عظة حول الإنجيل (يو1:12-)
في أحد الشعانين
من هو ذلك الإنسان "الغريب في أورشليم"، والذي دخل الى أورشليم "راكباً على جحش ابن أتان"، منذ حوالي ما يزيد على ألفي سنة، ومع ذلك إستقبله جمع كثير إستقبالاً منقطع النظير، الى حد أن يقول "الفريسيون بعضهم لبعض انظروا إنكم لا تنفعون شيئاً هوذا العالم قد تذهب وراءه" (يو19:12). فقد فرش الكثيرون ثيابهم في الطريق. وآخرون قطّعوا أغصاناً من الشجر وفرشوها في الطريق. كما أخذ الذين تقدموا والذين تبعوا سَعَف النخل وخرجوا للقائه، وهم يصرخون قائلين "هوشعنا لابن داود مبارك الآتي باسم الرب ملك اسرائيل، هوشعنا في الأعالي".
فلماذا رحّبت به تلك الجموع الغفيرة ذلك الترحيب الحار، هل لأنه حقاً ملك اسرائيل كما وصفته؟ وإن كان ملكاً أو يسعى في استرداد ملك، فلماذا لم ترافقه احتفالات رسمية أو مواكبة مسلحة؟ ومع هذا فقد كان ملكاً، إنما من نوع آخر. فهو وإن كان الوحيد بين الملوك الذي لم يكن عنده قوة أرضية، ولا حتى جندي واحد أو قطعة سلاح واحدة، إلا أنه الوحيد بينهم الذي صنع قوات وعجائب، وآخرها إقامة صديقه لعازر من بين الأموات بعد أن بقي في الأرض أربعة أيام. وهو الوحيد الذي تكلم الأنبياء عن ملكوته منذ آلاف السنين، والذي يتميز عن ملكوت ملوك الأرض تمايز السماء عن الأرض. فملكوته سماوي أبدي سلامي، ويطال لا أمة واحدة، بل جميع أمم الأرض.
ها هو زكريا النبي يصف ذلك الدخول ذاته الى اورشليم، ويعرّف عن ذلك الإنسان لا كملك فقط على أورشليم، بل وعلى جميع الأمم. أكثر من ذلك يؤكد أنه ملك سلام، ولهذا يركب على حمار، وفي ملكوته تنقطع كل أدوات الحرب: "إبتهجي جداً يا ابنة صهيون اهتفي يا بنت أورشليم. هوذا ملكك يأتي إليك هو عادل ومنصور وديع وراكب على حمار وعلى جحش ابن أتان. وأقطع المركبة من أفرايم والفرس من أورشليم وتقطع قوس الحرب. ويتكلم بالسلام للأمم وسلطانه من البحر الى البحر، ومن النهر الى أقاصي الأرض" (زك9:9-).
وها هو دانيال النبي يراه "في رؤى الليل مع سحاب السماء مثل ابن إنسان (الابن المتجسد) قرّبوه قدّام القديم الأيام (الآب)، فأعطي سلطاناً ومجداً وملكوتاً لتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة. سلطانه سلطان أبدي ما لن يزول وملكوته ما لا ينقرض" (دا13:7-).
وها هو أشعياء النبي يتكلم أيضاً على ملكوته الأبدي السلامي على كرسي داود –على اعتبار أنه من نسله بحسب الجسد- لكن الأهم، أن هذا الملك هو ذاته ابن الله، الإله القدير:"لأنه يولد لنا ولد ونعطى إبناً وتكون الرياسة على كتفه ويُدعى اسمه عجيباً مشيراً إلهاً قديراً أباً أبدياً رئيس السلام. لنمو رياسته وللسلام لا نهاية على كرسي داود وعلى مملكته ليثبّتها ويعضدها بالحق والبر من الآن الى الأبد" (أش6:9-).
من هنا، ولأن هذا الإنسان الداخل الى أورشليم، هو نفسه المسيح المنتظر (أش1:61، مز7:45)، "ابن الله الحي"، فليس غريباً أن يحرّك روح الله الذين آمنوا به، ويهيء تسبيحاً وحتى من أفواه الأطفال: "لمّا قرب عند منحدر جبل الزيتون إبتدأ كل جمهور التلاميذ يفرحون ويسبحون الله بصوت عظيم لأجل جميع القوات التي نظروا. قائلين مبارك الملك الآتي باسم الرب. سلام في السماء ومجد في الأعالي" (لو37:19-) وبالمقابل، أن يحرّك الشيطان في نفوس أعدائه الحسد، والخوف على رياستهم ومصالحهم، فيقول بعض الفريسين ليسوع: "يا معلّم انتهر تلاميذك"، فيجيبهم: "أقول لكم إنه إن سكت هؤلاء فالحجارة تصرخ" (لو40:19). "ولما رأى رؤساء الكهنة والكتبة العجائب التي صنع والصبيان يصيحون في الهيكل ويقولون هوشعنا لابن داود غضبوا. وقالوا له أتسمع ما يقول هؤلاء. فقال لهم يسوع. نعم. أما قرأتم قط أن من أفواه الأطفال والرضّع هيأت تسبيحاً" (مت15:21-).
أيها الأحباء:
اليوم نخرج جميعاً لنستقبل ملكنا وإلهنا ومعنا أطفالنا. نضرع الى الرب "الكائن والذي كان والذي يأتي القادر على كل شيء (رؤ8:1)، أن يحرّك قلوبنا كي نتهلل ونسبّح ونصرخ للجالس على الشيروبيم، والآتي اليوم على جحش ابن أتان من أجل خلاصنا. هلموا لنسجد ونركع لملكنا وإلهنا. هلموا لنسجد ونركع للمسيح ملكنا وإلهنا. هلموا لنسجد ونركع للمسيح، هذا هو ملكنا وربنا وإلهنا، الممجّد الى أبد الدهور. آمين.
(الأب د.جورج عطية)