Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


النص:

1 وَجَعَلَ يَسُوعُ يُكَلِّمُهُمْ أَيْضاً بِأَمْثَال قَائِلاً: 2 «يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ إِنْسَاناً مَلِكاً صَنَعَ عُرْساً لابْنِهِ، 3 وَأَرْسَلَ عَبِيدَهُ لِيَدْعُوا الْمَدْعُوِّينَ إِلَى الْعُرْسِ، فَلَمْ يُرِيدُوا أَنْ يَأْتُوا. 4 فَأَرْسَلَ أَيْضاً عَبِيداً آخَرِينَ قَائِلاً: قُولُوا لِلْمَدْعُوِّينَ: هُوَذَا غَدَائِي أَعْدَدْتُهُ. ثِيرَانِي وَمُسَمَّنَاتِي قَدْ ذُبِحَتْ، وَكُلُّ شَيْءٍ مُعَدٌّ. تَعَالَوْا إِلَى الْعُرْسِ! 5 وَلكِنَّهُمْ تَهَاوَنُوا وَمَضَوْا، وَاحِدٌ إِلَى حَقْلِهِ، وَآخَرُ إِلَى تِجَارَتِهِ، 6 وَالْبَاقُونَ أَمْسَكُوا عَبِيدَهُ وَشَتَمُوهُمْ وَقَتَلُوهُمْ. 7 فَلَمَّا سَمِعَ الْمَلِكُ غَضِبَ، وَأَرْسَلَ جُنُودَهُ وَأَهْلَكَ أُولئِكَ الْقَاتِلِينَ وَأَحْرَقَ مَدِينَتَهُمْ. 8 ثُمَّ قَالَ لِعَبِيدِهِ: أَمَّا الْعُرْسُ فَمُسْتَعَدٌّ، وَأَمَّا الْمَدْعُوُّونَ فَلَمْ يَكُونُوا مُسْتَحِقِّينَ. 9 فَاذْهَبُوا إِلَى مَفَارِقِ الطُّرُقِ، وَكُلُّ مَنْ وَجَدْتُمُوهُ فَادْعُوهُ إِلَى الْعُرْسِ. 10 فَخَرَجَ أُولئِكَ الْعَبِيدُ إِلَى الطُّرُقِ، وَجَمَعُوا كُلَّ الَّذِينَ وَجَدُوهُمْ أَشْرَاراً وَصَالِحِينَ. فَامْتَلأَ الْعُرْسُ مِنَ الْمُتَّكِئِينَ. 11 فَلَمَّا دَخَلَ الْمَلِكُ لِيَنْظُرَ الْمُتَّكِئِينَ، رَأَى هُنَاكَ إِنْسَاناً لَمْ يَكُنْ لاَبِساً لِبَاسَ الْعُرْسِ. 12 فَقَالَ لَهُ: يَا صَاحِبُ، كَيْفَ دَخَلْتَ إِلَى هُنَا وَلَيْسَ عَلَيْكَ لِبَاسُ الْعُرْسِ؟ فَسَكَتَ. 13 حِينَئِذٍ قَالَ الْمَلِكُ لِلْخُدَّامِ: ارْبُطُوا رِجْلَيْهِ وَيَدَيْهِ، وَخُذُوهُ وَاطْرَحُوهُ فِي الظُّلْمَةِ الْخَارِجِيَّةِ. هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَانِ. 14 لأَنَّ كَثِيرِينَ يُدْعَوْنَ وَقَلِيلِينَ يُنْتَخَبُونَ».

الشرح:

تكثر في الأناجيل، وخصوصا في إنجيل متى، الأمثال التي يعطيها يسوع عن "ملكوت السماوات". وكل من هذه الأمثال يصوّر جانبا من جوانب الموضوع ويركز عليه. من أهمّها تلك التي تصور الملكوت وليمة عرسٍ كالمثل الذي نقرأه في هذا الفصل الإنجيلي.

الصورة المستعملة في هذا المثل صورة "إنسان ملك صنعَ عرسا لابنه وأرسل عبيده ليدعوا المدعوين إلى العرس". عادةً يشير كل عنصر من عناصر المثل إلى جانب من الحقيقة. الملك هنا هو الله الآب، وابن الملك يسوع المسيح، والعبيد هم الأنبياء والرسل المكلفون بإيصال كلمة الله إلى الذين دعاهم. والمدعوون بحسب التعبير الكتابي في عهديه القديم والجديد هم شعب إسرائيل. هؤلاء المدعوين "لم يريدوا أن يأتوا. التشديد هنا هو على أن المدعوين أولا رفضوا الدعوة وما استجابوا لها في إشارةٍ إلى أن اليهود قتلوا الأنبياء ورفضوا بشارة الرسل كما هو واضح في العهد الجديد عموما وإنجيل متى خصوصا. يؤكد هذا قوله "والباقون قبضوا على عبيده وشتموهم وقتلوهم" (أنظر متى 21: 33 – 44).

غير أن رَفْضَ شعب إسرائيل الدعوة إلى الملكوت لم تثنِ الله عن "إتمام عرس ابنه"، الأمر الذي يؤكد على أن صانع الوليمة ليس المدعوين بل الله نفسه وهو الذي يقرّر بمَن يأتي إلى هذه الوليمة. رفضُ الدعوة لا يعني أن الوليمة لن تتم وإن العرس سيُلغى، بل سيأتي مدعوون آخرون ليحضروا الوليمة والعرس.

واضحٌ هنا توجّه إنجيل متى العامّ الذي يحصر البشارة، في المرحلة الأولى، باليهود، "بني الملكوت" (متى 8: 12)، لينقلها، بعد أن رفضها اليهود، إلى الأمم وكل من يقبلها من الناس ليصير بدوره ابنا حقيقيا للملكوت "ويتكئ مع إبراهيم واسحق ويعقوب في ملكوت السموات" (متى 8: 11). إلا أن المدعوين أولا لن يسلموا من عقاب الله. بحسب المثل يغضب الملك ويرسل جنوده ليميتوا أولئك القتلة ويحرقوا مدينتهم. ربما يشير إحراق المدينة هنا إلى دمار أورشليم على أيدي الرومان الذي حصل سنة 70م. أهمّ من هذا إن المدعوين أولا ً الذين يسميهم متى "بني الملكوت" رفضوا الدعوة وقتلوا مرسَلي الله ورفضوهم، لذلك سيؤخذ منهم الملكوت ويُعطى "لأمّة تصنع أثماره" (متى 21: 43).

ولأن الملك لا يريد أن يؤثّر رفض المدعوين أولاً على "نجاح" عرس ابنه، ولأنه هو صاحب الوليمة والعرس، أرسل عبيده ليَدْعوا كل من يصادفونه على الطريق من أشرار وصالحين. في إنجيل متى يذهب الرسل إلى الأمم جميعا ليحملوا إليهم كلمة الله بعد أن يرفضهم اليهود. "الآتون من المشارق والمغارب" (متى 8: 11) صاروا الآن الحفل. جلسوا على المقاعد التي كانت مخصصة للمدعوين أولاً. هؤلاء هم الخاسرون. الوليمة ستتم والعرس لن يسقط. لكنهم لن يكون لهم نصيب فيها. لن يكون لهم الفرح الذي للمشتركين في العرس. سوف يفرح آخَرون بالفرح الذي كان لهم. المعنى هنا هو أن ملكوت الله معدّ للذين يقبلون كلمة الله ودعوته.

يضيف متى إلى هذا المثل كلاماً عن الاستحقاق والاستعداد، ولو لم يتفق منطقيا مع ما قبله، ذلك لأنك تنتظر من الآتين عن مفارق الطرق، الذين لا علم لهم مسبق بالعرس، أن يكونوا لابسين لباس العرس. "فلما دخل الملك لينظر المتكئين، رأى هناك إنساناً لم يكن لابسا لباس العرس"، التشديد هنا ليس على الاتفاق المنطقي مع ما يسبق بل على الاستعداد والدينونة. لأنك، حتى ولو تكن من المدعوين أولاً، ينبغي لك، إذا قبلت الدعوة، أن تكون مستعداً لدخول الملكوت، مهيئاً نفسك لاشتراكٍ لا لوم فيه في مائدة الرب الأبدية.

بهذا الكلام ترتبط الآية الأخيرة من هذا الفصل "لأن المدعوين كثيرون والمختارين قليلون". لئن كانت الدعوة موجّهة إلى كل الناس، إلا أن الله وحده هو الذي يقرّر مَن يدخل إلى ملكوته. حسبُ المدعوين أن يستعدوا وينتظروا الملك الآتي للمحاسبة.

نقلاً عن نشرة رعيتي
الأحد 5 أيلول 1999 / العدد 36

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع