الأعضاء الذين تم إشعارهم

النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: الخلاف بين الأهل والأبناء!!!!!!!!!!!

  1. #1
    أخ/ت جديد/ة
    التسجيل: May 2008
    العضوية: 3371
    الحالة: مايكل عادل أمين غير متواجد حالياً
    المشاركات: 16

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    Post الخلاف بين الأهل والأبناء!!!!!!!!!!!

    الخلاف بين الأهل والأبناء


    بقلم: د. كوستي بندلي
    الموضوع واسع جدًا ومتشعّب وقد خصّصتُ له أحد كتبي، الصادر بعنوان "خلاف الأهل والأبناء" (منشورات النور، طبعة ثانية مزيدة، 1992)، والذي نقلتُ فيه آراء الشباب أنفسهم (عِبرَ استقصاء أُجري في إحدى المؤسسات التعليمية) حول أسباب هذا الخلاف، وكنت قد تعرضت قبلاً لهذا الموضوع في كتابي "مع تساؤلات الشباب" (منشورات النور، الطبعة الثالثة، 1985، القسم الأول، الفصل الأول: علاقة الأهل بأولادهم المراهقين)، ثم عدتُ إليه في حديث لي بعنوان "بعض الأضواء على تأزّم العلاقات بين الشباب ووالديهم" نُشر ضمن كتابي"هواجس شبابية حول الأسرة والحب" (منشورات النور، 1986).
    ما يمكنني أن أقوله هنا بإيجاز، هو أن ثلاثة عوامل تساهم بشكل أساسيّ في إذكاء خلاف الأهل والأبناء، ألا وهي الإختلاف بين الأجيال، ازدواجية الحبّ الوالديّ، وازدواجية المراهقة.
    · فمن جهة، ينتمي كل من الأهل والأولاد إلى جيلين مختلفين بسماتهما. لم تكن هذه مشكلة حادّة عندما كانت الأجيال، في تعاقبها الزمني، تتماثل إلى حدّ بعيد ويكرّر كلّ واحد منها ويُخلّد صورة الذي سبقه، كما هي الحال في المجتمعات التقليدية. أما اليوم، وفي ظلّ الحداثة، التي ينسحب أثرها، بشكل أو آخر، على المجتمعات كلّها، فالتطوّر يتسارع بحيث يتسّع الشقّ بين جيل وجيل كما لوكانا يتكلمان لغتين مختلفتين. فما نشأ الأهل عليه من حيث مفاهيم السلطة وقواعد اللياقة وأنماط اللباس والهندام وأصول العلاقة بين الجنسين وغير ذلك، غريب إلى حدّ بعيد عما يتوق إليه البنون بتأثير عصرهم، فيستهجن طرف ما يحبّذه الطرف الآخر والعكس بالعكس. من هنا ينشأ سوء التفاهم ونوع من "حوار الطرشان".
    · من جهة ثانية فان المحبة الوالديّة، وإن سمت قيمتها، تتّسم بازدواجية لا تخلو من خطر. فهي (من جهة) قوية، مضحيّة ومتفانية، على وجه العموم، ولكنها (من جهة أخرى)، تنـزع، من حيث لا تدري إلى حد بعيد، إلى إحتواء الولد واعتباره امتدادًا للوالدين ليس إلاّ.
    هذه النـزعة - التي توسّعت في عرضها في كتابي "مواقفنا من أولادنا: إمتلاك أم إطلاق؟" (طبعة ثانية، جرّوس برس، طرابلس 1994، مجموعة "نحن وأولادنا") - قد تتوسّل شتى الذرائع التربوية لبلوغ أغراضها (مع تستّر على حقيقتها)، فتحاول مثلاً تكبيل الولد بالأوامر والنواهي لشدّه إلى الوالدين، بحجة تجنيبه مخاطر الحياة. هذا ما لا يطيقه المراهق، الذي يتيقظ لديه وعي حادّ لفرادته الشخصة وإصرار مستميت على تأكيد استقلاليتها، لذا فهو شديد الحساسية لكلّ ما يبدو له، (عن خطأ أو صواب)، في محبة الأهل وحمايتهم وسلطتهم، إنكارًا لهذه الإستقلالية أو تهديدًا لها، فيتمرّد عليه ويرفضه (بعنف أحيانًا).
    · وما يزيد في تأزيم الوضع وتعقيد المشكلة، هو كون المراهق لم تكتمل بعد هويته. فهو لا يزال متأرجحًا بين طفولة غادرها ورشد لم يبلغه بعد. من هنا أن سلوكه كثيرًا ما يحيّر أهله، فلا يدرون على أي أساس يتصرفون معه. فهو يطالب بالإستقلال، (وبضراوة أحيانًا)، ولكنه في كثير من الأحوال، يبدو غير مستعدّ للإضطلاع بما يفرضه هذا الإستقلال من وعي ومسؤولية. مما يغري الأهل بأن يحسموا المشكلة باعتماد الحلّ الأسهل. فبدل أن يتكبّدوا مشقة التعامل بيقظة ومرونة مع هذا الوضع المعقّد، الدقيق (في تناقضه وتقلّبه)، يتجاهلون أحد بعدَيه، (مدفوعين إلى هذا التسرّع بملحاحيّة الأوضاع كما وبالضغط الذي تمارسه عليه مشاكلهم الشخصية والعائلية). فإما يستقيلون حيال ولدهم المراهق (كما لو انه صار بالفعل راشدًا)، وإما يعاملونه وكأنه لا يزال طفلاً، علمًا أن كلا الموقفين مؤذٍ ومدمّر. أو انهم يتأرجحون بين هذين الموقفين، وفق تقلّباتهم المزاجية. وهو موقف (أو بالأحرى لا موقف) أشدّ ايذاء من السابقين (لأن المراهق إنما هو بأشد الحاجة إلى خطّ واضح وثابت يرسمه له والداه، فيرتاح اليه بالعمق لأنه يحميه من غموضه وتذبذبه، ولوتار عليه وتمنّى اختراقه).
    ما هو الحل؟ ما هي المقترحات العملية من أجل مواجهة التأزّم بين الأهل والشباب؟
    هنا أيضًا اكتفي برسم بعض الخطوط العريضة.
    · علاقة الأهل بأولادهم الشباب ليست "بنت ساعتها". انها تندرج في سياق تاريخ، تاريخ العلاقة التي قامت بين الطرفين منذ أن أبصر الأولاد النور. إن علاقة سليمة بالطفل تمنح فرصة أكبر لقيام علاقة سليمة به إذا ما صار يافعًا، وتساهم في تلطيف أزمة المراهقة. لذا اقتضى أن يُقرن الأهل محبتهم للولد بابداء الإحترام له منذ نعومة أظفاره (وذلك بأن يروا فيه منذ البدء انسانًا بكل ما في الكلمة من معنى وكرامة، ولو لم تتفتّح بعد إنسانيته كليًّا). ينبغي بالتالي أن يقدّموا له الإكرام والمراعاة كما يفعلون مع الراشدين أمثالهم، أن يستمعوا اليه باهتمام بدل أن ينعتوا حديثه بـ "الولدنات"، وأن لا يتورّعوا من أخذ رأيه، خاصة في ما يتعلق بشؤونه، وأن يحاولوا بصبر إقناعه بجدوى ما يطالبونه به، وأن يشاركوه اهتماماته- مهما بدت صغيرة (لأنها ليست صغيرة في عينيه)- بصدق وتعاطف، وأن يمنحوه فسحات من الحرية يمكنه أن يتصرف خلالها كما يحلو له.
    · ينبغي أن يعطي الأهل أزمة المراهقة حجمها الحقيقي، فيدركوا أن إصرار ولدهم على التمايز عنهم- مهما بدا عدوانيًا- لا يعني التنكّر لهم والعقوق بهم، لأن ما يرفضه المراهق ليس هو والديه، بل نمط تعاملهما معه كما لو كان لا يزال قاصراً. إنه يحتاج (بالرغم مما قد يبديه من مظاهر التبرّم) إلى حضورهما إلى جانبه، وإلى ما يحمله اليه هذا الحضور من دفء عطفهما ومن سند نضجها وخبرتهما، ولكنه، وبنفس الدرجة، يحتاج إلى تبديل في نمط ذلك الحضور. وكأن لسان حاله يوجّه لوالديه، (ولو كان ذلك عبر سلوكه حيالهما)، هذا النداء: إنني لا أزال ولدكما، ولكنني لم اعد طفلكما، إنني لا أرفض البنوّة، إنما أنا رافض للتبعيّة. فهلّم نفتش معًا، ولو كان ذلك لا يخلو من جهد وتعب، عن نمط علاقة بيننا يتلائم مع وضعي الجديد. نظرة من هذا النوع إلى واقع المراهق، إذا استطاع الأهل أن يتبنوها معًا، (عبر مراجعة دائمة للنفس لا تخلو من مشقّة، ولكنها، بالمقابل، تحدو بالمراهق إلى مراجعة نفسه هو أيضًا)، نظرة من هذا النوع من شأنها أن تنتزع فتيل التفجير عن أزمة لا بدّ منها، بحيث تصبح هذه الأزمة، (لا مؤذية للطرفين)، بل طريقًا إلى ولادة علاقة بينهما أرقى، وأوفر غنى وانسانية، (علاقة تعود على كل من المراهق وأهله بمزيد من النضج والإنتعاش).
    · ومن معالم تلك العلاقة الجديدة أن يتفق الوالدان مع ولدهما اليافع- عبر تفاوض وحوار- على إطار عام وخطوط عريضة لسلوكه يقتنع هو بها، فيمنحناه ثقتهما على هذا الأساس ولا يحاسبانه على كلّ شاردة وواردة ولا يحصيان عليه أنفاسه. بل يتركان له أن يسوس أموره بنفسه ضمن الخطوط العريضة المتفق عليها بينهما وبينه، ويفسحان له بذلك فرصة التمرّس على الإضطلاع بالمسؤولية.
    · يجدر أيضاً بالأهل في هذه الفترة الإنتقالية الحساسة من عمر ولدهم، أن يعرفوا كيف ينتدبون جزءاً مهمًّا من رعايتهم إلى مربيّن من خارج الأسرة (مدرسين، مرشدين، قادة حركات شبابية...) يرتاح اليهم المراهق (لأنه يجد لديهم حياله حيادًا عاطفيًا لا يسعه أن يجده في والديه، فيتعاطى معهم، بالتالي، بأقلّ حرصًا وأكثر حرية مما يتاح له مع أهله). فإذا تمّ هذا الإنتداب فعلاً، وتخطى الأهل غيرتهم وضيقهم من هذا المرجع الجديد في حياة ولدهم، (وقبلوا أن يفسحوا مجالاً لهذا الرديف في حياته)، مكتفين بتنسيق خَفر معه بشأن فتاهم أو فتاتهم عند الإقتضاء، اطمأنت نفوسهم إلى دوره وخفّ بالتالي ضغطهم على ولدهم (وتوتَّرهم بشأنه)، فيصفو الجو بينهم وبينه، وتضحي علاقتهم به أكثر يسرًا وأقلّ إلحاحاً وأوفر مردوداً.
    · يحسن أيضًا بالأهل، في هذه المرحلة بنوع أخصّ، أن يتخطّوا، في تعاملهم مع ولدهم، العلاقة التربوية البحتة، إلى صلة إنسانية أشمل، إلى علاقة إنسان بإنسان تتعدّى وتغلّف وتحيي علاقة الأبّوة والبنّوة، وذلك عبر مساهمتهم واياه في قضايا ذات اهتمام مشترك. (أسَريّة كانت أو ثقافية أو اجتماعية أو روحية...) وعدم تورّعهم من مكاشفته، بقدر ما، وبدون تحميله أعباء تفوق طاقته،بنواحٍ من شخصيتهم (وهواجسهم وتطلعاتهم)، تسمح له بأن يرى إنساناً مثله وراء الدور الوالديّ.
    · يحسن بالشاب، بالمقابل، أن يساهم بتخفيف حدّة العلاقة الصراعيّة مع أهله، وذلك بأن يكلّف نفسه جهد عرض مطالبه عليهم بأقلّ قدر من الإنفعال وبأوفر قدر من العقلانية والوضوح، وبأن يضفي مزيداً من المصداقيّة على مطالبته اياهم بالإستقلال عبر تمرّسه على التصرّف المسؤول الذي يثبت لأهله أنه فعلاً جديرٌ بالثقة.
    نقلاً عن: www.mgoa.org

  2. #2
    أخ/ت جديد/ة
    التسجيل: May 2008
    العضوية: 3371
    الحالة: مايكل عادل أمين غير متواجد حالياً
    المشاركات: 16

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    افتراضي رد: الخلاف بين الأهل والأبناء!!!!!!!!!!!

    يتسأل الكاتب ما هو الحل؟ ما هي المقترحات العملية من أجل مواجهة التأزّم بين الأهل والشباب؟ وعلينا وضع بعض المقتراحات العملية التي تفيد في مواجهة سوء الفهم بين الأهل والشباب

  3. #3
    أخ/ت جديد/ة
    التسجيل: May 2008
    العضوية: 3371
    الحالة: مايكل عادل أمين غير متواجد حالياً
    المشاركات: 16

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    Post باقي مقال الخلاف بين الأهل والأبناء!!!!!!!!!!!

    باقي المقال

    6- ولكن المسؤولية الحقة تنفي روح التسلط:
    إنما السلطة هذه لا تعني التسلط. المسؤول.. يقاوم في ذاته روح التسلط، تلك التجربة الدائمة الملازمة للمسؤولية. إنها الإنسان العتيق يحاول أن يبرز من وراء مهمة روحية وأن يتقنع بها ليشبع "أناه" الطاغي، المنغلق. روح التسلط يتستر أحياناً وراء أنبل الحجج، فيعلل المسؤول نفسه بأنه لم يبغِ سوى المصلحة العامة، متناسياًَ أنه، بصورة لا شعورية أحياناً، يخلط بين المصلحة العامة ورغبته في فرض ذاته.
    المسؤول الحق لا يمارس سلطته من أجل التمتع بالسلطة، بل من أجل خير مرؤوسيه. إنه لا يستخدم الناس ولكنه يساعدهم على خدمة قضية تفوق مصالحهم الفردية. إنه متجرد، لا يسعى إلى نجاح فردي. لا يعتبر نفسه رئيساً من أجل نفسه بل من أجل الآخرين. لا ينتظر عرفان جميل ولا يقبل التملّق. لا يغذي الأسطورة التي ربما نسجها مرؤوسوه حوله. الطفل الصغير ينسب لوالديه كمالاً إلهياً، ثم ينهار هذا الوهم تحت ضغط الواقع، ولكنه كثيراً ما يُبعث عند البالغ بأشكال أخرى، مثلاً بشكل أسطورة رئيس كامل، ذات صفات مطلقة. المسؤول الحق، وإن قبل الاحترام لأنه يساعده على تتميم مهمته، يحارب الصنمية التي تشوه دوره، وتحجب عن مرؤوسيه غايتهم الحقيقية التي تتجاوز شخصه، وتسيء إلى نضوجهم النفسي والروحي.
    مجمل الكلام إن المسؤول الحق لا يبغي الزعامة بل الخدمة، التي توصيها المحبة. لا سلطة بالمفهوم المسيحي إلا سلطة المحبة. المسؤول هو أساساً من يحب أكثر من الآخرين، والمحبة كلها عطاء وتضحية: "بهذا قد عرفنا المحبة. إن ذاك قد بذل نفسه لأجلنا، فيجب علينا نحن أيضاً أن نبذل نفوسنا لأجل الاخوة" (1 يوحنا 3: 16). المحبة كلها خدمة، لا تصنّع فيها ولا منّة: "من أراد أن يكون فيكم أولاً فليكن للكل خادماً". ليس فيها إنطوائية، لا سعي فيها وراء مجد أو نفوذ أو سيطرة، إنها "لا تطلب ما لنفسها" لأن "المسيح لم يرضِ نفسه"، "لم يأت ليُخدم بل ليخدم ويقدم نفسه فداء عن كثيرين".
    إن مادلين دانيالو (Madeleine Daniélou) في أحد كتبها تميّز بين شخصية المتزعم (le tribun) وشخصية الشاهد (le témoin). فالمتزعم لا هم له سوى جمع الجماهير حوله ليقيم من نفسه صنماً يُعبد. أما الشاهد- والمسؤول .. شاهد- فإنه لا يهتم بذاته. إنه كيوحنا المعمدان يجذب التلاميذ إليه ليرسلهم إلى الرب: "من له العروس فهو العريس، أما صديق العريس، القائم بقربه ويسمعه، فإنه يهتز فرحًا لصوت العريس، فذلك هو فرحي، وقد اكتمل. فله ينبغي أن ينمو، ولي أنا أن أنقص" (يوحنا 3: 29 و30). المسؤول .. لا يقيم من شخصه غاية: "لم يكن هو النور بل ليشهد للنور"، بل همه أن يعيش المسيح فيه: "لست أنا أحيا بل المسيح يحيا فيّ" لكي يلتقي إخوانه بالرب من خلال شخصه الضعيف.
    إذا نبذ المسؤول روح التسلط، فهذا يعني انه لا يتملق مرؤوسيه بغية الحصول على شعبية رخيصة كما كان يبني الأنبياء الكذبة سلطتهم الزائفة على تملق الناس وتغذية أهوائهم، إذا أنكر نفسه فعلاً فلن يمجد مرؤوسيه بغية الحصول على تمجيدهم: "كيف تستطيعون أن تؤمنوا وأنتم تقبلون المجد بعضكم من بعض ولا تبغون المجد الذي عند الله وحده" (يوحنا 5: 44). المسؤول لا يساوم لأنه لا يبتغي ما لنفسه، بل يقول الحق، ولا يتورع عن توبيخ من يُسأل عنهم إذا اقتضى الأمر. فإن اللوم الأخوي ضروري من حين لآخر لأجل المصلحة العامة ولأجل خير الملام نفسه. إلا أن اللوم نفسه يجب أن يكون بعيداً عن روح التسلط، لا تشفّي فيه ولا غضب ولا "نرفزة" ولا إذلال ولا تهكم ولا مبالغة ولا تعميم وحكم نهائي ولا تذكير بالأخطاء السالفة. ليست غاية اللوم تحطيم الملام بل بناؤه.
    وبصورة عامة، ممارسة السلطة بالمفهوم المسيحي تقتضي جوًا خاصاً، فيذكر المسؤول أن مرؤوسيه ليسوا بمملوكيه. فإن الإنسان المخلوق على صورة الله لا يمكن أن يكون مملوكاً لإنسان آخر، ولو ادعى هذا الأخير أنه يحاول أن يتملكه باسم الله ومن أجله. فالله نفسه، خالقنا الذي لا وجود لنا بدونه، الذي به نحيا ونتحرك ونوجد، لا يريد أن يملكنا بل أن يقيم معنا شركة حب حرّة. لقد بيّن Grévillotفي كتابهMarxisme, Existentialisme, Personnalisme chrétien أن الكلمة المشهورة التي قالها أوغسطينوس المغبوط والتي كانت تترجم عادة هكذا: "يا رب لقد خلقتنا لك..."، يجب أن تترجم بالفعل إذا دققنا في النص: "يا رب لقد خلقتنا متجهين إليك...". فإذا كان الله هكذا يتصرف فكم بالحري المسؤول المسيحي لا يمكنه أن يعتبر الآخر"شيئاً" يملكه ويتصرف به دون مراعاة، ولو قصد من وراء ذلك خيره. الحزم لا ينفي مراعاة شعور الآخر. لقد كان يوصي الرسول: "أكرموا بعضكم بعضًا". المسيحي لا يهتم فوق الحد بكرامته الشخصية ولكنه يراعي إلى أبعد حد كرامة الآخر، لأن المحبة تقتضي ذلك وصورة الله القائمة في الآخر وتلازم شخصه وشخص المسيح. على المسؤول أن يفطن بأن ملاحظة غير لائقة أو عبارة قاسية ومحقّرة يمكنها أن تجرح مرؤوسه في الأعماق. الحزم عند المسؤول لا ينفي إذًا اللطف والتهذيب وأحياناً لهجة مرحة تخفف من حدة ملاحظة ضرورية.
    المسؤول الذي نبذ روح التسلط لا يكتفي بأن يلقي أوامر على مرؤوسيه بل يجتهد في إفهام مرؤوسيه غاية هذا الأمر ومعناه وأهميته، كي ينال قناعة المرؤوسين وتبنّيهم الصميمي للأمر، فلا يعودون مجرد أدوات تنفيذ بل مساهمين أحرارًا في العمل المشترك كما يليق بكرامة أبناء الله.
    المسؤول الذي نبذ روح التسلط يعرف إمكانياته، يقر ببساطة ودون أي تبجح بالمواهب التي شاء الله أن يمنّ بها عليه. هناك تواضع زائف هو بالفعل، وبصورة لا شعورية أحياناً، سعي وراء المزيد من المديح حسب عبارة (La Rochefoucauld) "رفض المديح عبارة عن الرغبة في مديح مزدوج"، أو تستير للكسل وتبرير له. لكن المسؤول يعرف أيضاً حدوده. يعلم بأنه لا يعرف كل شيء، ولذلك يستشير ويستمع إلى آراء الآخرين حتى إذا كانوا مرؤوسيه. ثم يعلم بأنه معرّض للخطأ ولذلك يقبل الإنتقاد، ولو كان الإنتقاد أليماً، برحابة صدر إن لم يكن بشكر وامتنان. وحتى إذا كان الإنتقاد مبالغاً فيه بوضوح، وحتى إذا كانت دوافعه ليست سليمة كلياً، يحاول أن يرى ما هو قسط الحقيقة- ولو كان ضئيلاً- الكامن في ما يوجه إليه من نقد.
    7- المسؤول يوجد مسؤولين غيره:
    المسؤول المسيحي "موقظ وليس بدكتاتور" على حد تعبير غاستون كورتوا في كتابه un animteur et non un dictateur: (L’art d’être chef.) أي أن ارادته لا تسحق ارادة مرؤوسيه انما تكون لهم هديًا وحافزًا من الداخل. ان المتزعم يسحق شخصيات المعجبين به، يحولهم إلى عبيد وأدوات لتسلطه، يجعل منهم امتدادًا لآرائه وارادته، ليس الا. أما المسؤول المسيحي فانه يوقظ بالعكس شخصيات حوله بفيض محبته، ويلدها على صورة ما إذ يعطيها المسيح: "يا أولادي الصغار الذين ما زلت أتمخض بهم إلى أن يتصور المسيح فيهم". انه لا يحكم على من حوله بالسبات والسلبية والتخدير بل يوقظ الضمائر ويشحذ الهمم ويساعد الطاقات الدفينة على البروز ويثير الشعور بالمسؤوليات. المسؤول ناجح بقدر ما يجعل مرؤوسيه يشعرون انهم هم أيضاً مسؤولون، وبقدر ما يساعدهم على تحقيق هذه المسؤولية. المسؤول الحق هو من استطاع أن يبرز مسؤولين حوله يعاونونه ويتابعون العمل من بعده وفي غيابه. انه كما قيل "موقظ لمن يعادله" “un éveilleur de pairs”. هذا يتطلب من المسؤول كثيرًا من المحبة والثقة والإحترام حتى يساعد من حوله على الانتقال من طور التقبل السلبي إلى طور المبادرة والإنتاج والإبداع. ولكن تهيئة مسؤولين جدد تتطلب منه أيضًا، إلى جانب هذا الموقف العام، خطة عليه أن يحققها بصبر وتأن. فانه ينبغي له أن يثير اهتمام مرؤوسه بالعمل الذي يود أن يعهد به اليه، وأن يجابهه بالصعوبات تدريجياً على قدر نمو نضوجه وخبرته وإمكانيته لئلا يعرضه إلى فشل حري بأن يحطّم عزيمته، وأن يشعره بأنه إلى جانبه ليدعمه ويتبادل واياه الآراء وأن يطلب منه أخذ المبادرة واقتراح الخطط ضمن نطاق عمله على أن تناقش هذه الخطط على ضوء خبرة المسؤول الرئيسي. وإذا عهد المسؤول إلى أحد مرؤوسيه بمسؤولية فرعية، فينبغي له أن يدعم سلطته فيها وأن يتحاشى التدخل في هذا النطاق دون المرور بمن أصبح المسؤول المباشر عنه. ينتظر منه أن يبتهج بنجاح مرؤوسه في عمله وأن يعترف بهذا النجاح وأن لا يضيق صدرًا حتى ولو نجح مرؤوسه أكثر منه في العمل الذي سلمه اياه. أما إذا أخطأ أو تهاون، فينبغي للمسؤول الرئيسي أن لا يجسم هذا الخطأ وأن لا يبالغ في اللوم وأن لا يتجاهل حسن النية والإخلاص وأن يعترف بالقسط الذي يعود اليه هو من المسؤولية.
    على المسؤول الرئيسي أن يكون دائم الإحتكاك بهؤلاء المسؤولين الفرعيين الذين أوجدهم. ان تدريبهم يقوم ليس على عناصر نظرية وحسب، كمطالعة كتب وتلقي دروس، بل خاصة على الإتصال الوثيق بالمسؤول الرئيسي. هذا الإتصال يجب أن يتخذ، لكي يبقى حيًا، مخصبًا، ليس فقط اشكالاً رسميّة من اجتماعات مجالس وغير ذلك بل اشكالاً حياتية، اشكال لقاءات حرة، شخصية، يُستعرض فيها النشاط وتتبادل الآراء.
    كثيراً ما يشتكي المسؤولون بأن ليس بين مرؤوسيهم من يمكن الإعتماد عليه في مهمة أو مسؤولية والواقع أن على المسؤول أن يتساءل إذا كان عمل ما بوسعه لإيجاد هؤلاء المعاونين. كثير من الناس يمكنهم أن يقوموا بمسؤولية إذا اختيرت لهم المسؤولية التي تلائم ميولهم وامكانياتهم:the right man in the right place كما يقولون، وإذا أوقظت وربيت فيهم، على المنوال الذي ذكرناه أعلاه، طاقة المسؤولية.
    8- المسؤول قدوة:
    لا يمكن للمسؤول أن يوقظ مسؤولين آخرين كما انه لا يمكنه أن يكون فعالاً الا إذا كان قدوة لمن عُهد إليه بهم. لقد كتب الأب كورتوا بحق أن الرئيس هو قبلة الأنظار. وان لقدوته وزناً خاصاً. وأن حياته أبلغ أثرًا من صوته. فالناس يحتاجون إلى رؤية مُثُلهم مجسدة في انسان يجتذبهم وراءه بسحر قدوته.
    نعم ان المسؤول انسان يخطئ ويسقط، انسان بعيد عن الكمال ولكن المهم أن يرى فيه مرؤوسوه طلباً للكمال لا يفتر ولا يلين. فالمسؤول الحق هو الذي، وان لم يكن كاملاً، يستقطبه الكمال دون هوادة. الناس يتعاونون مع المسؤول ويلبون نداءَه إذا كان يتطلب من نفسه أكثر مما يتطلب منهم.
    9- المسؤول واسع الآفاق، بعيد النظر، خلاّق:
    من شروط فعالية المسؤول أن ينظر إلى الأمور نظرة شاملة وأن لا يضيع في التفاصيل بشكل انه لا يعود يرى الخطوط الكبرى ويختلط في ذهنه ما هو جوهري وما هو عرضي، الوسيلة والغاية. عندئذ تفقد التفاصيل قيمتها لأنها لم تعد مربوطة بتخطيط عام وتتحجر الوسائل وتنسحب الحياة منها لأنها لم تعد تضاف إلى الغاية التي من أجلها وجدت بالأساس والتي وحدها تحييها. حينئذ ندخل في عالم اللامعنى والجمود والموت والآلية. من يعمل كمسؤول في منظمة للطفولة، مثلاً، يجب أن لا يغرب عن باله أبدًا أن كل الوسائل والأساليب المتبعة والأنظمة القائمة تهدف في الأساس إلى غاية واحدة ألا وهي التربية المسيحية الحية وأن وجود شعبة كبيرة العدد كاملة اللباس مواظبة منتظمة ليس هو سوى نقطة انطلاق لهذا الهدف البعيد العميق الذي يجب أن يستقطب الجهود كلها.
    المسؤول إذًا واسع الآفاق، بعيد النظر، وهكذا يتجنب الوقوع في الروتين القتالة لأنه ذو فكر دائم اليقظة لا يقبل بأسلوب أو تدبير ما أو نظام كأنه نهائي بل هو مستعد دوماً أن يعيد النظر في الوسائل المستعملة على ضوء الغاية التي لا تزال حاضرة في ذهنه. الحياة في حركة دائمة والظروف والأشخاص في تغيّر مستمر، لذا فالمسؤول الذي يستسلم للروتين لا يلبث أن ينقطع عن واقع الأشياء والأشخاص فيحتكم على عمله بالعقم والفشل.
    لقد صدق الأب كورتوا بقوله أن المسؤول يشيخ عندما يرفض اعادة التفكير في القضايا أو عندما يشعر بأنه لم تعد له مقدرة على تجديد مفاهيمه ونظمه.
    أما المسؤول الحي الفعال فهو صاحب مخيلة، تلك المخيلة التي تحاول دوماً أن تبدع وسائل أنجح للإتصال بالآخرين وكسب ثقتهم وتشويقهم وتوجيههم. ان محبته تخصب خياله، لأنه يعي أن الرتابة في الأساليب تبعد عنه من أراد أن يبنيهم وأن يكسبهم للرب. لذا تدفعه محبته لهم إلى استنباط وسائل جديدة أكثر ملاءمة لحاجات من هو مسؤول عنهم، وأكثر موافقة لتطورهم وتطور البيئة التي يعيشون فيها، وإلى ايجاد نشاطات جديدة، منوعة شيقة.
    المسؤول صاحب مبادرة . ليس أنه يحاول أن يقلب كل شيء رأسًا على عقب من أجل لذة التغيير فحسب دون أية فائدة حقة، ولكنه لا يخاف من ادخال الجديد، لا يتورع من الإبداع والخلق لأن الناس يختنقون في الرتابة والآفاق الضيقة. المسؤول الحق يستنبط دون انقطاع أساليب جديدة على ضوء الواقع ومتطلباته.
    هذا يعني أن المسؤول لا يغرق في العمل إلى حد انه لا يبقى له وقت أو قوة للتفكير. فهذا قتال للعمل نفسه إذ أن التأمل وحده يخصب العمل ويؤمّن نجاحه وفعاليته. لا أتصور مثلاً كيف أن مسؤولاً في حقل التربية لا يجد حاجة إلى مطالعة تربوية مستمرة ليخصب بها فكره وعمله. ثم ان هناك اتصالاً بالرفاق، ليس في اجتماعات رسميّة بالضرورة، بل في الحياة، تسمح بالتفكير المشترك بالوسائل المتبعة في العمل الواحد وبإعادة النظر فيها على ضوء اختبار كل واحد.

  4. #4
    أخ/ت جديد/ة
    التسجيل: May 2008
    العضوية: 3371
    الحالة: مايكل عادل أمين غير متواجد حالياً
    المشاركات: 16

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    افتراضي رد: باقي مقال الخلاف بين الأهل والأبناء!!!!!!!!!!!

    تابع المقال
    10- المسؤول واقعي صبور:
    قلنا ان المسؤول ذو خيال، ولكن ذلك لا يعني أن خياله يسبح في الأوهام فاقدًا الصلة بالواقع. إن قبول الواقع علامة نضوج على الصعيد النفسي لأنه افلات من نرجسية الطفل ومركزية اناه، وهو علامة تواضع وشجاعة على الصعيد الخلقي. انه على كل حال شرط أساسي لفعالية الرئيس.
    المسؤول الحق لا يكتفي بكلمات وأحلام يتغنى بها، فان ذلك من بقايا الفكر السحري الذي يتميز به الطفل والإنسان البدائي والذي لا يميّز بين صورة الشيء وواقعه. ان عند بعض المسؤولين تضخماً في الأفكار والتصورات والخطط ولكنهم لا يأبهون لتحقيقها، وكأنهم يكتفون به عن تنفيذها واظهارها إلى حيّز الوجود الواقعي. لذا فمن البديهي أنه من الأفضل للرئيس أن تكون له أفكار أقلّ يحقّقها من أن تكون له أفكاركثيرة لا يحقق منها شيئًا، كما يذكر كورتوا.
    المسؤول الحق يعرف في آن واحد الإمكانيات والصعوبات. هذا هو قبول الواقع. قبول الواقع ليس مرادفاً للموافقة عليه أو الإذعان له. (هذا التباس احاط مثلاً ولا يزال يحيط بالتحليل النفسي الذي يطلب من الإنسان أن يقبل بواقع غرائزه، وهذا لا يعني، كما فهم الكثيرون، الموافقة على الغرائز دون قيد أو شرط وإطلاق العنان لها، انما يعني فقط مجابهتها الواعي دون ذاك التجاهل الأعمى المضرّ الذي هو الكبت، ذاك الكبت الذي هو بالواقع من مظاهر النرجسية لأنه يعني بالضبط: لا يمكن أن تكون فيّ هذه أو تلك من الغرائز لأنها لا تنسجم مع الصورة المثالية التي أرسمها عن نفسي). قبول الواقع هو إذًا مجابهته بحسناته وسيئاته، أو أن نقيم له الحساب، أن لا نرفض رؤيته عن جبن أو اكتفاء. هو أن نأخذه كنقطة انطلاق نحو الأحسن، كمادة خام نستخدمها على أفضل صورة لتحقيق مُثُلنا.
    المسؤول الحق يعرف أولاً إمكاناته الخاصة وحدوده، كي يتسنى له اتخاذها وتعهدها بوعي. انه لا يرسم عن نفسه صورة مثالية ترضي نرجسيته أو بالعكس صورة مسوَّدة قاتمة قد تكون هي أيضاً، بصورة لا شعورية، رد فعل كبرياء جريحة أو تبريرًا وتغطية للكسل. بل يرى نفسه كما هو، بقوّته وضعفه، ومن هنا ينطلق ليبلغ الأكمل والأفضل. والمهم، كما يقول الأب كورتوا، أن تكون لنا شجاعة قبول ما نحن قبل أن تكون لنا شجاعة الإنطلاق نحو ما نريد أن نكون.
    المسؤول الحق يعرف أيضاً امكانات وحدود مرؤوسيه. انه واقعي هنا أيضاً فلا يرسم عنهم صورة مثالية خيالية لا تتعدى كونها تعبيرًا عن رغباته. ولا يتوقف بالعكس عند نقائصهم فيلتهي بالتشكي منها. انه ينطلق من وضعهم الحقيقي ليستخدم على أفضل صورة امكاناتهم ومواهبهم.
    المسؤول الحق منفتح دوماً للواقع، مستعد دوماً لإعادة النظر في أساليبه على ضوء النتائج الحاصلة والوقائع.
    ومن مظاهر قبوله للواقع أن لا يخرج من طوره وييأس للإصطدامات التي لا بد منها بينه وبين معاونيه أو بعضهم. ينبغي له أن يعي بأنه إذا اختار معاونين ذوي شخصيات بارزة قائمة بذاتها، فقد تصطدم شخصيته بشخصيتهم وقد يزعجه هذا الإصطدام. فإذا لم يتجاهل هذا الواقع وقبل ما يفرضه عليه من تضحيات، يمكنه بالإنطلاق من هنا أن يجتهد في تخفيف حدة هذه الإحتكاكات بمحبته ومرحه.
    واقعية المسؤول تفرض عليه أن يذعن لضرورة تسليم بعض مسؤولياته لأفضل مرؤوسيه ليدربهم على المسؤولية ويهيئهم لتحمل أعباء أثقل ومتابعة العمل إذا احتجب هو. ان مشكلة تُطرح على كل مسؤول بهذا الصدد، الا وهي: أيجوز لي أن أسلّم عملاً لإنسان لم يختبره بعد وأسمح هكذا بأن يتدنى مستوى هذا النشاط ويخف الإنتاج فيه؟ من الخيال بمكان أن يعيش المسؤول في وهم ديمومته وأن يعلّل النفس بأنه، إذا احتجب، سيبرز من يقوم مقامه على نوع من التولد الذاتي. الواقعية تفرض بأن توزع المسؤوليات ولو أدى ذلك إلى تدني مؤقت في المستوى، لأنه بهذه الطريقة فقط يتدرب مسؤولون جدد قد يتوصلون فيما بعد إلى بلوغ المستوى الأصلي أو تجاوزه. بالإنطلاق من هذا الواقع، يمكن للمسؤول أن يعهد تدريجيًا بالمسؤوليات المختلفة لمعاونيه، متلافياً قدر الإمكان خطر الفشل أو التقهقر بمساندته لهؤلاء المعاونين دون اقتحام مسؤولياتهم.
    واقعيّة المسؤول تفرض عليه أخيرًا الصبر. انه يعلم أن النتائج العميقة لا تحصل الا ببطئ، أن الخمير يحتاج إلى وقت لتخمير العجنة كلها، وأن البذار يبقى تحت الأرض شهورًا، وأن المخاض الروحي كالمخاض الجسدي قد يكون طويل الأمد أليماً. ويستلهم صبره ومحبته لله وللذين عُهد بهم إليه من الله. لا يتسرع المسؤول، لا يطالب بنتائج عاجلة- فالسعي وراء النتائج السريعة كثيرًا ما يخفي سعيًا وراء ارضاء الذات برؤية هذه النتائج - انما يتخذ حلم الله وتأنيه. يكتفي بالزرع ولا يطالب بفرح الحصاد كحق مكتسب له، لأنه لا يطلب ما لنفسه، ولا يعتبر نفسه شيئاً بل يكفيه بأنه ألقى بذار كلمة الرب في القلوب وبأن الله أهّله بأن يكون "عاملاً معه" على حد تعبير الرسول، وهذا وحده حريّ بأن يملأه فرحًا وفخرًا. إن اعطاه الله أن يرى نتائج لعمله، يفرح ويشكر، وإن لم ير تلك النتائج فهو يشكر أيضاً ويترجّى ويثق. لا ييأس المسؤول لأنه يعلم أن نعمة الله تعمل في الخفاء، وفي سر القلوب تتابع سيرها المتأني، المترفّق. "يشبه ملكوت الله إنساناً ألقى الزرع في الأرض. فسواء أنام أم استيقظ، في الليل والنهار، فالزرع ينبت وينمو، ولا يدري كيف" (مرقس 4: 26 و27). موقفه ليس موقف التفاؤل الرخيص ولا موقف اليأس- فكلاهما ليسا بمسيحيين وكلاهما لا يوافقان واقع الأشياء العميق- بل موقف الرجاء الذي فيه يلتقي الخوف بالثقة، بثقة أقوى من الخوف، لأنها ثقة بالله، ذلك الرجاء الذي دعاه مونييه "التفاؤل في المأساة" optimisme tragique. المسؤول يتأنى ويرفق- دون أن ينفي ذلك استعمال الشدة من حين إلى آخر إذا اقتضى الأمر- يحترم سرعة نمو كل واحد والطرق الخاصة التي يُقبل بها إلى الرب، لأن قصة الله مع كل انسان قصة فريدة. الرب يدعو خرافه بأسمائها أي أنه يراعي شخصية كل منها. كذلك المسؤول يقبل الآخر كآخر ولا يفرض عليه قالباً من صنعه.
    11- المسؤول يضع نفسه في يد الله:
    المسؤول يعمل في حقل الله. لذلك يجب أن يعتبر دوماً عمله وسيلة غايتها الله. النشاطات .. كلها تفقد فائدتها ومعناها إذا أصبحت غاية بحد ذاتها، فالطريق لا تسمى طريقاً إلا إذا استقطبها هدف.
    لذا فالمسؤول الحق يكرس ذاته ويكرس عمله لله. إنه يضع ذاته ويضع عمله في يد الله وتحت نظره.
    إن اكتساب الصفات التي لا بد منها للرئيس والتي ذكرناها آنفًا من انكار للذات وتجرد وتواضع وانفتاح وتفهم وصبر... والتي تعود كلها إلى المحبة كإلى ينبوعها، إن اكتساب هذه الصفات وتلك المحبة يفترض أن يعيش المسؤول في إلفة مع الله الذي هو محبة، أن يتتلمذ وينفتح لتلك المحبة المطلقة التي تجلت لنا إلى أبعد حد في المسيح يسوع والتي أعطينا أن نصبح لها مساهمين في الروح القدس: "فان محبة الله قد انسكبت في قلوبنا بالروح القدس..."
    المسؤول الحق هو من قبل في كل لحظة دينونة وتقويم محبة الله الكاملة لمحبته الناقصة المتعثرة.
    يجب أن لا يغرب عن بال المسؤول أنه يحمل كنز الكلمة الإلهية والدعوة السامية التي دعي اليها "في إناء خزفي" على حد تعبير الرسول. هناك تجربة تهدده إذ ربما شعر انه ضعف روحيًا أو ارتكب زلة، فعوض أن ينهض بالتوبة، يترك كل شيء متعللاً بأنه لم يعد أهلاً لمسؤوليته. ان في موقف كهذا لخطر روحي، لأن كثيرًا ما يستتر فيه وراء التواضع الظاهر، كبرياء خفية ورغبة محجوبة في التهرب من العمل والجهاد. لا يمكن للمسؤول أن يقول انني ضعيف وخاطئ، إذًا أترك خدمة الله، كأننا نحن الذين اخترنا الله وليس هو الذي اختارنا والذي يُظهر قوته المشعّة والمحيية في ضعفنا وحقارتنا، وينقذ بنا آخرين فيما نحتاج نحن في كل لحظة إلى الخلاص. قد يكون هذا بدء الفتور والإنهيار عند البعض من أفضل المسؤولين أن يجتاحهم شعور الكره لأنفسهم والإشمئزاز من عملهم لأنهم لم يحققوا الغاية التي كانوا يصبون اليها. ولكن برنانوس Bernanos يقول بحق: "أنه أسهل مما يتصورون أن يكره الإنسان ذاته، النعمة هي أن ينساها". قد لا يكون كره الذات سوى مظهر للنرجسية، نتيجة خيبة الأنا الذي لم يحقق الصورة المثالية التي كان يرسمها عن نفسه. ولكن المسؤول الحق لا ينشغل بأناه وبكمال هذا الأنا، انما شغله الشاغل التلبية الحبية لنداء الله. لذا فانه لا يهتم فوق اللازم بتخبطات قلبه لأنه منشغل عنها بالإصغاء إلى دعوة الله: "وأن بكتتنا قلوبنا، فالله أعظم من قلوبنا ويعلم كل شيء" (1 يو3: 20).
    المسؤول الذي يعي قلة أهليته للرسالة التي دعي إليها، الذي يشعر بالتفاوت العظيم بين ما يصبو اليه وبين ما حققه بالفعل، الذي يعي كم العلاقات مع البشر صعبة أحياناً وكيف تفاجئنا من حين إلى حين أحداث لم نكن نتوقعها تعطل تصاميمنا إلى حد ما، المسؤول الذي يدرك أن شخصية كل ممن يهتم بهم لغز وأنه هو إلى حد ما لغز لنفسه، الذي يعرف صعوبة التحرر من الأنانية، المسؤول الذي خبر كل ذلك لن يستنتج منه، إذا كان بالفعل مؤمنًا، حلاًّ رخيصاً كالتخلي عن المسؤوليّة أو الاكتفاء بالقيام بها روتينيّاً انه بالعكس يستلهم من هذه المأساة ثقة متزايدة بالذي من أجله يعمل والذي منه وحده يستمد نورًا وقوة. مقياس الممكن وغير الممكن ليس بين يدينا ولكنه في يد الله الذي ليس أمر مستحيل لديه كما قال الكتاب. لقد كتب موروا Maurois: "نطاق الممكنات نطاق مطاط". هذا ينطبق بنوع خاص على المسؤول المسيحي الذي لا حد لإمكانياته سوى مقدار انفتاحه للنعمة الإلهية الخلاّقة: "إنني أستطيع كل شيء بالذي يقويني".
    نقلاً بتصرّف عن : مجلة "النور"، العدد16 والعدد 17- 1963www.mjoa.org -

  5. #5
    المشرفة الصورة الرمزية Seham Haddad
    التسجيل: Apr 2008
    العضوية: 2961
    الإقامة: jordan
    الجنس: female
    العقيدة: الكنيسة الأرثوذكسية / روم أرثوذكس
    هواياتي: الرسم , المطالعة الروحية
    الحالة: Seham Haddad غير متواجد حالياً
    المشاركات: 1,365

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    افتراضي رد: باقي مقال الخلاف بين الأهل والأبناء!!!!!!!!!!!

    موضوع في قمه الروعه والفائده اخي مايكل عادل امين
    اعجبني كثيرا
    بارك الرب حياتك

    †††التوقيع†††

    إن أخطر أمراض النفس وأشر الكوارث والنكبات، هي عدم معرفة الذي خلق الكل لأجل الإنسان ووهبه عقلاً وأعطاه كلمة بها يسمو إلى فوق وتصير له شركة مع الله، متأملاً وممجدًا إيّاه.

    [SIGPIC][/SIGPIC]
    ان مت قبل ان تموت فلن تموت عندما
    تموت


    ايها الرب يسوع المسيح يا ابن الله ارحمني انا الخاطئة

المواضيع المتشابهه

  1. الأهل وتربية الأولاد
    بواسطة Salwa في المنتدى القضايا الإجتماعية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2010-03-17, 08:13 PM
  2. تهيئة الأهل والأخوة
    بواسطة باييسيوس في المنتدى عظات وكلمات آبائية نافعة
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 2009-08-27, 11:25 AM
  3. الجد والأبناء والأحفاد
    بواسطة Bassilmahfoud في المنتدى عظات وكلمات آبائية نافعة
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 2008-08-26, 10:05 PM
  4. أصل الخلاف بين الكنيسة الأرثوذكسية والكاثوليكية
    بواسطة John of the Ladder في المنتدى التاريخ الكنسي
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2007-09-21, 05:35 PM
  5. الأهل ودورهم في التربية الدينية
    بواسطة منى في المنتدى الأسرة والعائلة
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2007-06-28, 12:53 PM

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •