أحد مرفع الجبن

وأخيراً يأتي الأحد الذي به نرفع عن موائدنا كل زفر، لنبدأ به صومنا الذي رتبته الكنيسة، وهيأتنا له جسدياً ونفسياً وروحياً. والآن بنعمة الرب ننطلق. ولكن إلى أين؟ أليس في طريق العودة إلى أبينا السماوي، بعد أن رجعنا إلى أنفسنا وقلنا كما قال الابن الشاطر: "كم من أجراء يفضل عنهم الخبز وأنا أهلك جوعاً أقوم وأمضي الى أبي وأقول له يا أبتِ قد أخطأت الى السماء وأمامك ولست مستحقاً بعد أن أدعى لك أبناً فاجعلني كأحد أجرائك".
إذن ننطلق تائبين إلى أبينا السماوي. وهدفنا أن يغفر لنا زلاتنا كي يقبلنا في بيته. في إنجيل اليوم، يضع علينا الرب شرطاً ملزماً، كي يغفر لنا زلاتنا: "إن غفرتم للناس زلاتهم يغفر لكم أبوكم السماوي أيضاً، وإن لم تغفروا للناس زلاتهم فأبوكم السماوي أيضاً، لا يغفر لكم زلاتكم. فاذا سألنا لماذا يضع الرب علينا هذا الشرط، فالجواب هو لسببين:
الأول: عندما يغفر الرب زلاتنا، فهذا يعني أنه غفر لنا خطايانا كلها، ومن بينها خطايانا تجاه إخوتنا، بناء على توبتنا الحقيقية عنها. فكيف يمكن لإنسان أن يطلب من الله أن يغفر زلاَته، وهو لا يريد أن يتوب عن خطية عدم غفرانه لإخوته، ولا أن يتراجع عن أفكاره الشريرة التي تخرج من القلب ويولدها عدم الغفران، مثل البغض والحقد والرغبة في الإنتقام؟ بتعبير آخر كيف يطلب من الله أن يغسله من إثمه، وأن يطهره من خطاياه ليبيّض اكثر من الثلج، وهو نفسه يريد أن يبقى في نجاسة عدم الغفران، وبالتالي خارج الحياة مع الله؟!
الثاني: عندما يغفر الرب زلاَتنا، فهذا يعني أنه تمت المصالحة ليس فقط بيننا وبينه، ولكن بيننا وبين إخوتنا أيضاَ. فكيف يمكن للرب أن يجعل هذه المصالحة الشاملة وكأنها قد تمت وهي لم تتم، بسبب عدم غفراننا نحن لإخوتنا؟ من جهتنا نحن، كيف يمكننا أن نرجع الى بيت أبينا الذي في السموات، أي أن نحقق بتوبتنا باكورة ملكوت السموات على الأرض -والذي هو ملكوت محبة مع الله وفيما بين الإخوة- ونحن لم نتصالح معهم؟ من أجل هذا كله يوصي الرب يسوع بالحاح: "فإن قدمت قربانك إلى المذبح وهناك قد تذكرت أن لأخيك شيئاً عليك فاترك هناك قربانك قدام المذبح واذهب أولاً واصطلح مع أخيك. وحينئذ تعال وقدم قربانك" (مت 23:5).
على أساس غفراننا لإخوتنا ومصالحتنا معهم، إذن، يبدأ صومنا الجماعي معهم، فنسمع ربنا يسوع يقول لنا: "ومتى صمتم فلا تكونوا معبسين كالمرائين فإنهم ينكَرون (يغيرون) وجوههم ليظهروا للناس صائمين. الحق أقول لكم إنهم قد أخذوا أجرهم". أول ما يتضح لنا من كلام الرب أن الصوم ليس فريضة فرضها الله على الانسان عليه تتميمها شاء أم أبى، وإلاَ غضب عليه وعاقبه.
هو بالاحرى نصيحة أعطاها الله له من أجل خيره: "ومتى صمتم". فالصوم جعل من أجل الإنسان –كما قال الرب عن السبت – لا الإنسان من أجل الصوم. ولهذا يتبناه عن إقتناع، وبكامل إرادته وحريته، كما تبناه كل رجال الله إن كان في العهد القديم –مثل موسى وإيليا ودانيال إلخ.- أو في العهد الجديد –مثل الرسل وتلاميذهم- لأنهم وجدوا في الصوم، مع الصلاة، الوسيلة الأفضل لتنقية النفوس والأجساد، وذلك من أجل إعدادها للقاء الرب القدوس. وعليه، فلا تحدد قيمة الصوم بمجرد ممارسته بل بكيفيتها. فالذي يهدف مثلاً الى الحصول على مديح الناس من خلال صومه، فقد أخذ أجره. من هنا يأتي عدم إعطاء الرب أهمية للمظاهر الخارجية التي كانت –في كثير من الأحيان- ترافق الصوم في العهد القديم، مثل العبوس والنوح ولبس مسوح من الشعر ونثر تراب على الرأس وتمزيق للثياب إلخ... وخاصة لأن بعض المرائين كانوا يتخذونها، ليظهروا من خلالها للناس أبراراً. لهذا قال: "وأما أنت فإذا صمت فادهن رأسك واغسل وجهك لئلا تظهر للناس صائماً بل لأبيك الذي في الخفية. وأبوك الذي يرى في الخفية يجازيك علانية".
موقف الرب يسوع هذا، يذكرنا بموقف الرب الذي أعلنه قديماً من خلال يوئيل النبي: "ولكن الآن يقول الرب إرجعوا إليَ بكل قلوبكم، وبالصوم والبكاء والنوح ومزّقوا قلوبكم لأثيابكم وارجعوا الى الرب إلهكم لأنه رؤوف رحيم بطيء الغضب وكثير الرأفة" (يؤ12:2-). المهم إذن بالنسبة للرب هو التوبة الحقيقية من الأعماق، والنوح الداخلي على الخطايا، وتمزيق القلب لا الثياب، والتغيير الكلي للذهن وللحياة، والصوم عن الزلاّت والشرور، والتي تؤدي بالنتيجة الى الفرح وتهلل الوجه لا الى العبوس. أما الصوم عن المآكل –فكما أشرنا أعلاه- هو الوسيلة الأنسب لتحقيق هذه التوبة والرجعة الى الله، وخاصة إذا إقترن بالصلاة وحفظ وصايا الرب.
من جهة الوصية الأخيرة التي يوصينا بها الرب في إنجيل هذا الأحد: "لا تكنزوا لكم كنوزاً على الأرض حيث يفسد السوس والآكلة وينقب السارقون ويسرقون. لكن إكنزوا لكم كنوزاً في السماء حيث لا يفسد سوس ولا آكلة ولا ينقب السارقون ولا يسرقون". فالسؤال الذي يرد مباشرة على الذهن: كيف بإمكان الإنسان أن يكنز كنوزاً في السماء، وما علاقة هذه الكنوز بالصوم الذي أوصانا به الرب، والذي يفترض أن نعيشه غداً؟
ثمة جواب على هذين السؤالين معاً أعطاه الرب في العهد القديم. وفيه يظهر لنا بطريقة شاملة وواضحة ماهية الصوم الذي يرضي الرب، والذي نكنز فيه كنوزاً في السماء، ويصلح أن نتخذه كقاعدة نسير على هديها في صومنا المقبل: "أمثل هذا يكون صوم أختاره. يوماً يذلّل الإنسان فيه نفسه يحني كالأسلِة رأسه ويفرش تحته مسحاً ورماداً. هل تسمّي هذا صوماً ويوماً مقبولاً للرب. أليس هذا صوماً أختاره حَلَّ قيود الشرّ. فَكَّ عُقد النير وإطلاق المسحوقين أحراراً وقطع كل نير. أليس أن تكسر للجائع خبزك وأن تدخل المساكين التائهين الى بيتك. وإذا رأيت عرياناً أن تكسوه وأن لا تتغاضى عن لحمك حينئذ ينفجر مثل الصبح نورك وتنبت صحتك سريعاً ويسير برك أمامه... حينئذ تدعو فيجيب الرب. تستغيث فيقول ها أنذا" (أش3:58-).
أيها الأحباء:
غداً بإذن الله يبدأ الذين تسمح لهم صحتهم وظروفهم وحميتهم الروحية بإنقطاع عن المآكل الحيوانية، واستبدالها بالمآكل النباتية. وبالطبع فبيس صومنا هذا، المتعلق بالمآكل، هو بحد ذاته الغاية بل هو الإطار الملائم كي نختار الصوم الذي إختاره الرب. "صادقة هي الكلمة أنه إن كنا قد متنا معه فسنحيا أيضاً معه. إن كنا نصبر فسنملك أيضاً معه" (2تي11:2). لأن له الملك والقدرة والمجد الى أبد الدهور. آمين.
(الأب د.جورج عطية)