Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


ثمّة روايتان في الكتاب المقدّس تتناولان قصّة خلق العالم. يعود تدوين الرواية الأولى إلى القرن السادس قبل المسيح (تكوين 1: 4-21). أمّا الرواية الثانية (تكوين 2: 4-24)، وهي أقدم من الأولى وإنْ أتت في الترتيب الكتابيّ بعدها، فيعود تأليفها إلى القرن العاشر قبل المسيح. وحين جُمع الكتاب المقدّس في عهده العتيق، بعد العودة من جلاء بابل، تمّ ضمّ الروايتين، الواحدة تلو الأخرى، في فاتحة كتاب التكوين.

لا بدّ، بدءاً، من الإشارة إلى أنّ الكتاب المقدّس ليس كتاباً مختصّاً في العلوم البحتة يُعنى بدراسة أصل الأرض والمخلوقات كافّة. فالكتاب المقدّس ليس كتاب جغرافيا ولا بيولوجيا ولا كيمياء ولا فلك ولا طبّ... وليس هو كتاب تاريخ بالمعنى الدقيق للكلمة يروي تاريخ البشريّة منذ ظهور الإنسان الأوّل أو الكوكب الأوّل. فمن الناحية التاريخيّة، ينبغي لنا أن نميّز بين الوقائع التي يسردها الكتاب المقدّس ابتداءً من إبراهيم، أي ابتداءً من الإصحاح الثاني عشر من كتاب التكوين، والروايات التي سبقت إبراهيم ومنها روايتا الخلق. فإنْ كانت سيرة إبراهيم على جانب كبير من الموضوعيّة التاريخيّة، فالفصول الأحد عشر الأولى من كتاب التكوين هي مجموعة روايات استقاها الشعب اليهوديّ من تراثات الشعوب المجاورة، ومن خبرتهم الإيمانيّة مع الله أيضاً. ولم يكن القصد من هذه الروايات المقتبسة سوى الإعلان عن أنّ الله وحده، وليس إله سواه، هو خالق الكون وكلّ المخلوقات، وبخاصّة الإنسان.

من هنا، يسعنا القول إنّ الكتاب المقدّس لا يهتمّ بتفسير كيفيّة تكوين الأشياء بقدر ما يُعنى بإبراز معنى وجودها. فبينما تحاول العلوم البحتة أن تكتشف الأجوبة على التساؤلات العديدة المطروحة دائماً: كيف نشأ العالم؟ وكيف تكوّنت الأرض؟ وكيف ظهر الإنسان؟ يبيّن الإيمان معنى تكوين العالم، وغاية حياة الإنسان، والهدف من خلقه. هذا الإيمان بالله وبمحبّته اللامتناهية هو ما أراد كاتبو الأسفار المقدّسة التعبير عنه في روايتهم الذاتيّة لتاريخ الكون منذ خلقه.

لذلك، لم يقصد مدوّنو رواية الخلق وصف الدنيا وما فيها، أو التطرّق إلى كيفيّة تكوينها وخصائصها. بل قصدوا إعلان علاقتها بالله الخالق، فالله وحده هو أصل جميع الكائنات ومبدعُ كلّ الخلائق، وهو وحده خالق الأرض وما فيها من نبات وحيوان وبشر، وهو وحده خالق السماء وما يجري فيها من كواكب وأجرام ونجوم. لذلك تمتلئ رواية الخلق من الأفعال المنسوبة إلى الله كمثل: خلق، قال، رأى، سمّى، فصل، صنع، بارك... والله رأى ذلك "أنّه حسنٌ جدّاً"، لأنّه أراد كلّ الخليقة حسنةً منذ البدء. وفي هذا الحُسن دحضٌ لكلّ ازدواجيّة في الألوهة حيث كانت تعتقد بعض الشعوب بأنّ ثمّة إلهين: إله للخير وإله للشرّ. فأتى الكتاب المقدّس ليؤكّد على وحدانيّة الإله الصالح الذي إذ خلق كلّ المخلوقات إنّما خلقها حسنةً.

توّج الله تكوين العالم بخلق الإنسان "على صورته كمثاله" ليتسلّط على جميع المخلوقات في السماء وجميع الأرض (1 :26-28). ويؤكّد على المساواة التامّة بين الرجل والمرأة، فكلاهما خُلق على صورة الله: "فخلق الله الإنسان على صورته، على صورة الله خلقه، ذكراً وأنثى خلقهم" (1: 27). ويرى التراث الآبائيّ في الصورة الطبيعة التي خُلق عليها الإنسان، وفي المثال الدعوة التي هو مدعوّ لبلوغها. فقد خُلق على صورة الله، ولكنّه مدعوّ إلى أن يصبح على مثال الله في القداسة.

وترتبط رواية الخلق في العهد القديم عن ذروة الإيمان بالخلاص الذي يمنحه الله لشعبه. فرواية الخلق التكوينيّة اتّخذت شكلها النهائيّ بعد العودة من سبي بابل حيث اختبر اليهود الذلّ والعبوديّة، وراحوا ينتظرون خلاصهم وتحريرهم مستذكرين إنقاذ الله لهم من مصر على يد موسى النبيّ. لذلك، انطلقوا من هذه الخبرة الخلاصيّة لتأكيد عمل الله الخالق، فالإله المخلّص الذي يصنع المعجزات مع شعبه وينقذهم من أعدائهم، هو نفسه الإله الخالق الذي في البدء خلق الكون. وهذا ما عبّر عنه خير تعبير إشعيا النبيّ الذي يحثّ الشعب على ألاّ يخافوا من ذوي السلطة ممّن يعتبرون أنفسهم أسياد الكون والتاريخ، فالله خالق السموات والأرض هو وحده سيّد الكون والتاريخ: "لا تخفْ يا يعقوب عبدي، أنا الربّ، صانع الكلّ، ناشر السموات وحدي، وباسط الأرض بنفسي" (44: 24).

يحتلّ الإنسان مقاماً خاصّاً في الخليقة وفي نظام الكون وسير الكائنات. هو أشبه بوكيل لله، الذي دفع إليه الجنّة لكي "يحرثها ويحرسها" (تكوين 2: 15). فالله يوكل الخليقة إلى الإنسان ليتمّم فيها كلّ برّ وقداسة، لا ليدمّرها بحروبه وجموحه للسلطة وحبّه للسيطرة. تقول إحدى الروايات في التراث اليهوديّ القديم إنّ آدم، جدّنا، عندما رأى خليقة الله، كان أوّل ما قام به هو تسبيح الخالق، فقال: "ما أعظم أعمالك، يا ربّ، كلّها بحكمة صنعت. قد امتلأت الأرض من خليقتك" (مزمور 103: 24). فالمرتجى من كلّ مؤمن أن يتذكّر حين يرى الكون خالقَه، فيسبّح الله تسبيحاً دائماً.

عن نشرة رعيتي 2005

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع