بعد أسبوع التجديدات
في سبت التجديدات تقرأ كنيستنا، من إنجيل يوحنا، ما ورد في الإصحاح الثالث، الآية الثانية والعشرين حتى الثالثة والثلاثين. الكلام، في هذا النصّ، هو على القدّيس يوحنا المعمدان شاهداً للمسيح أنّه هو مرسل أمامه وأن يسوع هو العريس ويوحنا صديق العريس وأنّ فرحه هو قد كَمَلَ وأنّ للعريس، منذ الآن، أن يزيد وله هو، يوحنا، أن ينقص.
يوحنا خَبِرَ شيئاً من القيامة قبل القيامة. حدَّث، بدمه، عن القيامة الآتية. عرف أن يمّحي وعرف كيف يعتبر نفسه كلا شيء بإزاء السيّد، مجرّد صوت صارخ في البرّية "أعدّوا طريق الربّ". يسوع، في عينه، هو الكل. عَلَّمنا أنّه ليس أحد منا شيئاً. خَبِرَ يوحنا القيامة لأنّ القيامة قائمة في الموت. خبرة الموت، خبرة الصليب، تأتي أولاً. أما العطايا الصالحة والمواهب الكاملة فمن فوق. في ذاته، ليس لأحد، ههنا، شيء. تراب ورماد. الذي من الأرض أرضي ومن الأرض ينطق، أما الذي يأتي من السماء ففوق الكل وهو أعلى من الكل. هذا هو الذي انتظرناه وله نشهد وفيه نختبر القيامة الحقّ.
كثيرون، في تاريخ الخلاص، عرفوا، بإزاء كلمة الله، أن يُلغوا أنفسهم. اعتبروا أنفسهم مجرّد حَمَلَةٍ للكلمة. والمهم الكلمة لا مَن يحملها. لذا، وقد ختمنا أسبوع التجديدات، ذُكِّرنا، في السبت، بأنّ القيامة هي نصيب الذين يعرفون أن يسلكوا في الإمِّحاء. نقول هذا لأنّ كل أحد، بدون استثناء، لصيق نفسه بحيث يُوجَد عابداً لنفسه لا لربّه، واعياً أو غير واعٍ. يعبد أهواءه، يعبد أناه، يعبد كبرياءه، يعبد كرامته، يعبد رأيه، يعبد كل ما يختصّ به. وهو فاعل ذلك من خلال كل ما تقع يده عليه ومن خلال الربّ يسوع بالذات. صعوبتنا، في كنيسة المسيح، أنّنا دائماً ما نطلب أنفسنا في يسوع المسيح وما لأنفسنا. نتكلّم على يسوع ونتغنّى بيسوع ونصدح بالترتيل ليسوع، ولكنْ نفعل ذلك لنَبرز نحن. نفعل ذلك لأنّنا نحن مَن يفعل ذلك. عيننا الداخلية هي على أنفسنا لا على الربّ يسوع. هذه هي التجربة الكبرى لمَن هم في الكنيسة ولمَن هم خارجها سواء بسواء. الإنسان، هذه مأساته أن السقوط جعله مائلاً، عفوياً، إلى عبادة نفسه. لذا عَبَدَ الأصنام التي هي صورة عن ذاته. حتى الله، أكثر ما عبده الناس كصنم من حيث إنّهم طلبوا أهواءهم فيه. قليلاً، في تاريخ إسرائيل، ما أفرغ إسرائيل نفسه ليتملأ من حضرة الربّ الإله. فلا غرو إن كان القطيع، أبداً، صغيراً. أما الأكثرون فلازموا عبادة أنفسهم، من حيث يدرون ولا يدرون. حتى اليوم، في كنيسة المسيح، قلّما القلب تغيّر. لا زلنا، على الصعيد الشخصي والجماعي معاً، علقى عبادتنا لأنفسنا في يسوع. قلّة، في كنيسة المسيح، تتمثّل صليب المسيح وتالياً قيامته. علاقتنا به، بالأكثر، باقية خارجية. علاقة القلب بالقلب عزيزة. قليلون اقتبلوا القلب الجديد والحياة الجديدة وصاروا آنية لروح الربّ القدّوس. قلّة اقتبلت العهد الجديد لأنّها أرادت أن تصير جديدة. لذا، في العمق، لا فرق تلقاه بين الكثيرين، ممَن يُحسَبون أبناء الإيمان، والذين هم في الخارج، ممَن لم يعرفوا الربّ يسوع كرازةً. أولئك وهؤلاء تحكمهم الأخلاق العامة وناموس الطبيعة البشريّة. غير أنّ الشهادة لا تقوم إلاّ في الروح والحقّ. أنْ يسلك الإنسان في الحقّ معناه أن يتخلّى عن أصنامه، عن تمسّكه بأهوائه، عن كل ما يختصّ به مؤلَّهاً.
لذا أكثرنا لا زال في عتاقته. وكثيراً ما يمرّ حَدَثُ القيامة بنا كحدَث خارجٍ عنا. لكنّنا، في الكنيسة، نعود ونكرِّر بأنّه ينبغي لكل أحد أن ينقص وللسيّد فيه أن ينمو. كل منا برسم أن ينقص من جهة ذاته، من جهة كبريائه. حتى في إطار الدير يمكن أن تتحوّل الحياة الرهبانية، بيسر، إلى حياة في الظاهر، ولو كان كل شيء فيها مرتّباً ليعين على امّحاء الإنسان وإلغائه نفسَه. لذا كانت الطاعة في الدير. الطاعة بمعنى أن يتخلّى الراهب عمّا له، رأياً ومشيئةً وفكراً. وكذا من جهة الفقر الرهباني. يَقبل المرء أن يتنازل عن كل شيء، عن خاصته، ليصير فقيراً في قلبه. إذ ذاك يتسنّى له أن ينفتح على الغنى النازل من فوق.
على هذا تعود الكنيسة وتكرِّر لنا في مسيرنا ما هو للموت والقيامة، ما هو للحياة الجديدة، حتى تنفذ الكلمة والنعمة إلى القلب، حتى نصل إلى حين نتمثّل فيه ما تعرضه علينا. لذا كان لائقاً بكل منا أن يعود إلى نفسه وأن يسأل: هل تمثّلتُ الموت والقيامة إلى الآن أم لا أزال قابعاً في عتاقتي؟ العودة إلى الضمير، العودة إلى الحسّ الداخلي أساسية ليكون لنا أن ننفذ إلى سرّ الصليب أو بالأحرى لكي ينفذ سرّ الصليب إلى قلوبنا، ثمّ سرّ القيامة، كحقيقة جديدة من فوق. جدير بنا، إذاً، أن نعود إلى مطلع السيرة، أن نعود إلى ذواتنا، إلى التوبة، إلى تغييرٍ في فكر القلب عميق، حتى لا نبقى خارجاً، لأنّ ساعة تأتي يدخل فيها العريس خدره ويُغلَق الباب فيما يبقى الكثيرون خارجاً وقد ظنّوا أنفسهم أصحاب حقّ في أن يكونوا مع السيّد. إن لم نُقِم في التوبة الحقّ أولاً فلا قيامة لنا ولا شركة في قيامة المسيح.
ابتهالنا إلى الربّ الإله أن يُنعِم علينا بنوره الوضّاء حتى يتحرّك ويتحرّق هذا القلب إلى يسوع. فقط إذ ذاك يطيب الصليب من أجله وتطيب القيامة الحقّ معه.
الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما / في 11 أيار 2008