أحد المخلَّع
لا زلنا نعيش فرح القيامة المجيدة مع الرب القائم من بين الأموات، الذي أرى تلاميذه "نفسه حياًّ ببراهين كثيرة بعدما تألّم وهو يظهر لهم أربعين يوماً ويتكلّم عن الأمور المختصة بملكوت الله" (اع 3:1). ولا زلنا نقرأ، في هذه الفترة الفصحية -إعتباراً من أحد الفصح- في إنجيل يوحنا، كما كانت تفعل الكنيسة الأولى منذ البدء. لأن المؤمنين بعد أن تنقّوا بالتوبة والجهاد الروحي في موسم الصوم الكبير وأسبوع الآلام صاروا أهلاً، أكثر من أيّ وقت مضى، لتقبل المعاني الروحيّة السامية لهذا الإنجيل، الذي رمز له بالنسر لعلوّ وعمق لاهوته. ما هو مختلف في إنجيل هذا الأحد، أنه ليس من أناجيل القيامة، وليس له أية علاقة ظاهرية معها، إذ يرجع إلى الفترة التي سبقتها. إنما توجد، دون شك، علاقة ضمنية حقيقية مع القيامة، للترابط القائم في عمل الابن المتجسد الخلاصي الواحد، منذ بدايته حتى نهايته.
أول ما يستلفتنا في انجيل اليوم، هو هذه البرْكة ذات الخمسة أروقة التي كان ينتظر فيها جمهور كثير من المرضى تحريك الماء. "لأن ملاكاً كان ينزل أحياناً في البركة ويحرّك الماء. والذي كان ينزل أولاً من بعد تحريك الماء كان يُبرأ من أي مرض اعتراه". فنزول الملاك يمثّل، إلى حدّ ما، إستمراراً لعمل الله في العهد القديم، حيث كان الله يفتقد شعبه، فيرسل لمساعدته بين الحين والآخر ملائكة وأنبياء. أما مجيء المسيح إلى البركة وشفائه الفوري والكلّي للمخلّع، فيمثّل عمل الله في العهد الجديد من خلال ابنه الوحيد وكلمته. إذ أتى لا فقط ليوبّخ أو يعطي معونة أو شفاء ظرفياً من الأمراض، بل ليصنع تغييراً جذرياً في الطبيعة التي سيطر عليها الشيطان والفساد والموت، بعد دخول الخطيئة إلى العالم. فهذا المخلّع يمثل شقاء الطبيعة البشرية وفسادها وعجزها بكل أبعاده. فبالإضافة إلى مرضه الذي أقعده بالكلية، لم يكن له إنسان متى حُرّك الماء يلقيه في البركة، ولهذا طالت معاناته مدة ثمان وثلاثين سنة. فكم وكم من البشر افتقدوا مثله مساعدة الآخرين وتعاطفهم، بسبب فقدان المحبة. وكم وكم من البشر عانوا من أمراض جسدية أو نفسية، أو إعاقات مختلفة، أو سيطرة شياطين، أو من ظلم وشرور الآخرين، أو من ظلمة أنفسهم وتمرّدها وأهوائها، وبالإجمال من فساد الخليقة كلها، وأولها طبيعة الإنسان نفسه. إذ "أخضعت الخليقة للبُطل"، بسبب خطايا وشرور الإنسان." فاننا نعلم -كما يعلّمنا بولس الرسول- أن كل الخليقة تئن وتتمخض معاً إلى الآن" (رو22:8). على هذا يمكننا القول أن إعتاق المُخلّص للمخلّع من مرضه، ما هو إلاّّ علامة من العلامات الكثيرة على إعتاق الخليقة نفسها من عبودية الفساد إلى حريّة مجد أولاد الله" (رو 21:8). وهو ما حقّقه من خلال موته بالجسد على الصليب وقيامته. وما سوف يظهره في مجيئه الثاني، عند البوق الأخير، كما ينبئ الرسول بولس: "فإنه سيبوّق فيُقام الأموات عديمي فساد ونحن نتغيَّر. ومتى لبس هذا الفاسد عدم فساد ولبس هذا المائت عدم موت فحينئذ تصير الكلمة المكتوبة إبتلع الموت الى غلبة. أين شوكتك يا موت. أين غلبتكِ يا هاوية" (1كو52:15-).
ولأن الفساد والمرض هما نتيجة للخطيئة التي دخلت إلى العالم، من هنا بامكاننا أن نفهم أكثر كلمة يسوع للمخلع "ها قد عوفيت فلا تعد تخطئ لئلا يصيبك أشرّ". وبالطبع فلا يعني السيّد أن كل مرض يصيب الانسان هو بالضرورة نتيجة مباشرة لخطيئة اقترفها، وأن المخلّع إذا أخطأ مرة أخرى سوف يرجع إليه المرض بالضرورة، وبصورة أسوأ. إنما يعني أنه من الافضل للإنسان أن يبتعد عن الخطيئة ولا يعود إليها. لأن للخطيئة دائماً نتائج سلبية ومدمّرة، وتؤدّي، في نهاية المطاف، في حال عدم التوبة عنها، إلى الموت الروحي النهائي، أي إلى الانفصال عن الله نبع الحياة، وبالتالي إلى "عذاب أبدي".
من جهة أخرى، فلا شك أن الرب يسوع حين قال للمخلّع قم احمل سريرك وامش -وكان في ذلك اليوم سبت- أنه تعمّد أن ينقض وصية السبت الناموسية (خر10:20، ار21:17). والأحرى أن نقول أنه كان يمهّد "لتكميلها" (مت 17:5)، في تعيين يوم آخر للراحة هو اليوم الأول من الأسبوع الذي استراح فيه ابن الله بالجسد من جميع أعماله الخلاصية حين قام من بين الأموات. فضلاً عن ذلك، فيسوع كان يريد أن يحرّر الإنسان من استعباد وصية السبت، فيحفظها بطريقة تؤدي إلى راحته، لا أن يصبح مقيّداً، مأسوراً، منها، وخاصة من تلك القواعد البالغة القسوة في التطبيق، والتي تُعزى إلى ما سمّي بتقليد الشيوخ، وفرضها الكتبة والفريسيّون على الناس. لأجل هذا قال الرب -في مناسبة أخرى- للفريسيّين: "السبت إنما جعل لأجل الانسان، لا الإنسان لأجل السبت" (مر27:2). وقد أكّد البشير يوحنا نقض يسوع لوصية السبت حين أضاف على نهاية انجيل اليوم: "ولهذا كان اليهود يطردون يسوع ويطلبون أن يقتلوه لأنه عمل هذا في سبت. فأجابهم يسوع أبي يعمل حتى الآن وأنا أعمل. فمن أجل هذا كان اليهود يطلبون أكثر أن يقتلوه. لأنه لم ينقض السبت فقط بل قال أن الله أبوه معادلاً نفسه بالله" (يو16:5-). وبالتأكيد، فلا أحد يستطيع أن ينقض وصية السبت (أو يكمّلها) إلاّ من قال عن نفسه أنه "ربّ السبت" (مر28:2)، "وأن الله أبوه معادلاً نفسه بالله". وقد أثبت هذه الحقيقة من خلال عمله أعمال أبيه، ومنه قوله للمخلّع منذ ثمان وثلاثين سنة: "قم احمل سريرك وامشِ. فللوقت برئ الرجل وحمل سريره ومشى." بولس الرسول يشدّد في رسائله كثيراً على الغاء يسوع لوصايا الناموس الطقسية. من ذلك قوله: "إذاً، كان الناموس مؤدّبنا الى المسيح لكي نتبرّر بالإيمان. ولكن بعدما جاء الايمان لسنا بعد تحت مؤدّب" (غل 24:3). وبخصوص وصية السبت، فما يقوله تحديداً: "فلا يحكم عليكم أحد في أكل أو شرب أو من جهة عيد أو هلال أو سبت التي هي ظل الأمور العتيدة" (كول16:2).
أيها الأحباء:
إن خلاصنا التدريجي من سيطرة الخطيئة والفساد والموت الروحي، على طبيعتنا، أي قيامتنا مع المسيح من موتنا الروحي، هو مرتبط بموتنا عن انساننا العتيق. لأنه –كما يقول بولس الرسول– :"إن كنا قد صرنا متحدين معه بشبه موته نصير أيضاً بقيامته، عالمين هذا أن إنساننا العتيق قد صلب معه ليبطل جسد الخطيّة كي لا نعود نستعبد أيضاً للخطيّة... فإن كنا قد متنا مع المسيح نؤمن أننا سنحيا أيضاً معه... لأن أجرة الخطيّة هي موت. وأما هبة الله فهي حياة أبدية بالمسيح يسوع ربنا"، له المجد والسجود الى أبد الدهور، آمين.
(الأب د.جورج عطية)