلغا ذروتهما عبر الألم والموت.

    وقد كانت قيامة يسوع العلامة الدامغة لهذا التقبل الإلهي له. وكانت التأكيد الثابت على أن نهجه إنما هو النهج الصحيح الذي يحرّر الإنسان من دوامة وضعه " الساقط" ويقوده إلى الحياة والاكتمال اللذين يتوق إليهما بملء جوارحه.

    وقد أتت القيامة تعلن بوضح حقيقة الله وحقيقة الإنسان، هاتين الحقيقتين اللتين بقي يسوع أمينا على الشهادة لهما بحياته وموته. فقد تبيّن بالقيامة:

    1. أن الله ليس عدو الإنسان، وإنه، إن كان يوقظ فيه رغبة لا تستطيع موجودات الكون أن تحققها، فإن ذلك ليس بقصد العبث بالإنسان (خلافا لاعتقاد سارتر بأن " الإنسان شهوة لا جدوى منها")، بلّ لأنه أعدّ له نصيبا أفضل وهو أن يتحد بخالقه وخالق الموجودات قاطبة ويشاركه فرحه الأبدي.
    2. إن الإنسان ابن لله لا عبد له يتلاعب به الله كما يشاء، وأنه لا يحقق ذاته ويبلغ غاية رغبته اللامتناهية إذا انكفأ على ذاته ونصبها ألوهة زائفة يتنكّر بها لمحدوديته، بلّ إذا عاش بنوّته الإلهية انفتاحا إلى الله أبيه وإسلاماً إليه وتجاوزًا للنفس نحوه ورأفة وحناناً بخلائقه.


    5- القيامة وخلاصنا:

    هكذا تُوّج يسوع بالقيامة "قائداً لنا إلى الخلاص" (عبرانيين 2: 10)يحرّرنا من أوهامنا القاتلة ويكشف لنا حقيقة الله وحقيقة ذواتنا ويرشدنا إلى طريق الحياة. ولكن هذا الإرشاد ليس مجرّد عملية ذهنية وقناعة فكرية، إنه تحوّل كيانيّ تتممه القيامة فينا انطلاقاً من معموديتنا التي، من خلال عمل حسّيّ يكتنفه روح الله، تزرع فينا طاقة المشاركة في قيامة المسيح (راجع كولوسي 2: 11 وما بعده)، تلك الطاقة التي يبقى عليها أن تتحوّل إلى فعل محيي عبر جهاد الإيمان الذي يمتدّ طيلة حياتنا.

    أ - فالقيامة تنقل المسيح إلى داخلنا ("مع المسيح صُلبتُ. فأحيا لا أنا، بل المسيح يحيا فيّ" غلاطية 2: 19 و20). ذلك أن المسيح الممجّد بالقيامة لم يعد محصورًا ضمن حدود الزمان والمكان بلّ أصبح مالئاً الكلّ يصوّره الروح القدس في كلّ واحد منا: "فإنكم وقد اعتمدتم جميعاً في المسيح، قد لبستم المسيح" (غلاطية 3: 27). ومن لبس المسيح فقد لبس الإنسانية الجديدة التي تجلّت فيه، وصارت له نظرة المسيح إلى الحياة، إلى الله والإنسان، تلكالنظرة التي تُحرّرنا من أوهامنا المميتة.

    ب - ثمّ أن مساهمتنا في قيامة المسيح تنقل إلينا، فيما نحن لا نزال في جسدنا الترابيّ ووضعنا المأساوي، طاقة الحياة التي انتصرت في المسيح القائم من بين الأموات، فنختبر في ذواتنا تباشير تلك الحياة الظافرة، قوة وفرحا وتجدّدًا في كياننا، ونشعر مع الرسول بولس إنه "إذا كان الإنسان الظاهر فينا سائراً إلى الخراب، فالإنسان الباطن يتجدّد يوماً بعد يوم" (2 كورونثوس 4: 16). هذه الثقة التي تنشأ فينا إن كنّا فعلاً قياميّين، والنابعة من خبرتنا المعاشة لقوة الحياة الجديدة فينا ولتصدّيها الفعّال لقوى الموت العاملة في كياننا، هذه الثقةتسلّحنا ضد الخوف من الموت وتعطينا القدرة على عدم الانقياد إلى هذا الخوف وإلى ما يؤول إليه من انطواء وتقوقع خانقين.هكذا يتحقق فينا ما تقوله الرسالة إلى العبرانيين من أن المسيح شاركنا في الدم واللحم ليعتق بموته الذين ظلوا طوال حياتهم في العبودية: "الذين ظلّوا طوال حياتهم في العبودية مخافة من الموت" (عبرانيين 2: 14-15). هكذا تتحرّر رغبتنا من عقالاتها، وعوض أن تضيع في سراب الأوهام القاتلة، تنطلق في رحاب الله الذي يستطيع وحده أن يلبّى انتظارها اللامتناهي.

    الخلاصة:
    هكذا فليس وفاء لدين، ليس عقاباً أنزله الله بابنه البري انتقاما من خطايا البشر. إنما الفداء عملية، لا حقوقية أو جزائية، بل علاجية، قامت بها المحبّة الإلهية لتصحيح المسيرة الإنسانية التي ضلّت الطريق فأدارت الوجه لله وتنكّرت لحقيقة الإنسان بآن، وضاعت في متاهات الأوهام وسلكت سلوكاً انتحارياً. لم يكن الفداء عبارة عن ذبيحة ضحية بريئة يسترضى بها البشر إلهاً صار عدوًّا لهم. بلّ أن الله، الذي لم يكن بالحقيقة عدوًا للناس في أي وقت من الأوقات، شاء أن ينحدر إليهم في شخص ابنه المتجسّد يسوع المسيح لكي يصالحهم بنفسه بعد أن اعتبروه زورًا وبهتانا عدوًا لهم،ويكشف لهم، من خلال ذاك الذي أصبح أخا لهم، الإنسان يسوع المسيح، حقيقة الله وحقيقة الإنسان، ويجعل من مسيرة يسوع الأرضية، من حياته وموته المتوجين بالقيامة، طريقا لهم يسلكونه ليتحرّروا من عداوتهم لأنفسهم ويستعيدوا أصالتهم السليبة ويجدوا السبيل إليه، سبيل السعادة التي أعدّها لهم منذ إنشاء العالم.

    مختصر الكلام أن الفداء ليس مقايضة حقوقية، إنما هو محبّة مجّانية كله، ومنسجم بالتالي كلّيا مع طبيعة الله كما كُشفت لنا بيسوع المسيح.

    المصدر: د. كوستي بندلي، الله والشر والمصير، ص201-224، طبعة ثانية مزيدة، منشورات النور 2007

    †††التوقيع†††


    هل صحيح أن العري في الساحة العامة خلاعة ..وعلى المسرح فن ...وعلى الشاطئ رياضة؟!
    ... صلي ... لأن الصلاة تهدئ النفس ...

    ... لا تغضب من وجود الشيطان في العالم ...
    ... لا تغضب أن الحرب مع الشيطان لن تنتهي ...
    ... لا تغضب أن داخـل الكنيســة هنــاك فـســــاداً ...
    ... لا تغضب ان ثعالب بلباس حملان موجودة وداخل الكنيسة ...
    ... بل صلي، بل اصبر، بل اتكل على الله الذي هو حجر الزاوية في الكنيسة ...

    إن كان لديك أي شكوى أو اقتراح أو رأي...إلخ. الرجاء لا تترد في مراسلتي على الخاص

  2. #2
    أخ/ت نشيط/ة الصورة الرمزية مايكل فيت
    التسجيل: Jun 2010
    العضوية: 8656
    الإقامة: الاسكندرية
    الجنس: male
    العقيدة: الكنائس غير الخلقيدونية / أقباط أرثوذكس
    أُفضل في الموقع: الإيمان الأرثوذكسي
    هواياتي: Sports, Poetry and Reading
    الحالة: مايكل فيت غير متواجد حالياً
    المشاركات: 400

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    افتراضي رد: الإنسان لم يسقط، فما معنى الفداء؟ بشارة، موت وقيامة المسيح في كتاب: الله والشر والمصير - د. ك. ب

    دكتور كوستي قدم حلا وجوديا يقولب به الايمان المسيحي و يقدمه للانسان الغربي المعاصر
    بينما يظل يسوع التاريخي هو بعد واحد فقط في الوجدان الشرقي الذي يحكي قصة الخلاص
    علي أساس التسليم الآبائي

    كلامه جميل لكنه ناقص

  3. #3
    مدير ومؤسس الموقع الصورة الرمزية Alexius
    التسجيل: Jun 2012
    العضوية: 1
    الإقامة: أوروبا
    الجنس: male
    العقيدة: الكنيسة الأرثوذكسية / روم أرثوذكس
    أُفضل في الموقع: تاريخ الكنيسة
    الحالة: Alexius غير متواجد حالياً
    المشاركات: 89

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    افتراضي رد: الإنسان لم يسقط، فما معنى الفداء؟ بشارة، موت وقيامة المسيح في كتاب: الله والشر والمصير - د. ك. ب

    كلامه جميل كجمال كلام أبوليناريوس (لا أشبه التعليمين بل الفعلين) الذي بتر النوس من المسيح، فقدم لنا طبيعة بشرية أشبه بالمسخ.
    والدكتور كوستي بتر الخلاص الحاصل في المسيح، فقدم لنا تشي جيفارا

    †††التوقيع†††


    هل صحيح أن العري في الساحة العامة خلاعة ..وعلى المسرح فن ...وعلى الشاطئ رياضة؟!
    ... صلي ... لأن الصلاة تهدئ النفس ...

    ... لا تغضب من وجود الشيطان في العالم ...
    ... لا تغضب أن الحرب مع الشيطان لن تنتهي ...
    ... لا تغضب أن داخـل الكنيســة هنــاك فـســــاداً ...
    ... لا تغضب ان ثعالب بلباس حملان موجودة وداخل الكنيسة ...
    ... بل صلي، بل اصبر، بل اتكل على الله الذي هو حجر الزاوية في الكنيسة ...

    إن كان لديك أي شكوى أو اقتراح أو رأي...إلخ. الرجاء لا تترد في مراسلتي على الخاص

المواضيع المتشابهه

  1. مشاركات: 28
    آخر مشاركة: 2012-06-29, 05:21 PM
  2. النور المقدس وقيامة المسيح
    بواسطة John of the Ladder في المنتدى أسئلة حول الإيمان المسيحي
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 2010-04-04, 12:08 AM
  3. الله والشر حسب أنافورة القديس باسيليوس الكبير
    بواسطة Bassilmahfoud في المنتدى اللاهوت الأرثوذكسي
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2008-03-28, 08:45 PM
  4. بشارة المسيح
    بواسطة Dimah في المنتدى أسئلة حول الكتاب المقدس
    مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 2008-02-01, 12:55 AM
  5. كتاب الله والشر والمصير تأليف كوستي بندلي
    بواسطة Habib في المنتدى المكتبة المسيحية
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 2007-03-04, 07:04 PM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •