حقيقة قيامة يسوع
كثيرون يعطون الرسول توما كمثال على عدم التصديق، فيقولون لإنسان شكّاك: أنت مثل توما. ولكن هؤلاء ينسون أن كل تلاميذ المسيح الآخرين -بمن فيهم النساء اللواتي سبقن الجميع في رؤيتهن الملائكة والقبر الفارغ- لم يصدقوا، مثل توما، في البداية حقيقة القيامة، إلاّ بعد أن ظهر لهم المسيح، وكلّمهم شخصياً، ورأوه بأم أعينهم. فمثلاً عندما جاءت مريم المجدلية الى القبر باكراً والظلام باق فنظرت الحجر مرفوعاً عن القبر، لم تؤمن حينها، إنما "ركضت وجاءت الى سمعان بطرس والى التلميذ الآخر الذي كان يسوع يحبّه، وقالت لهما أخذوا السيّد من القبر ولسنا نعلم أين وضعوه". كذلك فيما هي تبكي إنحنت الى القبر فنظرت ملاكين فقالا لها يا امرأة لماذا تبكين قالت لهما أخذوا سيّدي ولست أعلم أين وضعوه. ولم تؤمن أنه قام إلاّ بعدما ظهر لها شخصياً وكلّمها. لكنها عندما ذهبت "وأخبرت الذين كانوا معه وهم ينوحون ويبكون. فلما سمع أولئك أنه حيّ وقد نظرته لم يصدقوا" (مر10:16). كذلك النساء حاملات الطيب عندما "أخبرن الأحد عشر وجميع الباقين بهذا كلّه.. تراءى كلامهن كالهذيان ولم يصدقوهن (لو11:24). لهذا عندما ظهر يسوع للأحد عشر وهم متكئون وبّخ عدم إيمانهم وقساوة قلوبهم لأنهم لم يصدّقوا الذين نظروه قد قام" (مر14:16). أكثر من ذلك عندما "وقف يسوع في وسطهم وقال لهم سلام لكم" "جزعوا وخافوا وظنوا أنهم نظروا روحاً. فاضطّر السيد أن يقول لهم: انظروا يديّ ورجليّ إني أنا هو. جسوني وانظروا فإن الروح ليس له لحم وعظام كما ترون لي. وحين قال هذا أراهم يديه ورجليه. وحتى "أكل قدامهم" (لو36:24-). أي اضطّروا السيد أن يحقق لهم تماماً ما سيطلبه الرسول توما –الذي لم يكن حاضراً معهم حينها-: "إن لم أبصر في يديه أثر المسامير وأضع إصبعي في أثر المسامير وأضع يدي في جنبه لا أؤمن". هذا كلّه يؤكد أن تلاميذ المسيح لم يكونوا سذّجاً ولا سريعي التصديق، وأن بشارتهم التي نقلوها الى العالم عن قيامة يسوع، لم تبن على وهم أو تخيل أو خداع، بل على حقيقة راسخة. إذ رأوا بأعينهم وسمعوا بآذانهم وجسّوا بأيديهم. ولهذا قبلوا أن يصيروا شهوداً لابن الله القائم حقاً بالجسد من بين الاموات، وأن يؤكدوا صحة شهادة كلامهم بختم شهادة دمهم.
وإن سألنا لماذا لم يستطع تلاميذ المسيح في البداية أن يصدّقوا أن معلمهم قد قام، فأغلب الظن أن ذلك كان يرجع لسببين رئيسيين:
1- رؤيتهم من آمنوا به أنه ابن الله –بعد إلقاء القبض عليه وتسليمه للمحاكمة- في حالة صمت وما ظنوه عجزاً عن مقاومة المتآمرين عليه. مما جعلهم يشكّون بقدرته ومن ثمّ بألوهته. وقد ازداد هذا الشك مع ازدياد تجرؤ أعدائه عليه، عند صدور الحكم عليه، من بصق في الوجه ولكم ولطم واستهزاء، والباسه اكليل الشوك ورداء قرمزياً وقصبة في يمينه، ومن ثمّ ضربه بها على رأسه إلخ... وقد وصل هذا الشك الى ذروته بعد صلبه وتحدّي المجتازين به –ومن بينهم رؤساء الكهنة والكتبة والشيوخ- إن كان ابن الله أن ينزل عن الصليب. وبالطبع فتلاميذه كانوا يجهلون حينها أبعاد سر فدائه، وبالتالي السبب الحقيقي الذي جعله يحجم عن استعمال قوته. فباستطاعته كان ان يبيد اعداءه بلحظة واحدة. ولكنه لم يفعل لأنه لم يأت ليدين بل ليخلّص، ولأنه "محبة" (يو8:4). إذ "ليس لأحد حب أعظم من هذا ان يضع أحد نفسه لأجل أحبائه (يو13:15). فقوته الحقيقية إذن كانت في عظمة محبته، وبالتالي في جبروت احتماله.
إذ ارتضى أن يصير لعنة من أجلنا، لكي تغفر خطايانا نحن، ويهان هو، لنتمجد نحن، ويتألم ويموت هو، لكي نحيا نحن.
2- كانت ثقة التلاميذ كبيرة في معلمهم عندما كان على قيد الحياة. وكانوا لا يشكّون حينها أنه يستطيع أن يشفي المرضى وينهض المخلعين وحتى أن يقيم الموتى. ولكن هل كان بإمكانهم أن يصدّقوا أنه يستطيع أن يقيم نفسه من الموت بعد أن مات؟! لهذا كانت قيامته، بالنسبة إليهم من الأحلام المستحيلة والتي دفنت مع دفنه. لكن عندما تحقّقوا أنه حطّم المستحيل، تجدّد إيمانهم لا بل تفجّر متجاوزاً كل الأبعاد والحدود. إذ أيقنوا دون أي شك، أنه لو لم يكن أصلاً ابن الله الحيّ الذي لا يموت، وبالتالي وحده "الإله الحقّ والحياة الأبدية" (1يو20:5)، لما استطاع أن يقيم جسده المائت، ويحقق ملكوت الله، وكل ما وعدهم به قبلاً. لذا صاروا مستعدين أن يحملوا صليبهم ويتبعوه وحتى الى الموت، ويصيروا خداماً لكل من سوف يبشروهم به، على مثال "ابن الانسان الذي لم يأت ليخدَم بل ليخدم وليبذل نفسه فدية عن كثيرين" (مت28:20).
أيها الأحباء:
الآن وقد تجاوزنا، منذ أسبوع، مرحلة أربعين الصوم الكبير وأسبوع آلام ربنا يسوع، ودخلنا الأربعين بعد القيامة، حيث نلتقي مع عريس الكنيسة القائم من بين الأموات، فلا يزال "اليوم يوم القيامة فلنتلألأ أيها الشعوب، لأن الفصح هو فصح الرب، وذلك لأن المسيح إلهنا قد أجازنا من الموت الى الحياة، ومن الأرض الى السماء"، له المجد والسجود الى أبد الدهور. آمين.
(الأب د.جورج عطية)