"المسيح ذلك المجهول" لهادي عيد
مـــــــا فكــــــر يســــــــوع المسيــــــــح ؟
"يسوع المسيح ذلك المجهول" كتاب لهادي ف. عيد يثير جدلا حول شخصية هي بدورها مثار جدل منذ ألفين من السنين، يسوع المسيح. من هو؟ ما فكره؟ كيف يمكن تقديم المسيحية في "صيغة حديثة وواضحة توافق العقل العربي "الذي نال نصيبه الكبير من العصرنة"؟
نترك المقدمة تتحدث عن الكتاب:
"عندما صدر هذا الكتاب بالانكليزية ونشر في الولايات المتحدة من شركة دورانس للطباعة والنشر في بيتسبرغ – ولاية بنسيلفانيا، لم اتصور يوما ان يصلني ذلك السيل من الرسائل الالكترونية في مدحه او ذمه، التفريط به او نقده. رسائل من امكنة من العالم لم تكن في توقعاتي: نيوزيلندا، جنوب افريقيا، بريطانيا، وطبعا، العديد من الولايات المتحدة.
بعضهم قال لي بأن الكتاب غيّر مجرى حياتهم، وساعدهم اكثر على تفهم كلام يسوع، والبعض الآخر انتقده بشدة لافراطي في انسنة المسيح وتشبيهه بأي بشر سوي بيننا. آراء متعددة، ووجهات نظر متباينة، لكنها جميعا تلتقي حول حقيقة واحدة: انه كتاب جريء في تحليلاته، جديد في مراميه ومختلف في طروحاته عن اي كتاب آخر في موضوع المسيح.
وكان ان زادتني آراء هؤلاء القراء يقينا اني حققت معظم ما الكتابة، الا وهو تقريب فكر يسوع الذي حاول بثه في عاقلة البشر منذ الفي سنة، الى فكر الناس الحديث في هذا العصر المتقدم من المعرفة. من هنا راودتني فكرة تعريبه، سيما وان العربية، بصفتها اخت الآرامية التي كانت لغة يسوع الاولى، احرى بالتعبير عن مرامي هذا الكتاب، وبخاصة انه يترجم حاليا الى الفرنسية والالمانية.
لكنه، مع معرفتي المتقدمة بلغتي الام، وجدت الترجمة الى العربية اصعب بالنسبة لي مما كانت كتابتي له بالانكليزية في بادئ الامر، ليس لان لغتنا تفتقر للتعابير والمفردات وهي في نظري افصح لغات العالم، لكن المشكلة كانت في التوجه الفكري نفسه بين العقليتين الغربية والشرقية. الفكر الغربي شغوف اصلا بالارقام والوقائع والمنطق المجرد عن اية اعتبارات، اما الشرقي فيرغب في الوقائع والتحديدات المنطقية، ولكن عبر جسر من المحسنات اللفظية، والا جاءت هذه الوقائع جافة يمجها الذوق وتنأى عنها الكياسة، هذا المنحى نفسه – كما سوف نرى – هو الذي اعتمده يسوع في ايامه على الارض.
كما ان الكتاب وضع اصلا لتفسير مرامي المسيح في تعابيره التي تبنت الكثير من الاطناب والمبالغة، وهي اللغة الشاعرية العزيزة على كل شرقي. ففي ترجمتي العربية هذه، استميح قارئي العزيز عذرا عندما يجد تفسيرات واستقراءات يعتبرها عادية وبديهية، لكنها ليست كذلك بالنسبة للعقل الغربي. ولعل في تكرارها امامه، شيء من دلالة متجددة على كيفية فهم الغربيين – او عدمه – لفلسفة المعلم الشرقية.
الحافز الثاني والاهم الذي دفعني لتعريب هذا الكتاب، كان الحاجة التي لمستها بين ابناء الضاد، من مسيحيين ومسلمين، للدخول الى فكر المسيح، النبي الشرقي الذي اتى وعاش حياته الارضية بين ظهرانينا، فتنفس هواءنا وشرب ماءنا واكل مآكلنا. فالعرب عامة، وسكان منطقة الشرق الاوسط بشكل خاص، ينهدون لاستقراء هذا الفكر عبر نص عربي قويم ومستحدث بعد ان اوغلت كنائسنا الشرقية في الماضي، كما لا يزال شأنها اليوم، في اقامة الطقوس والاحتفالات الدينية مستخدمة تراثا سريانيا او يونانيا يكاد لا يفهمه حتى اتباع هذه الكنائس. لقد آن لفكر يسوع ان يدخل عقول واسماع المثقفين العرب لتصحيح المفاهيم الخاطئة والمتوارثة، التي لا تزال تشكل لتاريخه عقبة كأداء امام الحوار القائم بين المسيحية والاسلام.
ولعل التسمية: "يسوع المسيح ذلك المجهول"، التي اخترناها لهذا الكتاب، تناسب حاجات الفكر الشرقي بمقدار اعم من فكر الغربيين. لقد ركزت البحوث المتعاقبة في الصفحات التالية على تحرير الفلسفة المسيحية من سواتر الغموض والابهام التي تداخلت فيها عبر العصور، وابرزها في صيغة حديثة وواضحة توافق العقل العربي الذي نال نصيبه الكبير من العصرنة. ولعل ما تراكم في هذا العقل من ثقافة ومعلوماتية، تشد به حاليا للنأي عن الافتراضات الدينية الجامدة التي تسللت اليه منذ الصغر، وبالتالي فهو بحاجة ماسة للوقوف من جديد على فكر مسيحي لا يأخذ بيده نحو مساحات تفكير متقدمة فحسب، بل ليكون تحديا روحيا له لارتياد هذه المساحات.