Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


1 ثُمَّ دَخَلَ كَفْرَنَاحُومَ أَيْضاً بَعْدَ أَيَّامٍ، فَسُمِعَ أَنَّهُ فِي بَيْتٍ. 2 وَلِلْوَقْتِ اجْتَمَعَ كَثِيرُونَ حَتَّى لَمْ يَعُدْ يَسَعُ وَلاَ مَا حَوْلَ الْبَابِ. فَكَانَ يُخَاطِبُهُمْ بِالْكَلِمَةِ. 3 وَجَاءُوا إِلَيْهِ مُقَدِّمِينَ مَفْلُوجاً يَحْمِلُهُ أَرْبَعَةٌ. 4 وَإِذْ لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَقْتَرِبُوا إِلَيْهِ مِنْ أَجْلِ الْجَمْعِ، كَشَفُوا السَّقْفَ حَيْثُ كَانَ. وَبَعْدَ مَا نَقَبُوهُ دَلَّوُا السَّرِيرَ الَّذِي كَانَ الْمَفْلُوجُ مُضْطَجِعاً عَلَيْهِ. 5 فَلَمَّا رَأَى يَسُوعُ إِيمَانَهُمْ، قَالَ لِلْمَفْلُوجِ: «يَا بُنَيَّ، مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ». 6 وَكَانَ قَوْمٌ مِنَ الْكَتَبَةِ هُنَاكَ جَالِسِينَ يُفَكِّرُونَ فِي قُلُوبِهِمْ: 7 «لِمَاذَا يَتَكَلَّمُ هذَا هكَذَا بِتَجَادِيفَ؟ مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يَغْفِرَ خَطَايَا إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ؟» 8 فَلِلْوَقْتِ شَعَرَ يَسُوعُ بِرُوحِهِ أَنَّهُمْ يُفَكِّرُونَ هكَذَا فِي أَنْفُسِهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ:«لِمَاذَا تُفَكِّرُونَ بِهذَا فِي قُلُوبِكُمْ؟ 9 أَيُّمَا أَيْسَرُ، أَنْ يُقَالَ لِلْمَفْلُوجِ: مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ، أَمْ أَنْ يُقَالَ: قُمْ وَاحْمِلْ سَرِيرَكَ وَامْشِ؟ 10 وَلكِنْ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لابْنِ الإِنْسَانِ سُلْطَاناً عَلَى الأَرْضِ أَنْ يَغْفِرَ الْخَطَايَا». قَالَ لِلْمَفْلُوجِ: 11 «لَكَ أَقُولُ: قُمْ وَاحْمِلْ سَرِيرَكَ وَاذْهَبْ إِلَى بَيْتِكَ!». 12 فَقَامَ لِلْوَقْتِ وَحَمَلَ السَّرِيرَ وَخَرَجَ قُدَّامَ الْكُلِّ، حَتَّى بُهِتَ الْجَمِيعُ وَمَجَّدُوا اللهَ قَائِلِينَ:«مَا رَأَيْنَا مِثْلَ هذَا قَطُّ!».

 

الشرح، عن نشرة رعيتي:

أخذ الرب يسوع يكرز في قرى الجليل ومجامعه (مرقس 1: 37-39) مظهرا سلطته على المرض وعلى الشياطين إذ شفى كثيرين كانوا مرضى بأمراض مختلفة وأخرج شياطين كثيرة (مرقس 1 :34). أعمال الرب يسوع هذه دفعت الناس للاحتشاد حوله لذلك "لم يعد يقدر ان يدخل مدينة ظاهراً بل كان خارجا في مواضع خالية وكانوا يأتون اليه من كل ناحية" (مرقس 1 :45).

 "كان يخاطبهم بالكلمة" اي بكلمة البشارة التي تحمل للسامع بشرى الخلاص بيسوع المسيح. اتضح للسامعين ان كلمة يسوع تختلف عن كلمات من سبقوه من معلمين، لذلك "بهتوا من تعليمه لأنه كان يعلمهم كمن له سلطان وليس كالكتبة" (مرقس 1: 22).

"مغفورة لك خطاياك". يتوجه يسوع الى أعماق الانسان متخطيا مرضه الظاهر ليظهر قدرته على الشفاء الروحي. اعتقد اليهود ان الامراض والمصائب هي النتيجة المباشرة للخطيئة الشخصية او الجماعية وان مغفرة الخطايا تعود لله وحده كما ذكر النبي اشعياء قول الله "انا انا هو الماحي ذنوبك لأجل نفسي وخطاياك لا أذكرها" (اشعيا 43 :25)، وكما يردد الكتبة قائلين "من يقدر ان يغفر الخطايا الا الله وحده".

لا يريد الرب يسوع ان يؤكد المفهوم اليهودي الخاطئ عن سبب المرض بل يؤكد انه يقوم بالأعمال بسلطان إلهي او بكلام أصح بسلطان الله نفسه. لذلك لم يقل الرب يسوع: انا اغفر لك خطاياك، بل استعمل صيغة المجهول وقال: "مغفورة لك خطاياك" ليشير الى ان الفاعل هو الله. هذا الاسلوب كان شائعا في الأدب اللاهوتي اليهودي كطريقة للاشارة الى الله دون لفظ اسمه. اذاً يسوع يعلن عن أمر لا يتممه الا الله مما يدل على انه يتمتع بسلطان الله نفسه.

يجدف كل من ينسب الى نفسه سلطانا يختص بالله وحده. اتهم الكتبة الرب يسوع بالتجديف لانهم لم يروا فيه سوى الجانب الانساني وأخفقوا في رؤية الجانب الإلهي في شفاء المخلع لذلك افتكروا في انفسهم: "ما بال هذا يتكلم هكذا بالتجديف؟". وسرعان ما يجيبهم على ما افتكروا به في داخلهم دون ان يعبّروا عنه، ليؤكد لهم انه يعرف خفايا الانسان وأفكاره التي لا يعلمها الا الله وحده، وبالتالي يسوع والله واحد.

"ما الأيسر ان يقال: مغفورة لك خطاياك ام ان يقال: قم واحمل سريرك وامش". الدليل الحسي على الشفاء هو التعافي من المرض ،اما غفران الخطايا فما من دليل حسي يؤكده. الصعوبة تكمن في اثبات القول بفعل واضح وجلي. الشفاء كان ممكنا في اسرائيل كما يتضح من قصة سيمون الساحر في سفر اعمال الرسل (8: 9-13). اما غفران الخطايا فلا أحد يقدر عليه بنظر اليهود ولا حتى المسيا المنتظر، اذ لم يرد مطلقا في التقليد اليهودي ان المسيا له سلطان ان يغفر الخطايا.

"ان ابن البشر له سلطان على الأرض ان يغفر الخطايا". لقب ابن البشر يشير الى المسيا المنتظر وقد نسبه الرب يسوع هنا الى نفسه. لا شك ان الرب يسوع اراد ان يصحح نظرتهم للمسيا المنتظر موضحاً ان عمله الخلاصي يتم بغفران خطايا شعبه فهو يفديهم إذ يأخذ خطاياهم على نفسه. نرى هكذا ان مهمة المسيا ابن البشر على الأرض هي بالتحديد غفران الخطايا، لذلك قال الرب يسوع وهو على الصليب "يا ابتاه اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون" (لوقا 23 :34).

"دهش كلهم ومجدوا الله" لان العجيبة هي بمثابة جسر تعبر به الى الله. وعندما تصبح في حضرة الله يطغى عليك التمجيد إذ تعاين ما يفوق الإحساس والإدراك. المؤمن لا يستوقفه الانسان الذي يُقيم الرب العجيبة من خلاله بل يتخطاه ليرى حضور الله في الحدث. المؤمن لا يتهافت الى العجائب لأنه على يقين بان اصبع الله لا يكف عن جذب البشر الى الحضرة الإلهية.

في معاني الإنجيل، عن نشرة مطرانية اللاذقية:

أتى بعض اليهود بمخلع إلى يسوع طالبين، طبعاً، أن يحلَّه ويخلصه من مرضه . لكن يسوع التفت إلى هذا المخّلع وكأنه لم يرَ إلاَّ المرض الذي اهتم هو أن يشفيه، وقال للمخّلع : "مغفورٌة لك خطاياك"؛ ففوجئ اليهود . لذلك علينا نحن أن نعرف مدى تقديرهم لمسؤولية الخطيئة أولاً، وأن نعرف مفهومهم للخطيئة ثانياً؛ الأمران اللذان جعلاهم يفاجؤون.

تشديد يسوع هذا على أمر الخطيئة يستحق منا أن نسأل أنفسنا نحن أيضاً، عما هو مفهوم الخطيئة بالنسبة لنا، أي ما هي الخطيئة في تقديرنا؟.

كما نعلم، تحيي الكنيسة في الأحد الثاني من الصوم، تذكار القديس غريغوريوس بالاماس؛ الذي تصدى في القرن الرابع عشر لخطر تهديد الحياة المسيحية من العقلانية المحدودة البرلعامية .

وهذا الصراع بين بالاماس وبرلعام لم يكن نظرياً وجدالاً فكرياً، بل هو خلاف على طريقة التعامل مع الله وجوهر العلاقة في عبادته والعيش معه والسير إليه.

إذا ألقينا نظرة على مفهومنا للخطيئة، نجد أنَّ هذا المفهوم الحساس مهدد فعلاً وربما مُنَفسِد بسبب العقلانية البرلعامية الغربية . لنرى إذن ما هي الخطيئة؟

الخطيئة، من نظرة مسيحية عملية، وكما يعرفها القديس غريغوريوس بالاماس، هي رفض الله كأب، رفض الحب الأبوي، أي رفض النعمة الإلهية، والعيش في عزلة عقلانية. ما أحزن الأب في مَثل "الابن الضال " هو رحيل ابنه . لقد أهان الابن أباه بحرمانه من وجوده كابن، لذلك فإنَّ هذه الخطيئة لا تغتفر إلاَّ بالعودة . إنَّ الحب الإلهي المنسكب جعل الله، إذا جاز التعبير، "قابلاً للتجريح ". خطيئة هي أن نرفض النور ونحب الظلام حين جاء النور إلينا . أكبر إهانة للأب هي أن نتجاهل حبه. الخطيئة في النهاية هي في أن نحيا مدعين أننا أبناء، بينما محبة الآب فينا غير موجودة . الحياة مع الله لا تعني أبداً مجرد أننا نعترف بوجوده، الحياة مع الله تعني أن نسعد بحياتنا معه، وبكلمة أخرى أن يكون الله سعادتنا. أن نقرأ، مثلاً، اللاهوت من أجل المعرفة فقط، فهذه خطيئة ! لأنه إن قرأنا اللاهوت ولم نفرح، ونتخشع، ونحيا، فنحن نهين الله الذي أتى إلينا حياةً . لأن الله لم يأتِ ليشغل عقلنا وإنما ليشعل قلبنا . الحياة مع الله ليست معلومات وإنما خبرات . الله لا يدرك، ولا يوصف من قِبل الدراسات، وإنما يخبر عنه من الخبرات . الدراسات إيجابية حين تزيد الخبرات، برلعام يمثل خدعة الدين كمعرفة، والقديس بالاماس يذكرنا بخبرة الدين كحياة.

الخطيئة "خسارة"، إذ نرفض النعمة المعطاة لنا ونحيا بمحدوديات العقل . خطيئة هي أن نقول لا للحب الإلهي المتدفق إلينا وفينا، وأن نبقى في حدود الجسد ونحيا "كبشر"، بينما تنسكب النعمة الإلهية داعيًة إيانا لنحيا كآلهة.

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع