Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


النص:
22 سِرَاجُ الْجَسَدِ هُوَ الْعَيْنُ، فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ بَسِيطَةً فَجَسَدُكَ كُلُّهُ يَكُونُ نَيِّراً، 23 وَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ شِرِّيرَةً فَجَسَدُكَ كُلُّهُ يَكُونُ مُظْلِماً، فَإِنْ كَانَ النُّورُ الَّذِي فِيكَ ظَلاَماً فَالظَّلاَمُ كَمْ يَكُونُ!
24 «لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْدِمَ سَيِّدَيْنِ، لأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُبْغِضَ الْوَاحِدَ وَيُحِبَّ الآخَرَ، أَوْ يُلاَزِمَ الْوَاحِدَ وَيَحْتَقِرَ الآخَرَ. لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَخْدِمُوا اللهَ وَالْمَالَ. 25 «لِذلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: لاَ تَهْتَمُّوا لِحَيَاتِكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَبِمَا تَشْرَبُونَ، وَلاَ لأَجْسَادِكُمْ بِمَا تَلْبَسُونَ. أَلَيْسَتِ الْحَيَاةُ أَفْضَلَ مِنَ الطَّعَامِ، وَالْجَسَدُ أَفْضَلَ مِنَ اللِّبَاسِ؟ 26 اُنْظُرُوا إِلَى طُيُورِ السَّمَاءِ: إِنَّهَا لاَ تَزْرَعُ وَلاَ تَحْصُدُ وَلاَ تَجْمَعُ إِلَى مَخَازِنَ، وَأَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ يَقُوتُهَا. أَلَسْتُمْ أَنْتُمْ بِالْحَرِيِّ أَفْضَلَ مِنْهَا؟ 27 وَمَنْ مِنْكُمْ إِذَا اهْتَمَّ يَقْدِرُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى قَامَتِهِ ذِرَاعاً وَاحِدَةً؟ 28 وَلِمَاذَا تَهْتَمُّونَ بِاللِّبَاسِ؟ تَأَمَّلُوا زَنَابِقَ الْحَقْلِ كَيْفَ تَنْمُو! لاَ تَتْعَبُ وَلاَ تَغْزِلُ. 29 وَلكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ وَلاَ سُلَيْمَانُ فِي كُلِّ مَجْدِهِ كَانَ يَلْبَسُ كَوَاحِدَةٍ مِنْهَا. 30 فَإِنْ كَانَ عُشْبُ الْحَقْلِ الَّذِي يُوجَدُ الْيَوْمَ وَيُطْرَحُ غَداً فِي التَّنُّورِ، يُلْبِسُهُ اللهُ هكَذَا، أَفَلَيْسَ بِالْحَرِيِّ جِدّاً يُلْبِسُكُمْ أَنْتُمْ يَا قَلِيلِي الإِيمَانِ؟ 31 فَلاَ تَهْتَمُّوا قَائِلِينَ: مَاذَا نَأْكُلُ؟ أَوْ مَاذَا نَشْرَبُ؟ أَوْ مَاذَا نَلْبَسُ؟ 32 فَإِنَّ هذِهِ كُلَّهَا تَطْلُبُهَا الأُمَمُ. لأَنَّ أَبَاكُمُ السَّمَاوِيَّ يَعْلَمُ أَنَّكُمْ تَحْتَاجُونَ إِلَى هذِهِ كُلِّهَا. 33 لكِنِ اطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ اللهِ وَبِرَّهُ، وَهذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ. 34 فَلاَ تَهْتَمُّوا لِلْغَدِ، لأَنَّ الْغَدَ يَهْتَمُّ بِمَا لِنَفْسِهِ. يَكْفِي الْيَوْمَ شَرُّهُ.

الشرح - عن نشرة رعيتي:

العين بالتقليد اليهودي هي العتبة الى الجهاز الخلقي والديني عند الانسان. ساد الرأي في القديم ان الرؤية تكون بخروج شعاع من العين يلتطم بالشيء. عندها يصبح الشيء مرئياً. فالعين البسيطة هي العين الملأى بالنور، وهي انعكاس للجسد النير الذي يشير الى الانسان المُضاء بالفضيلة والبر. اما العين الشريرة فهي العين المظلمة التي تحتجز النور، وبحسب التقليد اليهودي تشير الى الانسان الاناني الحقود.

"لا يستطيع احدٌ ان يعبد ربين..." هذا صدى للوصية الاولى من العهد القديم ومفادها "الرب الهنا رب واحد، وتحب الرب الهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك ومن كل قدرتك" (تثنية 6: 4، مرقس 21: 29-30) "لا يكن لك آلهة اخرى امامي" (تثنية 5: 6). العبادة هي للإله الواحد الذي لا إله غيره وليس لما نصنعه من اوثان.

الاوثان هي تأليه لشهواتنا وميولنا وهي تأكيد لسلطتنا. المال هو المفعِّل الأول للسلطة، اذاً هو الإله الذي يسهّل لنا التسلط على الآخرين واستعبادهم. هذا يناقض الايمان المسيحي بأن السلطة المطلقة هي لله وحده، وقد شاء الله ان يعلنها لنا بمحبته اذ افتدانا الرب يسوع المسيح بنفسه على الصليب. هكذا التمسك بسلطاننا الذاتي هو ازدراء بسلطة الله ورفض للمحبة الإلهية.

"لا تهتموا لأنفسكم..." لا تعني بالضرورة ان نكون لا مبالين بالمطلق ولكن تعني ان لا نحول اهتماماتنا اليومية الى هواجس تسيطر على حياتنا. يجب ان نعي ان اهتمامنا الاول هو في ملكوت الله وتوقنا الاساسي هو الى الحياة الالهية المُعلنة في هذا الملكوت. كلنا بلا استثناء مدعو الى هذه الحياة وقد حققها الرب يسوع المسيح للجميع بتجسده وحياته على الارض.

حاجتنا الاساسية هي الى الله، والله يسبغ علينا حاجاتنا الاخرى. من الواضح انه السبب الرئيسي لوجودنا وقد شاء لفائق محبته ان يجعل نفسه معنياً بأدق تفاصيل حياتنا كما يقول الرب يسوع "حتى شعور رؤوسكم جميعها محصاة" (متى 10 :30)  وانجيل اليوم يأتي تأكيداً لمشيئة الله هذه كما يتضح من مَثَلي العصافير والزنابق.

كان العصفور ارخص سلعة في تلك الايام اذ ثمن العصفورين فلس واحد (متى 10 :29 ) والعصافير "لا تزرع ولا تحصد ولا تخزن في الاهراء" وبالرغم من هذا الله يقوتها "وواحد منها لا يسقط على الارض بدون علم الله" (متى 10: 29). اما الزنابق التي تعيش في البراري والتي تُطرح للنار عندما تيبس، فإن الله يعتني بها ويلبسها افضل مما كان يلبسه سليمان الملك الاعظم في تاريخ اليهود. لم يكن هذا الكلام غريباً عن سامعي الرب يسوع اذ يرد في كتاب الميشنا -وهو كتاب تفسير الاسفار المقدسة في العهد  القديم - القول الآتي: "هل رأيتم حيواناً برياً او طيراً يمارس مهنة، وبالرغم من هذا يحصلون على حاجياتهم بترتيب".

"هذا كله تطلبه الامم" ذلك لأن الحاجيات هي بالضبط فحوى طلبات الوثنيين من آلهتهم. يقول الفيلسوف الوثني شيشرون: "نحن لا نصلي الى الإله جوبيتر ليجعلنا صالحين ولكن ليعطينا الفوائد المادية، يجب ان نصلي للآلهة لتهبنا الثروات،  اما الحكمة فيجب ان نكتسبها بانفسنا".

يشدد الرب يسوع ان الله يهتم بأصاغر الامور ليظهر لنا ان الله "يعلم اننا نحتاج الى كل هذا" وليؤكد لنا ان الله شاء ان يكون شريكا لنا في معاناتنا مهما صغرت ومهما عظمت. هكذا ليس هذا النص الانجيلي دعوة الى الكسل بل هو دعوة الى الامتداد الى الله والى استنزال حياته الالهية في ثنايا حياتنا المفككة والمتناثرة حول الحاجات اليومية. هو دعوة الى اعادة الوحدة لكياننا الترابي بتوقنا الى الحياة الجديدة التي افاضها الرب يسوع المسيح بالخلاص الذي تممه بالصليب والقيامة من بين الاموات.

هذا هو الأساس الذي يساعدنا على فهم قول يسوع بألا نهتم بما نأكل أو بما نشرب. فإذا كان الله أبانا, فهذا يعني إنه ينبغي لنا أن نتّكل عليه اتكالاً كليا كاتكال الأطفال الصغار على آبائهم. نحن مقيمون في بيت أبينا, ولذلك لا نملك شيئا, ولا ينبغي لنا, كما أننا لا نريد شيئا ولا نحتاج إلى شيء. هو يعطينا ما يريده, لأنه كأب, يعلم ما نطلبه أكثر منا (متى 7: 7 – 11). إذا قبَِِلْنا يسوع وسِرْنا على سراطه علينا أن نتصرف هكذا, ونَطلب ملكوت الله أولا, أي أن يكون الله في الحقيقة سيدنا وأبانا, والله كسيد وأب يعطينا ما نحن بحاجة إليه كما يعطي طيور السماء مأكلا وزنابق الحقل ملبسا.

نشرة رعيتي
الأحد 27 حزيران 1993
العدد 26

من وحي الإنجيل

في الأحد الأول بعد العنصرة نقرأ في القداس قول يسوع: "مَن أحب أباً أو أمّا أكثر مني فلا يستحقني"، وأيضا: "كل من ترك بيوتا أو إخوة أو أخوات أو أباً أو أمّا أو امرأة أو أولاداً أو حقولا من أجل اسمي يأخذ مئة ضعف ويرث الحياة الأبدية". نداء يسوع لنا هو أن نتبعه وحده، ولكي نتبعه يجب أن يحل هو في المرتبة الأولى في قلوبنا، لذلك يجب أن نترك كل شيء من أجله.

في الأحد الثاني بعد العنصرة يروي الانجيل دعوة التلاميذ الأوائل، ويرينا التطبيق العملي لِما طلبه يسوع في إنجيل الأحد السابق. كان يسوع على شاطئ بحيرة طبريا لما رأى سمعان وأندراوس أخاه يصطادان، فقال لهما: "اتبعاني"، "وللحال تركا شباكهما وتبعاه. بعد قليل التقى يسوع يعقوب ويوحنا وكانا يصطادان مع والدهما زبدى. فدعاهما يسوع وللحال تركا قاربهما وأباهما وتبعاه". يطلب منا يسوع أحيانا أن نتخلّى عن عملنا، عن عدة الشغل، عن كل ما نملك. ترك التلاميذ أباهم ليتبعوا يسوع. يطلب يسوع أحيانا أن نتخلّى عن العلاقات العائلية والصداقات البشرية. هذا ليس أمرا سلبيا وحسب، الناحية الإيجابية فيه هي اتّباع المعلّم.

بعد ان طلب منا يسوع ان نترك كل اهتمام في الدنيا لنتبعه، نسأل: لكن كيف نعيش؟ يأتي الجواب في انجيل اليوم في الأحد الثالث بعد العنصرة: "لا تهتمّوا لحياتكم بما تأكلون وبما تشربون، ولا لأجسادكم بما تلبسون، أليست الحياة أفضل من الطعام والجسد أفضل من اللباس؟". المطلوب اولاً توحيد حياتنا الداخلية: "إن كانت عينك بسيطة فجسدك كله يكون نيّراً". "لا يقدر أحد أن يخدم سيدين، لذلك اقول لكم ان لا تهتموا بما تأكلون وبما تشربون...". اذا كان أبوكم السماوي يُطعم طيور السماء ويُلبس زنابق الحقل .. كيف بالأحرى لا يهتم بحاجاتنا. يجب أن نفهم كلمات يسوع هذه بدقة وتمييز. يدعو الرب يسوع بعض الناس ليتبعوه بفقر مطلق. لكن معظم الناس لهم مسؤوليات عائلية واجتماعية وعليهم تأمين حاجاتهم بالعمل. الله لا يحاسبهم على ذلك، ويسمح ان ينتبهوا لحاجاتهم المادية وحاجات عائلاتهم. لكن الله يرفض البخل والتعلّق المفرط بالمال الذي يدل على عدم الإيمان. "أبوكم السماوي يعلم انكم تحتاجون الى هذه كلها، لكن اطلبوا اولا ملكوت الله وبره وكل هذه تزاد لكم". من كانت دعوته التخلّي عن كل شيء، ومن كان له واجب تأمين معيشة عائلته، فليثق كلّ منهما بالله لأنه لن يترك احداً منهما. عليهما فقط ان يطلبا قبل كل شيء ملكوت الله وبرّه. أين نبحث عن ملكوت الله؟ في داخلنا، في قلوبنا وفي ضمائرنا وأيضا حولنا.

الفكرتان الأساسيتان اللتان نأخذهما من انجيل اليوم هما: أولوية البحث عن ملكوت الله، والثقة بمحبة الآب فيما يختص بالحاجات المعيشية

نشرة رعيتي
الأحد 9 تموز 2000
العدد 28

الشرح - عن نشرة مطرانية اللاذقية

سراجُ الجسد العين: يرى الآباء والكثير من الحديثين أن يسوع هنا يشير إلى الذهن الذي هو العين الروحية للنفس البشرية.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: ((كما أن العين في الجسد كذلك هو الذهن في النفس فإذا ما ُفسِدَ الذهن عن طريق استعباده للكنوز الأرضية عند ذلك تظلم النفس وتمرض)).

كما أن صحة العين الجسدية تساعد الإنسان على أن يميّز الطريق الصحيحة وما هو فيها وكيف يسير عليها باستقامة، كذلك يحصل مع النفس التي عندما تكون مستقيمة وتسير وفقاً للوصايا الإلهية تكون حياة الإنسان عندئذ في النور.

على العكس عندما يبتعد داخل الإنسان عن الله ويلتصق بالعالم الفاسد، يُستبعد للخطيئة إلى حدّ أنه يتقدم بصورة متواصلة نحو الأسوأ مجتذباً معه كيان الإنسان كّله إلى طريق الهلاك. في الخطيئة هناك أيضاً تقدم ولكن نحو الأسوأ، وهذا ما يحصل عندما لا يعود الإنسان يتذكر الله ويستسلم لأهوائه مما يزيد في بعده عن الله نحو ساحة الفساد والموت.

هنا نستنتج أن الشرط الضروري للخضوع لمشيئة الله وللثقة بالله هو طهارة العين الروحية، أي العودة في كل خطوة، عودة النفس إلى الله، لأنه هكذا يمكن الهرب من الفساد ومن العمى الروحي.

((لا يقدر أحد أن يخدم سيّدين – لأنه إمّا أن يبغض الواحد ويحب الآخر أو يلازم الواحد ويحتقر الآخر – لا تقدرون أن تخدموا الله والمال)): هنا يعبّر يسوع بطريقة واضحة ومطلقة عن عدم إمكان الإنسان أن يخدم سيّدين كعبدٍ وفي الوقت نفسه، ويشرح بالتالي سبب هذه الاستحالة. والسبب لا يكمن فقط في طبيعة السيّدين القانونية أو في متطلباتهما، بل على الأخص في اختيار العبد الداخلي. سوف يشعر هذا العبد بضرورة تفضيل سيّد على آخر "محبّته له"، فيتحمّل نيره بلا تذمر، بينما يشعر بالازدراء نحو الآخر، ممّا يولِّد انفصاماً في موقفه الداخلي وفي تصرّفه الخارجي أيضاً، فلا يستطيع هكذا أن يستمرّ مقيّداً بمثل هذه العهود.

((لذلك أقول لكم: لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون وبما تشربون، ولا لأجسادكم بما تلبسون. أليست الحياة أفضل من الطعام، والجسد أفضل من اللباس؟)) (متى ٦:٢٥).

إن البشر يهتمون بالأمور المعيشية، بالطعام والشراب اللذين يؤمنان استمرار الحياة، باللباس الذي يحفظ الجسم ويجمّله. لكنهم في نشوة اهتماماتهم ينسون أن الحياة لا تساوي الطعام، وأن الجسد لا يحافظ عليه بمجرّد اللباس.

إن استمرار الحياة لا يتوقف على الخيرات المادية التي تؤمّن شيئاً آخر. إن مواجهة الحياة بهذه النظرة البشرية والمادية هو نوع من الجهالة، نوع من نقص في المنطق البسيط، لأنها تهمل مصدر الحياة الإلهي. فقط عن طريق الالتصاق بالله – الذي يفترض النقاوة الدائمة للعين الروحية – يمكن للإنسان أن يواجه الحياة بطريقة صحيحة، متحرّراً هكذا من الاهتمام المقلق بتأمين المعيشة.

((ولماذا تهتمّون باللباس. تأملوا زنابق الحقل كيف تنمو. لا تتعب ولا تغزل)).

على تلميذ السيد أن يسّلم نفسه كلياً إلى عناية الله ومحبّه هذا يُطبَّق بشكلٍ خاصّ في التحرّر من متطلبات العيش من حيث الاهتمام القلق والمّلح، وفي وضع الرجاء والاتكال على الرب المحبّ البشر. على تلميذ المسيح أن يفتش بصورة متواصلة عن الوطن السماوي منتظراً برغبة كّلية الشركة الأبدية مع الله المثلث الأقانيم. هكذا يَعبر المسيحي بالجسد الزمن الأرضي الحاضر بدون قلق تجاه المستقبل لأن لديه الثقة التامة برحمات الآب السماوي وعنايته.

نشرة مطرانية اللاذقية
10 / 7 / 2005
العدد: 28

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع