أحد السجود للصليب

في هذا الأحد، والذي يقع في منتصف الصوم الكبير، نسجد لصليب الرب المحيي، وقبل أن نصل الى الأسبوع الأخير، حيث نعاين فيه السيّد على الصليب متألماً ومائتاً، ومن ثمَّ مدفوناً وقائماً من بين الأموات. لأن سجودنا اليوم للمصلوب، معبرين عن شكرنا وتمجيدنا للرب الذي إرتضى أن يخلصنا بالصليب، يعزي ويشدد قلوبنا في جهادنا، عالمين أنه قد اقترب بلوغ أسبوع آلامه الكلية الوقار الموصلة الى الخلاص والى فرح القيامة.
اليوم، فضلاً عن السجود لصليب الرب، يسمع المؤمن الإنجيل المتعلق بدعوة الرب –لا لتلاميذه فحسب، بل وللجمع الذي تبعه- كي يحملوا صليبهم ويتبعوه. فالإنجيلي مرقس سبق وأوضح ذلك في مقدمة الآية الأولى من إنجيل هذا الأحد حيث قال: "ودعا الجمع مع تلاميذه وقال لهم: من أراد أن يتبعني..." الدعوة إذاً للجميع. ومع هذا ترك الرب للبشر أن يختاروا بإرادتهم قبول هذه الدعوة أو رفضها، إذ قال لهم: "من أراد أن يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني". ولكي يرغّبهم بقبول هذه الدعوة: "لأن من أراد أن يخلص نفسه يهلكها ومن أهلك نفسه من أجلي ومن أجل الإنجيل يخلصها". أمام هذا التضاد الغريب في إنجيل اليوم، لا بدّ أن نتذكّر أن محبة الذات أو الأنانية -والتي صارت الدافع الخفي وراء كل تصرفات الإنسان الشريرة- هي المرض الأخطر الذي طرأ علينا بعد دخول الخطيئة الى العالم. ولا يمكن شفاؤنا من هذا المرض إلا إذا قبلنا بإرادتنا -وبمعونة النعمة الإلهية- أن نكفر أو ننكر ذواتنا. ولاسيما إذا كان الدافع وراء إنكارنا لذاتنا، هو محبتنا للرب وحفظنا لوصاياه، ومنها تكريس ذاتنا للإنجيل أي للبشارة من أجل خلاص الآخرين. هكذا فعلاً نخلص ذواتنا من الهلاك الأبدي لمنحها الحياة الأبدية، فنكون قد احببناها فعلاً إذا أبغضناها، رافضين أن نرضي شهواتها الباطلة في هذه الحياة الزائلة. أما عن حملنا لصليبنا واتباعنا للمصلوب، فيتم ذلك حين "نحب بعضنا بعضاً كما أحبنا هو"، إذ "ليس لأحد حبأعظم من هذا أن يضع أحد نفسه لأجل أحبائه" (يو12:15). على أن إنكار الذات هو خلاص لها وحياة، ليس فقط في الدهر الآتي بل وفي هذا الدهر أيضاً. لأن الذي يحب محبة "لا تطلب ما لنفسها" هو الذي يحبه الآخرون، ويحاولون أن يبادلوا محبته بمحبة مثلها، فينجح ويسعد في جميع إرتباطاته وعلاقاته معهم. بينما يفشل ويشقى الأناني في صداقاته، أو في حياته العائلية، وحتى ولو نجح في أعماله، ووصل الى أعلى الذرى.
مع كل ذلك، فالأغلبية الساحقة من البشر رفضت ولا تزال ترفض دعوة المسيح لحمل الصليب وإتباعه، وذلك للأسباب التالية:
1- إما بسبب عدم الإيمان بيسوع، ولهذا يستهزئ الكثيرون به وبدعوته. ومن الممكن أن يمضوا الى أبعد، فيقوموا هم بصلب يسوع عبر صلبهم لأتباعه، محققين قوله: إن كانوا قد اضطهدوني فسيضطهدونكم" (يو20:15).
2- إما بسبب حياء البعض لقبولهم كلام يسوع غير القابل للتصديق من قبل "جيل فاسق خاطئ". جواب يسوع لهؤلاء: "من يستحي بي وبكلامي في هذا الجيل الفاسق الخاطئ يستحي به إبن البشر متى أتى في مجد أبيه مع الملائكة القديسين".
3- إما بسبب المحبة للخطيئة وللعالم. على هذه يذكر الرسول يوحنا: "لأن كل ما في العالم شهوة الجسد وشهوة العيون وتعظم المعيشة ليس من الآب بل من العالم. والعالم يمضي وشهوته وأما الذي يصنع مشيئة الله فيثبت الى الأبد" (1يو16).
أيها الأحباء:
في منتصف صومنا المبارك ينتصب اليوم صليب ربنا يسوع المسيح. وكأنه تذكير لنا أن صومنا الحقيقي وسجودنا الأهم للصليب، هو حملنا نحن صليبنا واتباعنا للسيد. لهذا نصرخ الى الرب من وسط شعورنا بعجزنا عن أن نستجيب لدعوة مستحيلة كهذه بالنسبة لإمكانياتنا وضعفنا. فيأتينا جوابه الذي قاله مرة لرسوله بولس: "تكفيكم نعمتي لأن قوتي في الضعف تكمل" (2كو9:12). (الأب د.جورج عطية)