Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


7: 37 وَفِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ الْعَظِيمِ مِنَ الْعِيدِ وَقَفَ يَسُوعُ وَنَادَى قِائِلاً:«إِنْ عَطِشَ أَحَدٌ فَلْيُقْبِلْ إِلَيَّ وَيَشْرَبْ. 38 مَنْ آمَنَ بِي، كَمَا قَالَ الْكِتَابُ، تَجْرِي مِنْ بَطْنِهِ أَنْهَارُ مَاءٍ حَيٍّ». 39 قَالَ هذَا عَنِ الرُّوحِ الَّذِي كَانَ الْمُؤْمِنُونَ بِهِ مُزْمِعِينَ أَنْ يَقْبَلُوهُ، لأَنَّ الرُّوحَ الْقُدُسَ لَمْ يَكُنْ قَدْ أُعْطِيَ بَعْدُ، لأَنَّ يَسُوعَ لَمْ يَكُنْ قَدْ مُجِّدَ بَعْدُ. 4. فَكَثِيرُونَ مِنَ الْجَمْعِ لَمَّا سَمِعُوا هذَا الْكَلاَمَ قَالُوا:«هذَا بِالْحَقِيقَةِ هُوَ النَّبِيُّ». 41 آخَرُونَ قَالُوا:«هذَا هُوَ الْمَسِيحُ!». وَآخَرُونَ قَالُوا:«أَلَعَلَّ الْمَسِيحَ مِنَ الْجَلِيلِ يَأْتِي؟ 42 أَلَمْ يَقُلِ الْكِتَابُ إِنَّهُ مِنْ نَسْلِ دَاوُدَ، وَمِنْ بَيْتِ لَحْمٍ ،الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَ دَاوُدُ فِيهَا، يَأْتِي الْمَسِيحُ؟» 43 فَحَدَثَ انْشِقَاقٌ فِي الْجَمْعِ لِسَبَبِهِ. 44 وَكَانَ قَوْمٌ مِنْهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُمْسِكُوهُ، وَلكِنْ لَمْ يُلْقِ أَحَدٌ عَلَيْهِ الأَيَادِيَ.
45 فَجَاءَ الْخُدَّامُ إِلَى رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْفَرِّيسِيِّينَ. فَقَالَ هؤُلاَءِ لَهُمْ:«لِمَاذَا لَمْ تَأْتُوا بِهِ؟» 46 أَجَابَ الْخُدَّامُ:«لَمْ يَتَكَلَّمْ قَطُّ إِنْسَانٌ هكَذَا مِثْلَ هذَا الإِنْسَانِ!». 47 فَأَجَابَهُمُ الْفَرِّيسِيُّونَ:«أَلَعَلَّكُمْ أَنْتُمْ أَيْضاً قَدْ ضَلَلْتُمْ؟ 48 أَلَعَلَّ أَحَداً مِنَ الرُّؤَسَاءِ أَوْ مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ آمَنَ بِهِ؟ 49 وَلكِنَّ هذَا الشَّعْبَ الَّذِي لاَ يَفْهَمُ النَّامُوسَ هُوَ مَلْعُونٌ». 5. قَالَ لَهُمْ نِيقُودِيمُوسُ، الَّذِي جَاءَ إليه لَيْلاً، وَهُوَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ: 51 «أَلَعَلَّ نَامُوسَنَا يَدِينُ إِنْسَاناً لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ أَوَّلاً وَيَعْرِفْ مَاذَا فَعَلَ؟» 52 أَجَابُوا وَقَالوُا لَهُ:«أَلَعَلَّكَ أَنْتَ أَيْضاً مِنَ الْجَلِيلِ؟ فَتِّشْ وَانْظُرْ! إِنَّهُ لَمْ يَقُمْ نَبِيٌّ مِنَ الْجَلِيلِ».
8: 12 ثُمَّ كَلَّمَهُمْ يَسُوعُ أَيْضاً قَائِلاً:«أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ. مَنْ يَتْبَعْنِي فَلاَ يَمْشِي فِي الظُّلْمَةِ بَلْ يَكُونُ لَهُ نُورُ الْحَيَاةِ».

 

الشرح:

العيد المذكور في النص الإنجيلي اليوم هو عيد المظال (انظر يوحنا 7: 2). كان الاحتفال بهذا العيد يمتد أسبوعاً وفيه يقام تذكار إقامة الشعب اليهودي في برية سيناء، لذلك كان المحتفلون بالعيد يصنعون الأكواخ من أغصان الشجر أي المظال ويرشون الماء كل يوم خلال صلاة الصباح ويضيئون الهيكل خلال ليل اليوم الأول للعيد.

"إن عطش احد فليأت إليّ ويشرب" هكذا يستعمل الرب يسوع صورة المياه التي تُرش في العيد ليشير إلى حلول الروح القدس على المؤمنين. تأتي صورة الماء في العيد مناسبة لأن حلول الروح القدس مرتبط بالمعمودية التي تتم بالماء على اسم الآب والابن والروح القدس، وقد سبق الرب يسوع وتكلم عن هذا السر أمام نيقوديموس إذ قال له "الحق الحق أقول لك إن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا يقدر ان يدخل ملكوت الله" (يوحنا 3: 3-5) وأمام المرأة السامرية إذ قال "كل من يشرب من هذا الماء يعطش أيضاً. ولكن من يشرب من الماء الذي أعطيه أنا فلن يعطش إلى الأبد. بل الماء الذي أعطيه يصير فيه ينبوع ماء ينبع إلى حياة أبدية" (يوحنا 4: 13-14). إذاً من آمن بالرب يسوع واعتمد "ستجري من بطنه أنهار ماء حي" إذ يستقر فيه الروح القدس ويفيض منه جاعلا إياه أيقونة حية للرب يسوع.

ثمة قراءتان للآيات الثلاث الأولى من التلاوة الإنجيلية اليوم. مِن بطن مَن سوف تجري أنهار ماء حي؟ أمن بطن المؤمن أم من بطن يسوع؟ يبدو أن القراءتين صحيحتان، ذلك أن بعض الآباء يستشهدون بها في سياقات متعددة، ويرون أحياناً أن المقصود فيها هو يسوع، وأحياناً أُخرى المؤمن.

التفسير الأول الذي يقول إن المقصود بالآية هو أن الآية تقول: "من آمن بي فكما قال الكتاب ستجري من بطنه انهار ماء حيّ" (الآية الثانية). ففي الكتاب (أي العهد القديم بلغة ذلك الوقت) ليس ثمة آية تقول بأن أنهار ماء حي ستجري من بطن المؤمن. غير أن السيد المسيح نفسه يقول في حديثه مع المرأة السامرية: "وأما من يشرب من الماء الذي أنا أعطيه فلن يعطش إلى الأبد. بل الماء الذي أعطيه له يصير فيه ينبوع ماء ينبع إلى حياة أبدية" (يوحنا 4 :14). إذا، لا يتنافى هذا التفسير مع تعليم يسوع القائل بأن الإنسان الذي يرتوي منه يصير هو بدوره ينبوعا يرتوي منه الآخرون.

أما التفسير الثاني القائل بأن أنهار الماء الحيّ سوف تجري من بطن الرب يسوع، فتجد لها سندا اكبر في كتب العهد القديم. فحزقيال النبي يتحدث عن خروج مياه من الهيكل تصير نهرا عظيما تحيي كل من تصل إليه: "فإذا بمياه تخرج من تحت البيت نحو الشرق... وكل نفس حية تدب حيث يبلغ مجرى النهر تحيا، ويكون السمك كثيرا جدا، لان هذه المياه تبلغ إلى هناك وتصبح طيّبة، فكل ما يبلغ إليه النهر يحيا" (47: 1-9). والبيت في الآية يعني الهيكل، فالنبي نفسه يقول: "لان مياهه تخرج من المَقْدِس" (47: 12). فإذا كان يسوع يقصد باستشهاده بالكتاب نصّ النبي حزقيال، يكون المقصود أن الماء سيخرج من هيكل أورشليم.

يؤكد هذه النتيجة زكريا النبي الذي يقول: "ويكون في ذلك اليوم أن مياها حيّة تخرج من أورشليم، نصفها إلى بحر الشرق ونصفها إلى بحر الغرب، وذلك صيفا وشتاء. ويكون الرب ملكا على الأرض كلها، وفي ذلك اليوم، يكون ربّ واحد واسمه واحد" (14: 8-9). هذا يتم يوم يصعد الناجون إلى أورشليم ليسجدوا للرب يوم عيد المظال (زكريا 14: 16). وهذا النص من نبوءة زكريا كان يتلى آنذاك على المحتفلين بعيد المظال.

"في اليوم الآخِر من العيد" (الآية الأولى) هو عيد المظال، ولما كانت نبوءة زكريا تتلى في عبادات هذا العيد، يكون يسوع، بدعوة الحاضرين إلى أن يستقوا منه ويشربوا "فكما قال الكتاب ستجري من بطنه أنهار ماء حي"، قد قصد انه هو الهيكل الحقيقي الذي سوف يجري منه الماء الحي. ويوحنا الإنجيلي يشدد على كون المسيح هو الهيكل الحقيقي، وذلك عندما قال يسوع لليهود: "انقُضوا هذا الهيكل وأُقِمْه في ثلاثة أيام" (2: 19)، ويشرح يوحنا قصد يسوع بقوله هذا: "أما هو فكان يعني هيكل جسده" (2: 21). الماء الحيّ يخرج من الهيكل، والهيكل هو يسوع، فتكون النتيجة أن الماء الحيّ سوف يجري من بطن يسوع ليروي الخليقة كلها.

من هو الماء الحي؟ الإنجيلي نفسه يجيب: "إنما قال هذا عن الروح الذي كان المؤمنون به مزمعين أن يقبلوه إذ لم يكن الروح القدس بعد لأن يسوع لم يكن بعد قد مُجد". مجد يسوع يشمل في إنجيل يوحنا الأحداث الخلاصية الصلب والقيامة والصعود. لذلك فحلول الروح القدس لن يحدث، بحسب الآية، إلا بعد صعود يسوع إلى السماء، ويسوع يقول في خطابه الوداعي: "انه خير لكم أن أذهب. فإن لم اذهب، لا يأتِكم المعزي. أما إذا ذهبتُ فأُرسله إليكم (يوحنا 16 :7). هذا الوعد بإرسال الروح القدس يتكرر كثيرا في إنجيل يوحنا، ويكرّس له يوحنا قسما كبيرا من خطابه الوداعي (13: 31-16 :33). ولا يخفى أن الرسول يوحنا يجمع في مواضع عدّة من إنجيله الروح القدس مع الماء الذي "يرمز في كلام المخلّص إلى عطايا الروح القدس" بحسب القديس كيرلس الاسكندري (+444). فالسيد المسيح يقول لنيقوديمُس: "الحق الحق أقول لك: ما من أحد يمكنه أن يدخل ملكوت الله إلا إذا وُلد من الماء والروح" (يوحنا 3 :5). نستطيع هنا أيضاً أن نستشهد بحديث السيد مع المرأة السامرية (الفصل الرابع).

يقول القديس إيريناوس أسقف مدينة ليون (+202): "الروح القدس بعد صعود الرب يسوع تنزَّل على التلاميذ، لكي يفتح باب الحياة وبشارة العهد الجديد للأمم كافة". وهو نفسه يقول: "ليس للذين يرفضون الروح القدس حصة من الينبوع النقي الذي يخرج من جسد المسيح". فلننهل ينبوع الحياة حتى تكون لنا الحياة بالحقيقة.

يرتبط حلول الروح بتمجيد يسوع أي بموت يسوع وقيامته وصعوده إلى الآب حيث المجد الذي كان له قبل كون العالم (انظر يوحنا 17 :5). فالآية "الروح القدس لم يكن بعد" لا يُقصد بها ان الروح لم يكن موجودا وانه أصبح موجودا عند تمجيد يسوع، فالروح حلّ على الرب يسوع في المعمودية (انظر يوحنا 1: 32-34). القصد من هذا الكلام أن خلاص المسيح ينقله الروح القدس إلى العالم بعد موت المخلص.

"كثيرون لما سمعوا كلامه قالوا: هذا بالحقيقة هو النبي". كلمة "النبي" تشير إلى تثنية الاشتراع 18: 15 " يقيم لك الرب إلهك نبيا من وسطك من إخوتك مثلي له تسمعون" التي يستشهد بها إنجيل يوحنا (1: 21) وهنا، ويُستشهد بها في سفر الأعمال (3: 22 و7: 37) "فان موسى قال للآباء أن نبيا مثلي سيقيم لكم الرب إلهكم من أخوتكم له تسمعون في كل ما يكلمكم به" وفهم المسيحيون هذه الكلمة على أنها تعني المسيح. كان الرب يسوع يعلّم في العيد، عندها تعجّب اليهود قائلين " كيف هذا يعرف الكتب وهو لم يتعلّم؟" (يوحنا 7: 15). هذا يوضح أن تعليم الرب كان مميزا، وهذا دفع الكثيرين إلى القول انه النبي أو حتى هو المسيح. وآخرون رفضوا أن يقولوا هو المسيح لأنه من الجليل، مما أحدث شقاقاً بين الجمع. سبق أن حدث شقاق في الجمع من اجله لأنه قبل أن يصعد إلى العيد، "كان اليهود يطلبونه ويقولون : أين ذاك؟ وكان في الجموع مناقشة كثيرة من نحوه، بعضهم يقولون انه صالح، وآخرون يقولون لا بل يُضل الشعب" (يوحنا 7: 11-12).

"جاء الخدام إلى رؤساء الكهنة فقال هؤلاء: لمَ لم تأتوا به"؟ الخدام هم حراس الهيكل، وكان الفريسيون ورؤساء الكهنة قد أرسلوهم ليعتقلوا الرب يسوع لأنهم لاحظوا أن الجموع أخذت تؤمن به وتتحدث بآياته (انظر يوحنا 7: 31-32). لم يعتقله الخدام لأنهم انبهروا هم أيضاً بتعليمه إذ أن كلمة الرب يسوع أخذت تفعل فيهم، لذلك عادوا وقالوا للرؤساء "لم يتكلم قط إنسان مثل هذا الإنسان".

"ابحث وانظر، لم يقم نبي من الجليل". الرب يسوع ليس من الجليل بل هو من الآب، لذلك "نادى الرب يسوع وهو يعلّم في الهيكل قائلا: تعرفون من أين أنا ومن نفسي لم آت بل الذي أرسلني هو حقٌ الذي انتم لستم تعرفونه. أنا اعرفه لأني منه وهو أرسلني" (يوحنا 7: 28-29). يريد الرب يسوع أن يرفع سامعيه إلى مصدره الإلهي فالمخلص لا يأتي بخلاص من الجليل أو من بيت لحم بل يأتي بخلاص من لدن الآب.

يعود الرب يسوع ويستعمل الشعائر التي تتم في العيد أي إضاءة الهيكل ويقول "أنا هو نور العالم". يوحنا المعمدان جاء ليشهد للنور "لم يكن هو النور بل ليشهد للنور. كان النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان آتيا إلى العالم، كان في العالم وكُوّن العالم به ولم يعرفه العالم" (يوحنا 1: 7-10). هنا الرب يسوع يعلن واقع الوجود أي انه أصل الوجود وقوامه وما من وجود من دونه وإلا يكون كل شيء ظلمة. إذاً شعائر العيد بالماء والنور تصوّر الحياة الجديدة بالرب يسوع التي تنشأ بماء المعمودية وتسطع بنور الحياة الأبدية.

 

نقلاً عن نشرة رعيتي
الأحد 19 حزيران 1994 العدد 25

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع