Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


1 ثُمَّ دَخَلَ وَاجْتَازَ فِي أَرِيحَا. 2 وَإِذَا رَجُلٌ اسْمُهُ زَكَّا، وَهُوَ رَئِيسٌ لِلْعَشَّارِينَ وَكَانَ غَنِيّاً، 3 وَطَلَبَ أَنْ يَرَى يَسُوعَ مَنْ هُوَ، وَلَمْ يَقْدِرْ مِنَ الْجَمْعِ، لأَنَّهُ كَانَ قَصِيرَ الْقَامَةِ. 4 فَرَكَضَ مُتَقَدِّماً وَصَعِدَ إِلَى جُمَّيْزَةٍ لِكَيْ يَرَاهُ، لأَنَّهُ كَانَ مُزْمِعاً أَنْ يَمُرَّ مِنْ هُنَاكَ. 5 فَلَمَّا جَاءَ يَسُوعُ إِلَى الْمَكَانِ، نَظَرَ إِلَى فَوْقُ فَرَآهُ، وَقَالَ لَهُ:«يَا زَكَّا، أَسْرِعْ وَانْزِلْ، لأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ أَمْكُثَ الْيَوْمَ فِي بَيْتِكَ». 6 فَأَسْرَعَ وَنَزَلَ وَقَبِلَهُ فَرِحاً. 7 فَلَمَّا رَأَى الْجَمِيعُ ذلِكَ تَذَمَّرُوا قَائِلِينَ: «إِنَّهُ دَخَلَ لِيَبِيتَ عِنْدَ رَجُل خَاطِئٍ». 8 فَوَقَفَ زَكَّا وَقَالَ لِلرَّبِّ:«هَا أَنَا يَارَبُّ أُعْطِي نِصْفَ أَمْوَالِي لِلْمَسَاكِينِ، وَإِنْ كُنْتُ قَدْ وَشَيْتُ بِأَحَدٍ أَرُدُّ أَرْبَعَةَ أَضْعَافٍ». 9 فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ:«الْيَوْمَ حَصَلَ خَلاَصٌ لِهذَا الْبَيْتِ، إِذْ هُوَ أَيْضاً ابْنُ إِبْرَاهِيمَ، 10 لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ قَدْ جَاءَ لِكَيْ يَطْلُبَ وَيُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ».

 

 

الشرح:

فيما تشرف رحلة يسوع إلى أورشليم على نهايتها، يورد لوقا الإنجيلي حادثة لقاء يسوع برئيسٍ للعشارين في بلدة أريحا. وهو يرى في هذا الشخص المرذول من المجتمع اليهودي -ذلك أن اليهود ما كانوا يعتبرون جباة الضرائب منهم بسبب اضطرارهم إلى العمل لمصلحة الدولة الرومانية-، يرى فيه "ضالاً" من الضالين الذين أتى يسوع ليخلّصهم، "لأن ابن البشر إنما أتى ليطلب ويخلّص ما قد هلك".

كان يسوع يعبر شوارع مدينة أريحا وكان فيها زكا ومعناه المزكى، البار. اسم ليس على مسمى فإنه كان عشاراً أي ملتزما جمع الأعشار وهي الضرائب. ملتزما عند الرومان أصحاب البلاد. وكان غنيا لأن عادة الرومان أن يعينوا لهذه الوظائف أثرياء يتعهدون بجمع الضرائب وإذا عجز الشعب عن تسديدها كان هؤلاء المتعهدون يسددون هم العجز. كان زكا رئيسا على العشارين أي انه كان يعين موظفين دونه. وكان هؤلاء يستوفون من المكلفين المال الكثير ويعاملون الناس بالظلم ولذلك كرههم اليهود ويمنعونهم من دخول الهيكل أو المجامع. ولعل كراهية اليهود لهم مرتبطة بكون العشارين يعملون للسلطة الرومانية الأجنبية وتاليا كانوا خونة.

ولكن السيد لم يأنف أن يجالسهم واعتبر اليهود ذلك نقيصة فيه واختار واحدا منهم تلميذا له وهو متى الإنجيلي.

علم زكا بدخول السيد إلى المدينة والجماهير كانت تتبع المخلص وخاف زكا وهو قصير القامة إلا يتمكن من رؤية المسيح. ولعله خاف من أن يؤذيه الجمهور. هل كان فيه شيء يلح عليه أن يرى المعلم الجديد ؟ صعد، إذ ذاك، على جميزة ليشاهد المسيح عابراً.

لم يقل الكتاب انه رأى يسوع بل قال أن يسوع لما وصل إلى الجميزة رفع نظره إليها فرآه.

المسيح هو الذي يطلب الخطأة. فلما وقع نظر الرب عليه قال له: "يا زكا أسرع انزل فاليوم ينبغي لي أن امكث في بيتك". لا شك أن يسوع كان سيبيت عند أحد الأصدقاء في أريحا ولكنه أراد هداية هذا الرجل الخاطئ وقرر أن ينزل عنده. قال له: أسرع انزل ولم يقل الكتاب أن زكا نزل ولكنه قال أسرعَ ونزل. نفّذ حرفيا نداء المعلم.

انزعج اليهود من كون المعلم يبيت عند رجل خاطئ. ولكن زكا لما رأى نفسه مقبولا عند يسوع، محبوبا قرر أن يوزع فورا نصف ثروته على الفقراء وقال: "إن كنت قد غبنت أحداً في شيء أرد أربعة أضعاف". أي انه اعترف انه كان سارقا. المسروق يُرد في الشريعة الرومانية أربعة أضعاف.

عند هذه التوبة أعلن يسوع: "اليوم قد حصل الخلاص لهذا البيت". قالها أمام الجماهير متحديا كراهيتها للخطأة. من بعد توبته يسوع يحل عنده. فقد جاء ابن البشر ليخلص ما قد هلك. لم يبقَ من حَكَم على من اعتبره الناس هالكا لأن توبته أحيته وصار صديقا ليسوع.

الآية الأخيرة من هذا الفصل الإنجيليّ، "لان ابن البشر إنما أتى ليطلب ويخلّص ما قد هلك"، تنهي هذا المقطع وتختصر الرسالة الخلاصية المتضمنة في كل رواية الرحلة إلى أورشليم كما يرويها لوقا. يأتي يسوع ابنا للإنسان ليبحث عن الضالين ويخلصهم، في إشارة إلى ما يقوله الله عن نفسه في حزقيال 34: 15-16، حيث يصوَّر نفسه كراعٍ يبحث عن إسرائيل، قطيعه، الذي تشتت ليخلّصه ويخرجه "من الشعوب"، ويرعاه على جبال إسرائيل: "أنا أرعى غنمي وأُربضها، يقول السيد الرب، وأطلب الضال وأسترد المطرود وأجبر الكسير وأعصب الجريح وأبيد السمين والقوي وأرعاها بعدل".

لا يمكننا أن نقرأ هذا المقطع من حزقيال دون الإشارة إلى ما يلمح إليه في مواضع أخرى في إنجيل لوقا، منها، مثلا، كرازة المعمدان في 3: 10-14، ومَثَل الفريسي والعشار الذي لا يرد إلا في لوقا (18: 9-14)، ورواية "الرئيس الغني" (18: 18-23) الذي حزن عندما طلب يسوع إليه أن يبيع كل أمواله ويتبعه. زكا، هنا، يفعل ما لم يفعله ذاك الغني. يعطي نصف ثروته للفقراء. هو الغني الذي فهم رسالة يسوع، وأكد جديتها، وجدية ما جاء على لسان الرب في حزقيال من انه سيبيد "السمين والقوي"، فاعترف بخطيئته، ولذلك خلص وصار ابنا لإبراهيم حقيقيا.

هذا الفهم وهذا الاعتراف هما الشرطان الأساسيان لبنوة إبراهيم. إذ ليس كل من دعا نفسه ابنا لإبراهيم يكون كذلك. الخلاص لا يكون إلا حين يأتي يسوع المسيح ليمكث عند الإنسان الذي يعترف به ويقبله. فقط عندئذ يكون هذا الإنسان ابنا لإبراهيم وعضوا في قطيع الله، إسرائيل الجديد.

 

نقلاً عن نشرة رعيتي
الأحد 30 كانون الثاني 2000 / العدد 5

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع