Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


قال الرب هذا المثل: ((إِنْسَانٌ صَنَعَ عَشَاءً عَظِيماً وَدَعَا كَثِيرِينَ،17وَأَرْسَلَ عَبْدَهُ فِي سَاعَةِ الْعَشَاءِ لِيَقُولَ لِلْمَدْعُوِّينَ: تَعَالَوْا لأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ قَدْ أُعِدَّ. 18فَابْتَدَأَ الْجَمِيعُ بِرَأْيٍ وَاحِدٍ يَسْتَعْفُونَ. قَالَ لَهُ الأَوَّلُ: إِنِّي اشْتَرَيْتُ حَقْلاً، وَأَنَا مُضْطَرٌّ أَنْ أَخْرُجَ وَأَنْظُرَهُ. أَسْأَلُكَ أَنْ تُعْفِيَنِي. 19وَقَالَ آخَرُ: إِنِّي اشْتَرَيْتُ خَمْسَةَ أَزْوَاجِ بَقَرٍ، وَأَنَا مَاضٍ لأَمْتَحِنَهَا. أَسْأَلُكَ أَنْ تُعْفِيَنِي. 20وَقَالَ آخَرُ: إِنِّي تَزَوَّجْتُ بِامْرَأَةٍ، فَلِذَلِكَ لاَ أَقْدِرُ أَنْ أَجِيءَ. 21فَأَتَى ذَلِكَ الْعَبْدُ وَأَخْبَرَ سَيِّدَهُ بِذَلِكَ. حِينَئِذٍ غَضِبَ رَبُّ الْبَيْتِ، وَقَالَ لِعَبْدِهِ: اخْرُجْ عَاجِلاً إِلَى شَوَارِعِ الْمَدِينَةِ وَأَزِقَّتِهَا، وَأَدْخِلْ إِلَى هُنَا الْمَسَاكِينَ وَالْجُدْعَ وَالْعُرْجَ وَالْعُمْيَ. 22فَقَالَ الْعَبْدُ: يَا سَيِّدُ، قَدْ صَارَ كَمَا أَمَرْتَ، وَيُوجَدُ أَيْضاً مَكَانٌ. 23فَقَالَ السَّيِّدُ لِلْعَبْدِ: اخْرُجْ إِلَى الطُّرُقِ وَالسِّيَاجَاتِ وَأَلْزِمْهُمْ بِالدُّخُولِ حَتَّى يَمْتَلِئَ بَيْتِي،24لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ : إِنَّهُ لَيْسَ وَاحِدٌ مِنْ أُولَئِكَ الرِّجَالِ الْمَدْعُوِّينَ يَذُوقُ عَشَائِي)).

 

 

الشرح عن نشرة رعيتي:

ألقى الرب يسوع هذا المثل في بيت احد رؤساء الفريسيين بحضور عدد من علماء الشريعة والفريسيين. كان الرب قد دُعي إلى هناك لتناول الطعام بعد المجمع يوم السبت. الحاضرون هم من أعيان الشعب، هم الجماعة الأكثر تديناً والأغزر معرفة في الأمور الدينية، ولكنهم الأبعد عن ملكوت الله، لذلك أراد الرب يسوع أن يوبخهم منبهاً إياهم إلى أن تكبرهم وافتخارهم بمنزلتهم الاجتماعية سيؤديان بهم إلى خسارة ما قد وعد الله به.

"ارسل عبده في ساعة العشاء". جرت العادة لدى الشرقيين القدامى بان يكرروا الدعوة عند موعد العشاء وذلك من باب التذكير وأيضاً من باب الإمعان في التكريم. المثل يوحي بأن المدعوين كثيرون في حين أن الداعي يرسل عبداً واحداً فقط لتذكير هذه الكثرة. لا بد أن الرب يسوع أراد أن يشير بهذا الخادم الوحيد إلى نفسه وذلك ليوضح لسامعيه انه آتٍ بدعوة الله النهائية.

"فطفق كلهم واحد فواحد يستعفون". يفيد الأصل اليوناني أن كافة المدعوين اخذوا يستعفون فجأة. لا بد أنهم قبلوا الدعوة عندما وُجهت إليهم في السابق ولكنهم عادوا عن قرارهم في اللحظة الحاسمة. هذا يعكس وضع سامعي الرب يسوع من الحاضرين لأنهم يدّعون التزامهم بدعوة الله لكن ها اللحظة الحاسمة أتت بمجيء الرب يسوع وهم يواجهونها بالرفض القاطع.

"قال الأول اشتريت حقلاً ولا بد لي أن اخرج وأنظره". العادة تقتضي بأن يتفقد الشاري الملكية التي على وشك أن يقتنيها وبعدها يتم عقد الشراء. لا شك أن هذا الأمر دفع هذا إلى الاستعفاء. "قد اشتريت خمسة فدادين بقر" أي عشرة ثيران. هذا العدد من الثيران يفلح ما يقارب ال54 هكتارا من الأرض الزراعية أي ضعف معدل الملكية في تلك الأيام. حجتا الرجلين توضحان أنهما من كبار أغنياء تلك الأيام وملاكيها.

"قد تزوجت امرأة فلذلك لا استطيع أن أجيء" لا شك أن الرجل تزوج بعد استلامه الدعوة الأولى.العادة في تلك الأيام لا تسمح للنساء بالذهاب إلى الولائم. الرجال منفردين يلبون هذه الدعوات. كما نجد في التشريع اليهودي أن المتزوج يُعفى من سائر المهام لمدة سنة ولا يُسمح بأن يُعهد إليه إتمام أي أمر ما عدا الاهتمام بعروسه (انظر تثنية 24: 4)، هذا قد يعني أن الرجل يحق له رفض الدعوة دون أن يُضطر للاعتذار.

لم يذكر الرب يسوع أعذار كل المدعوين. اكتفى بذكر ثلاثة نماذج ليشير إلى أن الناس يهملون دعوة الله لهم بسبب انغماسهم بهموم الحياة وغناها ولذاتها (انظر لوقا 8: 14).

"اخرج سريعاً إلى شوارع المدينة وأزقتها وأدخل المساكين والجدع والعميان والعرج". قبل أن يسرد الرب يسوع هذا المثل كان قد توجه إلى مضيفه قائلاً: إذا أقمت وليمة لا تدعُ مَن يبادلونك المثْل بل "ادع المساكين والجدع والعرج والعمي فيكون لك الطوبى إذ ليس لهم حتى يكافئوك لأنك تُكافأ في قيامة الأبرار" (انظر لوقا 14: 13-14). كأني بالرب يسوع يقول لمضيفه أن مَن ليس بمنزلة هؤلاء المساكين (أي الذين لا متكل لهم سوى الله) سيصعب عليه الدخول إلى الملكوت، وانك بدعوة مثل هؤلاء تقيم صورة عن انعقاد الملكوت من الآن.

يلمح الرب يسوع هنا إلى أن رفض الأعيان والمتدينين لا يثني الله عن عزمه في تتميم تدبيره بل بالأحرى يقوده إلى تجاهلهم ذاهباً مباشرة إلى الناس، ليس فقط اليهود منهم الذين رُمز إليهم بالمتسكعين في شوارع المدينة وأزقتها بل إلى الوثنيين أيضاً الذين أشار إليهم الرب يسوع إذ قال: "اخرج إلى الطرق والاسيجة" أي اذهب إلى خارج أسوار المدينة "واضطررهم إلى الدخول". الاضطرار هنا ليس بمعنى الإجبار ولكن يُقصد به الإلحاح. الله يلح دون كلل والإنسان يتمتع بكامل الحرية التي قد تقوده إما إلى القبول أو الرفض.

"اني أقول لكم". كلمة "لكم" تشير إلى سامعي يسوع الآن وليس إلى الخادم. يتكلّم يسوع كأنه مقيم الدعوة ليوجه كلاماً حاداً إلى سامعيه، إذ أن المثل ليس سوى ترجمة فعلية لسلوكهم أمام دعوة الله المعلنة في شخصه.

"لأن المدعوين كثيرون والمختارين قليلون". هذه الآية ليست من صلب نص إنجيل اليوم، أُخذت من نهاية المثل نفسه كما يرد في إنجيل الرسول متى (انظر متى 22 :1-14) ووُضعت هنا لتناغمها وفحوى النص. يذكر الإنجيلي متى أن العشاء عبارة عن عرس وان الداعي هو ملك. ويخبرنا أن هذا الملك دخل على المدعوين ووجد "إنساناً لم يكن لابساً لباس العرس" فطرده خارجاً قائلاً لعبيده "لأن كثيرين يُدعون وقليلين يُنتخبون". لا يُقصد بهذه الآية أن الرب سبق واختار الذين سيخلصون، القصد أن الدعوة في متناول الجميع وكل مَن قبلها وانضم إلى الجماعة المؤمنة بيسوع (الكنيسة) لا ينال مرتجاه إلا إذا ثبت إلى المنتهى محافظاً على إيمانه ونقاوته وقداسته. المؤمن ساعٍ أبداً ليكون من صف مختاري الله.

 

الشرح عن نشرة مطرانية اللاذقية:

يشدّد النصّ الذي سمعناه على أمرين : الأمر الأوّل هو حدث العرس الحاصل واهتمام السيّد في ﺗﻬيئة كل شيء، حين أرسل عبيده إلى المدعوّين قائلاً : "تعالوا فقد ُأعدّ كّل شيء". وكيف ألح ذلك السيّد على إقامة حفل العشاء ولو كان بعض المدعوّين قد رفضوا. فهو سيملأ بيته داعياً سواهم من الطرق والأزقة والأماكن البعيدة. لا بد أن استخدام هذا النصّ الليتورجيّ في هذا الأحد على عتبة الميلاد، يعطينا المعنى العميق الذي فهمته الكنيسة في هذا المثل. وهو ما عبّر عنه الربّ يسوع في الخاتمة "إن المدعوّين كثيرون لكن المختارين قليلون ".فالميلاد، تجسُّد الربّ يسوع، هو العرس الحقيقيّ الذي ّ تم بين الله السيّد والبشر المدعوّين. لقد اتّحد الله بالبشر بذلك العرس الإلهيّ المقدس.

وصار الربّ يسوع مشرباً ومأكلا حقيقيّين، ويمدّ الله الآب ابنه الآن عشاءً، فهو في الميلاد المقدِّم والمقدَّم، الذابح والذبيحة، العرس والعشاء. الميلاد حقيقة لا يهددها رفض بعض المدعوّين، فالعشاء قائم والميلاد قادم. لكن المشاركة أو الاستعفاء تفرز البشر بين مختارين أو رافضين.

لقد أعدّ لنا السيّد عرساً ليصير هذا العرس اهتمامنا. وأعدّ لنا عشاءً ليصير هو طعامنا في وسط أعمالنا. فالمدعوّون ليكون الله غاية كل شيء في حياﺗﻬم هم كثيرون، لكن كثيرين يختارون الأشياء غاية لهم في الحياة، وقليلون هم المختارون الذين في كل شيء ومن ك ّ ل شيء يطلبون الواحد الذي الحاجة إليه. من هؤلاء هم الأجداد الذين زرعوا وتاجروا وتزوجوا وأنجبوا ولكن من أجل المسيح. الأجداد مارسوا كل شيء كشيء من الرسالة وليس كأمر للاستعفاء عنها. وهيّأوا بحياﺗﻬم ومن أعمالهم مجيء الربّ الأوّل. المسيحيّ مدعوّ إلى عشاء والعرس لا يعفيه من أعماله ولا تعفيه هذه من ذلك العشاء. كما هيّأ الآباء والأجداد الذين نعيّد لهم اليوم قبالة عيد الميلاد لمجيء السيّد الأوّل، هكذا المسيحيّ يحيا في أعماله، نعم، لكن ليهيئ للمجيء الثاني اﻟﻤﺠيد للربّ بعد حضوره الأوّل المتواضع.

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع