في أحد الأرثوذكسية

في مسيرة الصوم الكبير نحو الفصح، وبعد الآحاد الأربعة التي هيأت له، يتصدر هذه المسيرة أحد الأرثوذكسية، وكأن الكنيسة تريد بهذا أن تقول لنا أن الأرثوذكسية أي إستقامة الرأي هي نقطة إنطلاق هذه المسيرة، شرطها وأساسها. إذ بدونها يستحيل الوصول الى الهدف الأسمى وهو لقاء الكنيسة مع عريسها القائم من بين الأموات. لأنه كيف يصل الى لقاء العريس من لم يؤمن به، وكيف يؤمن به من لم يعرف من هو؟ من أجل ذلك جاهدت الكنيسة –منذ بداية نشأتها ولا تزال الى يومنا الحاضر ضد الهرطقات المختلفة التي شوّهت صورة السيد، وعطّلت بالتالي الإيمان الصحيح به، وإمكانية التعرف عليه. فالبعض من هذه الهرطقات أنكر حقيقية تجسده، والبعض أنكر ألوهته، والبعض أنكر وحدانية طبيعتيه الإلهية والإنسانية، والبعض أنكر رسم أيقونات له ولقديسيه.
وكان الإنتصار على الهرطقة الأخيرة –والتي دعمها عدد من الأباطرة، فتعرّض عدد كبير من الرهبان والمؤمنين للتشريد والنفي والتعذيب والاستشهاد خلال أكثر من قرن كامل (726 – 843)- هو المناسبة التي نعيّد لها اليوم. وذلك حين دعت ثيودورا –الوصية على ولدها الأمبرطور العتيد ميخائل- الى مجمع أرجع فيه الإعتبار للإيقونات وللمجمع المسكوني السابع (787)، كما نظّم زياحاً عظيماً رفعت فيه الإيقونات في شوارع القسطنطينية، يوم الأحد الأول من الصوم الكبير سنة 843. وهكذا صار ذلك الأحد للأبد أحد الأرثوذكسية، تذكاراً ليس فقط لإنتصار الأرثوذكسية على محاربي الإيقونات، بل وعلى جميع البدع.
في أحد الأرثوذكسية يقرأ المقطع الإنجيلي الذي يشدّد على حقيقة أن "الكلمة صار جسداً وحلّ بيننا" (يو14:1)، وصار بإمكانأي إنسان أن يراه وأن يتعرف عليه. ولهذا كان جواب فيلبس عندما سأل نثنائيل "أمن الناصرة يمكن أن يكون شيء صالح"؟: "تعال وانظر". وكانت النتيجة أنه عندما أتى ونظره وسمعه أن صرخ: "يا معلم أنت ابن الله أنت معلم إسرائيل". من هنا لم تكن إستماتة القديسين في الدفاع عن أهمية الإيقونات وضرورتها، سوى رغبتهم في التأكيد على أن الكلمة الإلهي قد تجسد حقاً ورؤي حقاً وعرف حقاً. ولذلك صار بالإمكان أن يصوّر، وبالتالي أن يُرى ويعرف عن طريق الإيقونات. لأنه كما أن الكلام البشري المؤلف من حروف منطوقة أو مكتوبة، يساعد على التعرف على الكلمة المتجسد، ليس فقط كابن للبشر بل وكابن لله، كذلك فالإيقونات المرسومة بحسب الأصول الكنسية، تساعد على التعرف على السيد ليس فقط كابن للبشر بل وكابن لله، كما تساعد على الصلاة ونقل المصلّي مما هو منظور الى غير المنظور.
في أحد الأرثوذكسية أيضاً يحمل المؤمنون بابن الله الذي صار إنساناً، إيقوناته وإيقونات قديسيه. وهدفهم أن يعبّروا عن إيمانهم بحقيقية تجسده، وأنهم، وإن كانوا لم يروه هم أنفسهم، إلا أنهم آمنوا بشهادة تلاميذه الذين رأوه وسمعوه ولمسوه. وها هم يرفعون أولاً هذه الشهادة، أي الإنجيل الذي كتبه تلاميذه بورق وحبر، ووراءه يرفعون إيقوناته المرسومة بخطوط وألوان، والتي تشهد أيضاً عن حقيقة حضوره في هذا العالم، والخلاص الذي صنعه كإله وإنسان. كما تشهد إيقونات القديسين المرفوعة على إكرام شعب الله لقداستهم، وعلى أن قداستهم هي ثمرة إيمانهم بيسوع القدوس وحده، ومعرفتهم أنه "الإله الحق والحياة الأبدية"، له المجد والسجود. آمين.
(الأب د.جورج عطية)