Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


تعتبر "الصلاة الربّيّة" (أبانا الذي في السموات ليتقدّس اسمُك...)، كما أسماها، لأوّل مرّة، القدّيس كبريانوس القرطاجيّ (+258)، من أكثر الصلوات التي يتلوها مسيحيّو العالم شهرةً، وذلك أنّها "الصلاة" التي علّمها يسوع للكنيسة، وأرادها نموذجاً لكلّ صلاة.

منذ البدء أبدى آباء الكنيسة اهتماماً بالغاً بهذه الصلاة، فتركوا تفسيرات كثيرة عنها، وعملوا على إدراجها في الأسرار المقدّسة والصلوات الكنسيّة. وهي موجودة اليوم في جميع صلواتنا الجماعيّة والفرديّة.

أوّل مَنْ شَرَحَ الصلاة الربّيّة وأدخلها في ترتيب سرّ المعموديّة هو العلاّمة ترتليانوس (الذي اعتبرها "مختصر الإنجيل كلّه"). ثمّ تبعه، في مسعاه، القدّيس كبريانوس الذي كان يطلب من الموعوظين (وهم وثنيّون ويهود آمنوا بالربّ يسوع وكانوا يستعدّون لتقبّل سرّ المعموديّة) حفظها غيباً وتلاوتها علناً أمام الكنيسة أثناء قبولهم المعموديّة. حذا حذو ترتليانوس وكبريانوس معظمُ آباء القرن الرابع فأدرجوا هذه الصلاة في خدمة القدّاس الإلهيّ. ففي كنيسة أورشليم، مثلاً، كان القدّيس كيرلّس يشرحها أثناء الخدمة الإلهيّة، ويطلب من المؤمنين تلاوتَها قبل أن يتقدّموا من المناولة. وهذا ما يفعله المؤمنون اليوم.

يدّعي بعض علماء التفسير أنّ ثّمّة قرابة بين الصلاة الربّيّة والصلوات اليهوديّة في زمن يسوع من حيث المبنى والمعنى. غير أنّ هذا الأدعاء ليس واقعياً، لأنّ الصلاة الربّيّة "لا تتمحور حول خبرة إسرائيل ولا حول الشهادة التي عليه أن يؤدّيها لله...". ولعلّ أبرز ما يميّزها عن كلّ الصلوات التي قبلها هو تلك الحرّيّة التي تدفع المؤمنين إلى أن ينادوا الله الذي لا يدنى منه: "أبانا". ولا يخفى أنّ ترتيب الطلبات فيها ابتكاريّ وله معانيه الجديدة، وهو يميّز تعليم يسوع عن غيره، ونرى أنّه به يعلو على كلّ تعليم اخر ويتخطّاه.

الصلاة الربّيّة - على الرغم من صغرها - صلاة غنيّة بمعانيها، وقد وصلتنا عن يد الإنجيليّين متّى (6: 9-13) ولوقا (11: 2-4)، في صيغتين تفترق الواحدة عن الأخرى، بأمور عدّة، ولعلّ هذه الفروقات في الصيغتين تعود إلى الاستعمال الليتورجيّ في كنائس مختلفة. سعى العديد من المفسّرين إلى معرفة أيّ من الصيغتين هو الأقدم فتشعّبت آراؤهم واختلفت. لن ندخل، في هذه العجالة، في مقارنة نصّي متّى ولوقا لنعرف أيّا منهما هو الأقدم، يكفي أن نؤكّد أنّ المسيحيّين الأوائل اقتنعوا بأنّ الأمانة لفكر يسوع أهمّ، بما لا يقاس، من ترداد كلماته ترداداً حرفياً. ولا ينفعنا، في هذا المجال، أن نتبع القاعدة الأصعب التي يقول بها المفسّرون، فيما يقارنون بين النصوص، لمعرفة الكلمات التي خرجت من فم يسوع حرفيّاً أو الوصول إلى رواية حدث كما أتّمه. فإذا فضّلنا الصيغة الأقصر لهذه الصلاة، وهي صيغة لوقا (التي يرى بعض أنّها الأصل)، نهمل ما عند متّى من ميزات خاصّة (إيقاع متناسق، عبارات ساميّة...)، قد لا تناسب العقليّة اليونانيّة التي خاطبها لوقا، وربّما دفعته إلى تقصيرها وتكييفها.

اعتاد بعض المعلّمين القدماء على تقسيم الصلاة الربّيّة إلى قسمين. يقول العلاّمة ترتليانوس: "ما أروع الحكمة الإلهيّة التي رتّبت هذه الصلاة فبعد أمور السماء (وهي الطلبات الثلاث الأولى) تأتي أمور الأرض وحاجاتها" (ويقصد بذلك الطلبات الأخرى). غير أنّ هذا التقسيم - كما هو هنا - يجب أن نفهمه بتوافقه ومجمل فكر يسوع الذي يدعو إلى عيش الآخرة أوّلاً والعمل على تبيانها "الآن وهنا" (يقول الربّ: "اطلبوا أوّلاً ملكوت الله وبّره..."). وذلك أنّ الذي يُرضي الله ليس أن نقدّس اسمه بإخلاصنا له فقط، ولكن بعملنا على خلاص البشر أيضاً (وهذا عينه من دوافع الإخلاص لله). فلا يجوز أن نفهم، مثلاً، أنّ الطلبة الثانية في الصلاة الربّيّة: "ليأتِ ملكوتُك"، تختصّ فقط برغبة المؤمنين في حلول الملكوت الآتي، لأنّ أولاد الله الحقيقيّين لا يعترفون بمجد الله الأخير فحسب، أو يتوقون فقط إلى اليوم الذي يملك فيه على كلّ أحبائه "ويُخضع كلّ أعدائه تحت قدميه"، ولكنها أيضاً (تختصّ) بترجمة إيمانهم ورجائهم في هذا الدهر، وذلك لأنّ مُلك الله - بالنسبة إليهم - هو في خلاص البشر الذي يبتدئ هنا في هذا العالم. وهذا يمنعنا منعاً باتاً من التمييز بين ما هو عموديّ (إرضاء الله) وبين ما هو أفقيّ (الاهتمام بالناس وحاجاتهم)، إذ كيف نهتمّ بالله إن لم نلقَ أبناءه كإخوة (أنظر رسالة الإنجيليّ يوحنا الأولى)؟ فالله هو أبونا جميعاً، وفي وعينا لبنوّتنا له يجتمع شوقنا الدائم إلى حلول ملكوته ويقوى عملنا على تقديس العالم. وفي السياق عينه يجب أن نفهم أنّ طلبة "الخبز الجوهري" لا يتعلّق معناها بالخبز المادّي الذي نأكله في هذا العالم فحسب، ولكن أيضاً الخبز السماويّ الذي يعطيه الربّ للذين سيُجلسهم على مائدته الأخيرة "مع إبراهيم واسحق ويعقوب"، وهي تحثّنا تالياً على أن نطلب دائماً جسد الربّ الذي نتناوله في القدّاس الإلهيّ.

ان الصلاة الربية هي قلب" الموعظة على الجبل" لأنها تعطي الموعظة معناها الأساسي وتعبّر أفضل تعبير عن مبتغاها. فالموعظة على الجبل دعوة الى الناس جميعاً للدخول في الملكوت من خلال قبولهم ان يصيروا أولاداً للآب السماوي. والصلاة الربية هي اعتراف بأُبوّة الله لنا وإقرار ببنوّتنا له، وتالياً هي استجابة لتدبيره ومشروعه الخلاصيّ.

قبل ان يعلّم يسوع تلاميذه الصلاة الربية، يدعوهم ألا يصلّوا كالوثنيين" فهم يظنّون انهم اذا أكثروا الكلام يُستجاب لهم. فلا تتشبّهوا بهم، لأن أباكم يَعلم ما تحتاجون اليه قبل ان تسألوه" (متى 6: 7-8). الوثنيون يطلبون في صلاتهم امورا تعنيهم شخصيا وحاجات أرضية تساعدهم في دنياهم. المسيح يطلب من تلاميذه ان تكون صلاتهم أرحب، بحيث تشمل طلبات غير شخصية وان يكون فيها دعاء الى الله واستسلام الى مشيئته وحكمته في معرفة ما نحن نحتاج اليه كأبناء. الصلاة الوثنية تُخضع الإله لشهواتها وتجعله في خدمته، بينما تسعى الصلاة المسيحية الى الدخول في تدبير الله الذي أعدّه للبشر، فهو العارف ما هو خير ُ لنا.
عندما نقول:"أبانا" فإننا نعبّر عن حضور الله في حياتنا وعن محبته الأبوية لنا وعن قربه منّا. ونقبل في آن أننا جميعنا إخوة لكوننا أبناء أب واحد. ثم نتابع قائلين: " الذي في السماوات "، وهذا تعبير يشير الى سمو الله وعظمته واختلاف طبيعته عن طبيعتن، وتاليا الى وجوب عبادته إلهاً قادراً على كل شيء. فالله، اذ، هو القريب والمتعالي وهو الأب والإله في الوقت ذاته.

" ليتقدس اسمك، ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك"(متى 6: 9-10)، ثلاث طلبات تشَكل كل منها بحدّ ذاتها إعلانا صريحاً للإيمان وطلبة يُرجى تحقيقها. ذلك انها اعتراف بقدسية الله وملكوته وقدرته من جهة، وتوق الى تحقيق مشروعه الخلاصي في العالم من وجهة اخرى. " ليتقدّس اسمك": تعني " ليتقدّس الله"، ذلك ان اسم الله، في العهد القديم، يشير الى الله نفسه والأمثلة عديدة نكتفي بذكر واحد منها:"فإنهم يقدّسون اسمي ويقدّسون قدّوس يعقوب ويخشون إله اسرائيل" (إشعياء 29: 23)، طبعا المقصود في هذه الآية هو الله. ثمّة تماهٍ، اذ، بين الله واسمه. والاسم المتقدّس هنا هو " الآب"، الاسم الذي كشفه الرب يسوع في العهد الجديد.

"ليأتِ ملكوتك": هذه الطلبة لها بُعدٌ أُخرويّ وهي تستعجل اكتمال الآخرة وقرب تحقيقها. الملكوت تحقَّقَ أو،كما يقول أحد اللاهوتيين الأرثوذكسيين المعاصرين، الملكوت قد افتُتح وهو حاضر الآن ولكنه سيُعتَلن بقوة في اليوم الأخير عند المجيء الثاني للرب. "لتكن مشيئتك": هذه العبارة هي قبول لتدبير الله في العالم من أجل خلاصه، يبدأ بتعهد شخصيّ يلتزمه المؤمن بأن يتمّم مشيئة الله من خلال تطبيق تعاليم يسوع في حياته وسلوكياته.

العلاقة بين الطلبات الثلاث الاولى تبدو بديهية، مشيئة الله هي في اعتلان ملكوته في العالم. العالم يتحوّل اكثر فأكثر ملكوتاً كلّما قَبِِل إنسان جديد أن يتخذ الله أباً، والله الآب، بلا ريب، سميع مجيب.

"خبزنا الجوهريّ أعطنا اليوم" (متى 6: 11): كثير من الآباء قالوا انه الطعام العادي الذي نحتاج اليه يوما فيوم، وقال بعضهم انه يحق لنا ان نطلب خبز الغد والا نرتبك بالادخار. ولقد اهتم السيد بإطعام الجياع وكثّر الأرغفة الخمس. ولما قال: " اطلبوا أولاً ملكوت الله وبرّه والبقي يزاد لكم"، لم يمنعنا من أن نطلب الطعام والكساء والمأوى بعد ان نكون تعلّقنا بالملكوت. وقال بعضهم ان الخبز هو كلمة الله وانه بالدرجة الأولى القرابين الإلهية.

"واترك لنا ما علينا كما نترك نحن لمن لنا عليه" (متى6: 12). يدل اللفظ المستعمل في هذه الآية على الديون المستحقة. فبقدر ما نعفي اخوتنا من الدَين المتوجب لنا عليهم يعفينا الله من ديوننا له، اي بقدر ما نغفر اساءة الآخرين الينا يغفر لنا الله خطايان، " فإن تغفروا للناس زلاتهم يغفر لكم أبوكم السماوي وإن لم تغفروا للناس لا يغفر لكم أبوكم زلاتكم" (متى 6: 14-15). " ولا تُدْخِلنا في تجربة لكن نجّنا من الشرير "0 (متى 6: 13): التجربَة هي المحنة، والشيطان هو المجرِّب يسعى الى الاستفادة من المحنة. والطلب هذا هو دعوة الى الله لكي يساعد المصلّي على السيطرة على إغراءات المجرِّب، ولكي يجنّبه ايضاً تجربة قد لا يستطيع قهرها.

ان الذي يجعلنا ننادي الله ب" أبانا" هو روح التبنّي الذي وُهبناه في المعمودية. يقول الرسول بولس في رسالته الى اهل رومية:" لم تتلقوا روح عبودية لتعودوا الى الخوف، بل روح تبنٍّ ننادي به أبّ، يا أبتِ، وهذا الروح نفسه يشهد مع أرواحنا بأننَا أبناء الله"(8: 15 – 16). وللفظ " أبّا " كان اليهود يَخصّون به آباءهم الأرضيين، ولم يستخدموه للآب السماوي. نحن أُعطينا ان ندعو الله " أبّا" كما كان يدعوه يسوع المسيح ابنه الوحيد الذي صار إنساناً ليصير الانسان ابناً لله.

الصلاة الربّيّة هي صلاة الكنيسة التي أدركت أنّ المسافة بين الأرض والسماء قد زالت، وهي صلاة الغنج الأكبر الذي يهبه الروح القدس للذين يعملون بمشيئة الآب في كلّ زمان ومكان.

نشرة رعيتي
الأحد 14 تموز 2002
العدد 27

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع