Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


هذا الحديث هو بمثابة مقدّمة، وجهة نظر وتساؤلات. الجواب لا يُعطى مباشرة، والوقتُ يُجيب، الكنيسِةُ تُجيب، العِلم يُجيب. ما هو السؤال؟ السؤال المطروح بخاصة لكنيستنا ألأرثوذكسية المعتمدة على التقليد المقدّس؟ هذا التقليد الذي يضمّ الكتابَ المقدّس مع العقائد الأساسية التي أقرّت في المجامع المسكونية... نقلاً عن مجلة التراث الأرثوذكسي

قامت الدراسات العلمية والنقد الأدبي وعلمُ ألآثار والدروس والأبحاث التاريخية السوسيولوجية تُعيد النظر في التفاسير "التقليدية" وحتى في العقائد الأساسية في الكنيسة مثل الثالوث، ألوهية المسيح، بتولية مريم، القيامة... فعلى سبيل المثال قيل أن علمَ الأجنّة يستبعد حدوثَ ولادة عذرية. الدراسة الأدبية والتاريخية لرسائل بولس ومقارنتها مع الأناجيل تكشف للبعض عن أهمية بولس بالنسبة للرسل الآخرين وحتى بالنسبة ليسوع؟...

الكتاب المقدّس هو ثمرُ التقليد. يقول الرسول بولس: "سلّمتُ إليكم في الأول ما قبلتُه أنا أيضاً أن المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب. سلّمتُ إليكم ما قبلتُه...أنا كرزت وأنتم آمنم" (1كو15: 1-11).

السؤال وبالأحرى الأسئلة هي التالية: هل النقد العلمي يناقض التقليد أم يكمّله أم يصحّحه أم لا يأخذ به على الإطلاق؟ السؤال و المشكلة الرئيسية ليست بنظري بين النقد العلمي والتقليد بل هو بين العلم والإيمان، بين العقل والقلب. والأسئلة التالية تُطرح: هل العقائد الأساسية ثابتة، هل الاستنتاجات العلمية بحدّ ذاتها صحيحة، حقيقة مطلقة ثابتة؟ ما هي وظيفة العلم، ما هي وظيفة العقل، أين حدودهما؟ ما هو الإيمان وما هي وظيفته؟ هذا ما يذكرّنا بمقولة باسكال (PASCAL) "Science sans conscience n’est que ruine de l’âme. العلم بدون الضمير ما هو إلاّ هلاكٌ للنفس".

كيف إذاً نساجم بين النقد العلمي والتقليد؟ الدراسات لها أهميتها والعقل له دوره ووظيفته والله قد خلقه من أجل ذلك.

مقارنة الرسائل بألأناجيل يمكن أن تؤدّي إلى اعتبار بولس مؤسس الحقيقي للكنيسة. أمّا الإيمان فله أيضاً وظيفته وهو يكمّل العلم كما أن القلب يكمّل العقلَ. العقلُ ضروري، الإيمان لا يلغيه. والإنسان واحدٌ بعقله وبقلبه. لكن الحقيقة الأخيرة هي للإيمان هي للمعاينة بعد التفتيش العقلي.

الكتابُ المقدّس وحدةُ متكاملة، فيها يُفهم العهدٌ القديم على ضؤ العهد الجديد. مثلاً لنأخذ العبارة: "ها العذراء تحبل وتلذ ابناً ويدعون اسمه عماّنوئيل" (أشعياء4:7) بالمقارنة مع عبارة متى الإنجيلي: "هوذا العذراء تحبل وتلذ ابناً ويدعون اسمه عماّنوئيل الذي تفسيره اللهُ معنا"

وأيضاً: كل ظهور لله في العهد القديم هو ظهور لله الابن وليس لله الآب

وأيضا: العبد المتألّم في أشعيا 52- 53 يشير إلى ابن الله، المسيح غير المتجسّد

الكتابُ المقدّس شهادةٌ عن الثالوث القدّوس في سبيل حياة العالم وخلاصه. هو قصّة الخلاص: الخلق – السقوط...الفداء.

التفسير الإيماني يقوم على الرؤيا

الإيمان يكون بالعقل وهو يكتمل بالعيان. في القداس الالهي نقول "إذ قد رأينا قيامة المسيح..." ولا نقول "إذ قد آمناّ بقيامة المسيح..." المعاينة تكون بالروح وهي المعرفة الحقيقية (راجع يوحنا 16:14و26). والليتورجيا والأسرار ما هي إلاّ استحضار الحوادث الانجيلية الخلاصية "أيها المخلّص إننا أمس قد دُفنا معك، فنقوم اليوم معك بقيامتك. أمس قد صُلبنا معك، فأنت مجّدنا معك في ملكوتك" ( سحر الفصح ألأودية الثالثة).

عبارة كلمةُ الله في التفسير الآبائي هي شخص وشهادة

هي خبرة ُ إلهية غيرُ مخلوقة مكتوبة ٌ بعبارات بشرية مخلوقة. الكتاب المقدّس هو كلمة ُ الله بتعبير بشري. لذلك من الواجب إعادة شرح كلمة الله لكل جيل في حياة الكنسية، شرط أن يأتي هذا التفسير الكامل والواضح، وبالأحرى الترجَمة العصرية على يد أناس ٍ كنسيّين عاشوا الخبرة َ الروحية نفسَها.

لا تُفهم كلمة ُ الله، الا َ من منظار ثالوثي. الإعلان ينبثق من الآب بالابن ويستبين بالروح القدّس.

الخلاص مكّون بالنعمة لا بالعقل

لأن النعمة َ إلهية غيرُ مخلوقة. التفسير النقدي الحديث يتوجّه أوّلا ً الى العقل الذي لا بدّ أن يشارك في عملية الخلاص لكنه لا يكفي.

التفسير الشخصي لا يكون صحيحا إلاّ بالانسجام مع جماعة المؤمنين في الكنيسة. التعاليم والعقائد (حتى الكتابية) ما هي إلاّ ثمر حياة المؤمنين في المسيح بإلهام الروح القدّس.

لا يمكن للناقد الحديث (في النقد الأدبي التاريخي وعلم الآثار) أن لا يأخذ بعين الاعتبار العقائد الإيمانية الأساسية في الكنيسة وإلاّ هناك الخطر في الوقوع في الشك بالثالوث، بالعذرية، بألوهية المسيح... وذلك بسبب الاستنتاجات الفكرية الشخصية لا بسبب الاكتشافات العلميّة بحدّ ذاتها، خصوصاً وأن الإيمان لا يخضع للتحقيق العلمي.

الانتقال من المعنى الحرفي الى المعنى الروحي، من الوعد الى التحقيق Sensus plenior أي المعنى الكامل. لا سبيل لمعرفة الحقيقة بدون عمل الروح القدس، بدون اتضاع. هذا ما يذكّرنا بالقول الإسلامي بأن الكتاب (المقدّس) لا يمسّه غيرُ المطهرّين. يقول الأب فلورفسكي : " لا يستطيع أحدٌ أن يفهم الكتاب إن لم يتب، ان لم يغيّر ذهنَه. كيف نفسّر إن أضفنا التفسيرَ الأصلي وهو الإيمان الذي سُلّم مرّة واحدة للقديّسين" (يهوذا3).

الخلاصة :

الكتاب المقدّس تكوّن في الجماعة وغايته بنيانُ الجماعة. الإعلان هو طريقُ الله في التاريخ. الناموس والأنبياء كلّها محاكة في النسيج التاريخي. بلغ أوجه عندما دخل الله نفسه في التاريخ عندما تجسّد كلمة ُ الله، وصار إنسانا ً.

يمّيز العهد القديم عن العهد الجديد ويرتبطان عن طريق شخص يسوع المسيح. هو محور الكتاب، هو أتمّ العهد القديم (الناموس والأنبياء).

الكتاب هو كلمة ُ الله لكنه يقوم على شهادة الكنيسة. شهادة ُ الروح تُحيي الكلمات المدوّنة. الذين ألّفوا الكتاب كانوا معلِّمين وشهوداً.

نريد أن نعمّد النقدَ العلمي بالمسيح، أن نطعّمه ليصبح أداة ً للخلاص، لكي لا يظلّ عقيما ً بل لكي لا يصبح أداة ً لما هو ضد المسيح. هذه على ما أعتقد رسالتنا نحن المسيحيين الأرثوذكسيين هذه البقية الباقية التي لم تغرق بعدُ كلّياً في علمانية الغرب كما لم تتجمّد في شريعة اليهود والإسلام.

هذا مشروع بحث وحياة مطروح في الكنيسة لا بل في العالم كلّه، على كل المؤمنين وخاصة على العلماء المسيحيين الحديثين.

بقلم الأرشمنتدريت افرام كرياوس
متروبوليت طرابلس حالياً
نقلاً عن مجلة التراث الأرثوذكسي

بحث جوجل في كل الموقع

للأعلى
للأسفل

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع