Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


النص:

6: 9 فَنَهَضَ قَوْمٌ مِنَ الْمَجْمَعِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ مَجْمَعُ اللِّيبَرْتِينِيِّينَ وَالْقَيْرَوَانِيِّينَ وَالإِسْكَنْدَرِيِّينَ، وَمِنَ الَّذِينَ مِنْ كِيلِيكِيَّا وَأَسِيَّا، يُحَاوِرُونَ اسْتِفَانُوسَ. 10 وَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يُقَاوِمُوا الْحِكْمَةَ وَالرُّوحَ الَّذِي كَانَ يَتَكَلَّمُ بِهِ. 11 حِينَئِذٍ دَسُّوا لِرِجَال يَقُولُونَ:«إِنَّنَا سَمِعْنَاهُ يَتَكَلَّمُ بِكَلاَمٍ تَجْدِيفٍ عَلَى مُوسَى وَعَلَى اللهِ». 12 وَهَيَّجُوا الشَّعْبَ وَالشُّيُوخَ وَالْكَتَبَةَ، فَقَامُوا وَخَطَفُوهُ وَأَتَوْا بِهِ إِلَى الْمَجْمَعِ، 13 وَأَقَامُوا شُهُوداً كَذَبَةً يَقُولُونَ:«هذَا الرَّجُلُ لاَ يَفْتُرُ عَنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ كَلاَّماً تَجْدِيفاً ضِدَّ هذَا الْمَوْضِعِ الْمُقَدَّسِ وَالنَّامُوسِ، 14 لأَنَّنَا سَمِعْنَاهُ يَقُولُ: إِنَّ يَسُوعَ النَّاصِرِيَّ هذَا سَيَنْقُضُ هذَا الْمَوْضِعَ، وَيُغَيِّرُ الْعَوَائِدَ الَّتِي سَلَّمَنَا إِيَّاهَا مُوسَى». 15 فَشَخَصَ إِلَيْهِ جَمِيعُ الْجَالِسِينَ فِي الْمَجْمَعِ، وَرَأَوْا وَجْهَهُ كَأَنَّهُ وَجْهُ مَلاَكٍ.
7: 1 فَقَالَ رَئِيسُ الْكَهَنَةِ:«أَتُرَى هذِهِ الأُمُورُ هكَذَا هِيَ؟» 2 فَقَالَ:«أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ وَالآبَاءُ، اسْمَعُوا! ظَهَرَ إِلهُ الْمَجْدِ لأَبِينَا إِبْرَاهِيمَ وَهُوَ فِي مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ، قَبْلَمَا سَكَنَ فِي حَارَانَ 3 وَقَالَ لَهُ: اخْرُجْ مِنْ أَرْضِكَ وَمِنْ عَشِيرَتِكَ، وَهَلُمَّ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُرِيكَ. 4 فَخَرَجَ حِينَئِذٍ مِنْ أَرْضِ الْكَلْدَانِيِّينَ وَسَكَنَ فِي حَارَانَ. وَمِنْ هُنَاكَ نَقَلَهُ، بَعْدَ مَا مَاتَ أَبُوهُ، إِلَى هذِهِ الأَرْضِ الَّتِي أَنْتُمُ الآنَ سَاكِنُونَ فِيهَا. 5 وَلَمْ يُعْطِهِ فِيهَا مِيرَاثاً وَلاَ وَطْأَةَ قَدَمٍ، وَلكِنْ وَعَدَ أَنْ يُعْطِيَهَا مُلْكاً لَهُ وَلِنَسْلِهِ مِنْ بَعْدِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَعْدُ وَلَدٌ. 6 وَتَكَلَّمَ اللهُ هكَذَا: أَنْ يَكُونَ نَسْلُهُ مُتَغَرِّباً فِي أَرْضٍ غَرِيبَةٍ، فَيَسْتَعْبِدُوهُ وَيُسِيئُوا إِلَيْهِ أَرْبَعَ مِئَةِ سَنَةٍ، 7 وَالأُمَّةُ الَّتِي يُسْتَعْبَدُونَ لَهَا سَأَدِينُهَا أَنَا، يَقُولُ اللهُ. وَبَعْدَ ذلِكَ يَخْرُجُونَ وَيَعْبُدُونَنِي فِي هذَا الْمَكَانِ. 8 وَأَعْطَاهُ عَهْدَ الْخِتَانِ، وَهكَذَا وَلَدَ إِسْحَاقَ وَخَتَنَهُ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ. وَإِسْحَاقُ وَلَدَ يَعْقُوبَ، وَيَعْقُوبُ وَلَدَ رُؤَسَاءَ الآبَاءِ الاثْنَيْ عَشَرَ. 9 وَرُؤَسَاءُ الآبَاءِ حَسَدُوا يُوسُفَ وَبَاعُوهُ إِلَى مِصْرَ، وَكَانَ اللهُ مَعَهُ، 10 وَأَنْقَذَهُ مِنْ جَمِيعِ ضِيقَاتِهِ، وَأَعْطَاهُ نِعْمَةً وَحِكْمَةً أَمَامَ فِرْعَوْنَ مَلِكِ مِصْرَ، فَأَقَامَهُ مُدَبِّراً عَلَى مِصْرَ وَعَلَى كُلِّ بَيْتِهِ.
11 «ثُمَّ أَتَى جُوعٌ عَلَى كُلِّ أَرْضِ مِصْرَ وَكَنْعَانَ، وَضِيقٌ عَظِيمٌ، فَكَانَ آبَاؤُنَا لاَ يَجِدُونَ قُوتاً. 12 وَلَمَّا سَمِعَ يَعْقُوبُ أَنَّ فِي مِصْرَ قَمْحاً، أَرْسَلَ آبَاءَنَا أَوَّلَ مَرَّةٍ. 13 وَفِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ اسْتَعْرَفَ يُوسُفُ إِلَى إِخْوَتِهِ، وَاسْتَعْلَنَتْ عَشِيرَةُ يُوسُفَ لِفِرْعَوْنَ. 14 فَأَرْسَلَ يُوسُفُ وَاسْتَدْعَى أَبَاهُ يَعْقُوبَ وَجَمِيعَ عَشِيرَتِهِ، خَمْسَةً وَسَبْعِينَ نَفْساً. 15 فَنَزَلَ يَعْقُوبُ إِلَى مِصْرَ وَمَاتَ هُوَ وَآبَاؤُنَا، 16 وَنُقِلُوا إِلَى شَكِيمَ وَوُضِعُوا فِي الْقَبْرِ الَّذِي اشْتَرَاهُ إِبْرَاهِيمُ بِثَمَنٍ فِضَّةٍ مِنْ بَنِي حَمُورَ أَبِي شَكِيمَ. 17 وَكَمَا كَانَ يَقْرُبُ وَقْتُ الْمَوْعِدِ الَّذِي أَقْسَمَ اللهُ عَلَيْهِ لإِبْرَاهِيمَ، كَانَ يَنْمُو الشَّعْبُ وَيَكْثُرُ فِي مِصْرَ، 18 إِلَى أَنْ قَامَ مَلِكٌ آخَرُ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ يُوسُفَ. 19 فَاحْتَالَ هذَا عَلَى جِنْسِنَا وَأَسَاءَ إِلَى آبَائِنَا، حَتَّى جَعَلُوا أَطْفَالَهُمْ مَنْبُوذِينَ لِكَيْ لاَ يَعِيشُوا.
20 «وَفِي ذلِكَ الْوَقْتِ وُلِدَ مُوسَى وَكَانَ جَمِيلاً جِدّاً، فَرُبِّيَ هذَا ثَلاَثَةَ أَشْهُرٍ فِي بَيْتِ أَبِيهِ. 21 وَلَمَّا نُبِذَ، اتَّخَذَتْهُ ابْنَةُ فِرْعَوْنَ وَرَبَّتْهُ لِنَفْسِهَا ابْناً. 22 فَتَهَذَّبَ مُوسَى بِكُلِّ حِكْمَةِ الْمِصْرِيِّينَ، وَكَانَ مُقْتَدِراً فِي الأَقْوَالِ وَالأَعْمَالِ. 23 وَلَمَّا كَمِلَتْ لَهُ مُدَّةُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، خَطَرَ عَلَى بَالِهِ أَنْ يَفْتَقِدَ إِخْوَتَهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ. 24 وَإِذْ رَأَى وَاحِداً مَظْلُوماً حَامَى عَنْهُ، وَأَنْصَفَ الْمَغْلُوبَ، إِذْ قَتَلَ الْمِصْرِيَّ. 25 فَظَنَّ أَنَّ إِخْوَتَهُ يَفْهَمُونَ أَنَّ اللهَ عَلَى يَدِهِ يُعْطِيهِمْ نَجَاةً، وَأَمَّا هُمْ فَلَمْ يَفْهَمُوا. 26 وَفِي الْيَوْمِ الثَّانِي ظَهَرَ لَهُمْ وَهُمْ يَتَخَاصَمُونَ، فَسَاقَهُمْ إِلَى السَّلاَمَةِ قَائِلاً: أَيُّهَا الرِّجَالُ، أَنْتُمْ إِخْوَةٌ. لِمَاذَا تَظْلِمُونَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً؟ 27 فَالَّذِي كَانَ يَظْلِمُ قَرِيبَهُ دَفَعَهُ قَائِلاً: مَنْ أَقَامَكَ رَئِيساً وَقَاضِياً عَلَيْنَا؟ 28 أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ أَمْسَ الْمِصْرِيَّ؟ 29 فَهَرَبَ مُوسَى بِسَبَبِ هذِهِ الْكَلِمَةِ، وَصَارَ غَرِيباً فِي أَرْضِ مَدْيَانَ، حَيْثُ وَلَدَ ابْنَيْنِ.
30 «وَلَمَّا كَمِلَتْ أَرْبَعُونَ سَنَةً، ظَهَرَ لَهُ مَلاَكُ الرَّبِّ فِي بَرِّيَّةِ جَبَلِ سِينَاءَ فِي لَهِيبِ نَارِ عُلَّيْقَةٍ. 31 فَلَمَّا رَأَى مُوسَى ذلِكَ تَعَجَّبَ مِنَ الْمَنْظَرِ. وَفِيمَا هُوَ يَتَقَدَّمُ لِيَتَطَلَّعَ، صَارَ إِلَيْهِ صَوْتُ الرَّبِّ: 32 أَنَا إِلهُ آبَائِكَ، إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ وَإِلهُ يَعْقُوبَ. فَارْتَعَدَ مُوسَى وَلَمْ يَجْسُرْ أَنْ يَتَطَلَّعَ. 33 فَقَالَ لَهُ الرَّبُّ: اخْلَعْ نَعْلَ رِجْلَيْكَ، لأَنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي أَنْتَ وَاقِفٌ عَلَيْهِ أَرْضٌ مُقَدَّسَةٌ. 34 إِنِّي لَقَدْ رَأَيْتُ مَشَقَّةَ شَعْبِي الَّذِينَ فِي مِصْرَ، وَسَمِعْتُ أَنِينَهُمْ وَنَزَلْتُ لأُنْقِذَهُمْ. فَهَلُمَّ الآنَ أُرْسِلُكَ إِلَى مِصْرَ.
35 «هذَا مُوسَى الَّذِي أَنْكَرُوهُ قَائِلِينَ: مَنْ أَقَامَكَ رَئِيساً وَقَاضِياً؟ هذَا أَرْسَلَهُ اللهُ رَئِيساً وَفَادِياً بِيَدِ الْمَلاَكِ الَّذِي ظَهَرَ لَهُ فِي الْعُلَّيْقَةِ. 36 هذَا أَخْرَجَهُمْ صَانِعاً عَجَائِبَ وَآيَاتٍ فِي أَرْضِ مِصْرَ، وَفِي الْبَحْرِ الأَحْمَرِ، وَفِي الْبَرِّيَّةِ أَرْبَعِينَ سَنَةً.
37 «هذَا هُوَ مُوسَى الَّذِي قَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: نَبِيّاً مِثْلِي سَيُقِيمُ لَكُمُ الرَّبُّ إِلهُكُمْ مِنْ إِخْوَتِكُمْ. لَهُ تَسْمَعُونَ. 38 هذَا هُوَ الَّذِي كَانَ فِي الْكَنِيسَةِ فِي الْبَرِّيَّةِ، مَعَ الْمَلاَكِ الَّذِي كَانَ يُكَلِّمُهُ فِي جَبَلِ سِينَاءَ، وَمَعَ آبَائِنَا. الَّذِي قَبِلَ أَقْوَالاً حَيَّةً لِيُعْطِيَنَا إِيَّاهَا. 39 الَّذِي لَمْ يَشَأْ آبَاؤُنَا أَنْ يَكُونُوا طَائِعِينَ لَهُ، بَلْ دَفَعُوهُ وَرَجَعُوا بِقُلُوبِهِمْ إِلَى مِصْرَ 40 قَائِلِينَ لِهَارُونَ: اعْمَلْ لَنَا آلِهَةً تَتَقَدَّمُ أَمَامَنَا، لأَنَّ هذَا مُوسَى الَّذِي أَخْرَجَنَا مِنْ أَرْضِ مِصْرَ لاَ نَعْلَمُ مَاذَا أَصَابَهُ! 41 فَعَمِلُوا عِجْلاً فِي تِلْكَ الأَيَّامِ وَأَصْعَدُوا ذَبِيحَةً لِلصَّنَمِ، وَفَرِحُوا بِأَعْمَالِ أَيْدِيهِمْ. 42 فَرَجَعَ اللهُ وَأَسْلَمَهُمْ لِيَعْبُدُوا جُنْدَ السَّمَاءِ، كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي كِتَابِ الأَنْبِيَاءِ: هَلْ قَرَّبْتُمْ لِي ذَبَائِحَ وَقَرَابِينَ أَرْبَعِينَ سَنَةً فِي الْبَرِّيَّةِ يَا بَيْتَ إِسْرَائِيلَ؟ 43 بَلْ حَمَلْتُمْ خَيْمَةَ مُولُوكَ، وَنَجْمَ إِلهِكُمْ رَمْفَانَ، التَّمَاثِيلَ الَّتِي صَنَعْتُمُوهَا لِتَسْجُدُوا لَهَا. فَأَنْقُلُكُمْ إِلَى مَا وَرَاءَ بَابِلَ.
44 «وَأَمَّا خَيْمَةُ الشَّهَادَةِ فَكَانَتْ مَعَ آبَائِنَا فِي الْبَرِّيَّةِ، كَمَا أَمَرَ الَّذِي كَلَّمَ مُوسَى أَنْ يَعْمَلَهَا عَلَى الْمِثَالِ الَّذِي كَانَ قَدْ رَآهُ، 45 الَّتِي أَدْخَلَهَا أَيْضاً آبَاؤُنَا إِذْ تَخَلَّفُوا عَلَيْهَا مَعَ يَشُوعَ فِي مُلْكِ الأُمَمِ الَّذِينَ طَرَدَهُمُ اللهُ مِنْ وَجْهِ آبَائِنَا، إِلَى أَيَّامِ دَاوُدَ 46 الَّذِي وَجَدَ نِعْمَةً أَمَامَ اللهِ، وَالْتَمَسَ أَنْ يَجِدَ مَسْكَناً لإِلهِ يَعْقُوبَ. 47 وَلكِنَّ سُلَيْمَانَ بَنَى لَهُ بَيْتاً. 48 لكِنَّ الْعَلِيَّ لاَ يَسْكُنُ فِي هَيَاكِلَ مَصْنُوعَاتِ الأَيَادِي، كَمَا يَقُولُ النَّبِيُّ: 49 السَّمَاءُ كُرْسِيٌّ لِي، وَالأَرْضُ مَوْطِئٌ لِقَدَمَيَّ. أَيَّ بَيْتٍ تَبْنُونَ لِي؟ يَقُولُ الرَّبُّ، وَأَيٌّ هُوَ مَكَانُ رَاحَتِي؟ 50 أَلَيْسَتْ يَدِي صَنَعَتْ هذِهِ الأَشْيَاءَ كُلَّهَا؟
51 «يَا قُسَاةَ الرِّقَابِ، وَغَيْرَ الْمَخْتُونِينَ بِالْقُلُوبِ وَالآذَانِ! أَنْتُمْ دَائِماً تُقَاوِمُونَ الرُّوحَ الْقُدُسَ. كَمَا كَانَ آبَاؤُكُمْ كَذلِكَ أَنْتُمْ! 52 أَيُّ الأَنْبِيَاءِ لَمْ يَضْطَهِدْهُ آبَاؤُكُمْ؟ وَقَدْ قَتَلُوا الَّذِينَ سَبَقُوا فَأَنْبَأُوا بِمَجِيءِ الْبَارِّ، الَّذِي أَنْتُمُ الآنَ صِرْتُمْ مُسَلِّمِيهِ وَقَاتِلِيهِ، 53 الَّذِينَ أَخَذْتُمُ النَّامُوسَ بِتَرْتِيبِ مَلاَئِكَةٍ وَلَمْ تَحْفَظُوهُ».

54 فَلَمَّا سَمِعُوا هذَا حَنِقُوا بِقُلُوبِهِمْ وَصَرُّوا بِأَسْنَانِهِمْ عَلَيْهِ. 55 وَأَمَّا هُوَ فَشَخَصَ إِلَى السَّمَاءِ وَهُوَ مُمْتَلِئٌ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، فَرَأَى مَجْدَ اللهِ، وَيَسُوعَ قَائِماً عَنْ يَمِينِ اللهِ. 56 فَقَالَ:«هَا أَنَا أَنْظُرُ السَّمَاوَاتِ مَفْتُوحَةً، وَابْنَ الإِنْسَانِ قَائِماً عَنْ يَمِينِ اللهِ». 57 فَصَاحُوا بِصَوْتٍ عَظِيمٍ وَسَدُّوا آذَانَهُمْ، وَهَجَمُوا عَلَيْهِ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ، 58 وَأَخْرَجُوهُ خَارِجَ الْمَدِينَةِ وَرَجَمُوهُ. وَالشُّهُودُ خَلَعُوا ثِيَابَهُمْ عِنْدَ رِجْلَيْ شَابٍّ يُقَالُ لَهُ شَاوُلُ. 59 فَكَانُوا يَرْجُمُونَ اسْتِفَانُوسَ وَهُوَ يَدْعُو وَيَقُولُ:«أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوعُ اقْبَلْ رُوحِي». 60 ثُمَّ جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَصَرَخَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ:«يَارَبُّ، لاَ تُقِمْ لَهُمْ هذِهِ الْخَطِيَّةَ». وَإِذْ قَالَ هذَا رَقَدَ.

الشرح:

خطبة اسطفانوس هي أطول الخطب الواردة في كتاب أعمال الرسل. واستفانوس، الذي تعيّد له الكنيسة في27 كانون الاول، هو أحد الشمامسة (الخدّام) السبعة الذين اختيروا لإتمام الخدمة والاهتمام بحاجات الفقراء والأرامل (اعمال 6: 1-6). ويصف القديس لوقا الإنجيلي، كاتب سفر الأعمال، اسطفانس بانه كان "ممتلئا من الإيمان والروح القدس... ومن النعمة والقدرة، فأخذ يصنع العجائب والآيات العظيمة" (6: 5و8). ولكن اليهود ومعلّمي الشريعة خطفوه وقدّموه امام المجلس للمحاكمة وأحضروا شهود زور اتهموه بأمرين: شتم الهيكل المقدس والشريعة؛ وبأن المسيح سيهدم الهيكل ويغيّر التقاليد الموروثة عن موسى.

يعرض اسطفانس في خطبته لأبرز محطّات تاريخ شعب الله الذي بدأ مع ابراهيم الخليل، ويستخلص من هذا التاريخ أهم العبر والدروس والمعاني الكامنة وراء الأحداث. فتناول الخطيب أهم ما فعله ابراهيم ويوسف وموسى وسليمان. ولكنه لا يكتفي باستخراج الأمور الإيجابية في هذا التاريخ، بل يهاجم شعب اسرائيل الذي ابتعد عن الله بسبب أفعاله وممارساته البعيدة عن وصايا الله ونواهيه، ويتهمهم بمقاومة الروح القدس فيناديهم: "يا قساة الرقاب والقلوب ويا صمّ الآذان! أنتم مثل آبائكم، ما زلتم تقاومون الروح القدس" (7: 51)، ويتّهمهم ايضا بقتل الأنبياء والرب يسوع: "أما قتلوا الذين أنبأوا بمجيء البار الذي أسلمتموه وقتلتموه؟" (7: 52). ثم ينهي كلامه باتّهامهم "انتم تسلّمتم شريعة الله من أيدي الملائكة وما عملتم بها" (7: 53). ولكن استشهاده حصل بعد أن رأى مجد الله معلنا: "أرى السماء مفتوحة وابن الانسان واقفا عن يمين الله" (7: 56). حينئذ هجم عليه اليهود وقتلوه رجما بالحجارة لأنهم اعتبروا انه، كمعلّمه يسوع، قد جدّف.

النقطة المحورية في خطبة اسطفانس عند تطرّقه الى شخصية ابراهيم إنما هي ما ورد في الآية (7: 7)، التي تشير الى أن الله سيحرر الشعب "ويعبدوني هنا في هذا المكان". الجدير يالتنويه هنا هو أن الآية المشار اليها في هذه الخطبة والواردة في سفر التكوين (15: 14) لا تتحدث مطلقا عن العبادة. وهذا يعني أن اسطفانس زاد عبارة "عبادة الرب" كتفسير للسبب الذي لأجله صار الشعب حرا. هنا نجد أن قرار الله بأن يرسل ابراهيم الى أرض أخرى معناه أن الشعب سيعاني من حقبة يسيطر فيها التيهان والعبودية، ثم سينال الحرية والانعتاق من الأسر، ولكن الهدف يبقى عبادة الله. واذا كان الكلام على ابراهيم هو كلام عباديّ، فإن الكلام على يوسف (7: 9-16) هو كلام مسيحانيّ. ذلك أن الله خلّص يوسف "من جميع مصائبه"، وبه خلّص الشعب كله. لقد كان الشر الذي بادر به إخوة يوسف أخاهم سببا لخلاصهم. ولا تخفى هنا المقارنة حيث كان موت المسيح على الصليب سببا لخلاص البشر.

اما الموضوع الأساسي الذي يشدد عليه اسطفانس حين كلامه على موسى، فهو ما تقوله الآية: "وظن موسى أن إخوانه سيفهمون أن الله يخلّصهم على يده، فما فهموا" (7: 25). هنا التلميح الى الخروج واضح، والدلالة ايضا الى المسيح ومعاصريه من اليهود الذين لم يفهموا انه أتى لخلاصهم. والآية الثانية التي تذهب الى المعنى عينه فهي القائلة: "أخرَجَ (موسى) شعبه من مصر بما صنعه من العجائب والآيات"، وفي مكان آخر من سفر الاعمال يشير الكاتب في خطبة بطرس الاولى الى أن الله قد أجرى على يد المسيح "العجائب والمعجزات والآيات" (2: 22). المقابلة هنا واضحة بين موسى، الذي تنبأ بأن الله "سيقيم لكم من بين شعبكم نبيا مثلي" (7: 37)، والمسيح. ولكن اليهود رذلوا الاثنين معا، ففي العهد القديم عادوا الى عبادة العجل وقدموا له الذبائح، اما المسيح فقتلوه. وهذا يعني أن الله الذي رفض الذين رفضوا موسى لا يقبل عبادة الذين يرفضون يسوع المسيح.

ثم يعارض اسطفانس مفهوم الهيكل عند اليهود معتبرا أن الله "لا يسكن بيوتا صنعتها الأيدي"، فالهيكل معرَّض لأن يكون مثل المعابد الوثنية فلا يعود يمثِّل المفهوم الحقيقي لله. ومن يرفض المخلّص والفادي تصبح عبادته غير ذات فائدة، تصبح عبادة أوثان. إن الفكرة الأساسية عن الهيكل، اذا، هي أن اسطفانس قد أدرك خطأَ القولِ بأن إله الكون يسكن في بيت صنعته أيدي البشر، أي خطأَ القولِ بأن الله أسير شعب اسرائيل.

يرينا كاتب أعمال الرسل أن استشهاد اسطفانس هو صورة طبق الأصل لموت المسيح. والمقارنة جديرة بأن تُذكر، فإسطفانس يغفر لجلاديه: "يا رب، لا تحسب عليهم هذه الخطيئة"، بعد أن دعا: "ايها الرب يسوع، تقبَّلْ روحي" (7: 59-60). هذه الأقوال تردنا الى قول المسيح المصلوب حين غفر لصاليبه (لوقا 23: 34)، وعندما قال يسوع: "يا أبتِ، في يديك أَستودع روحي" (لوقا 23: 46). لقد آمن اسطفانس بالرب يسوع فاقتدى به في موته لينضمّ اليه في مجده كابن الانسان الواقف عن يمين الله.

لم يشأ اسطفانس من عرضه لتاريخ الشعب مع الله في العهد القديم الا الاستفادة من الصور التي تشير الى المسيح ليلقّن رافضي المسيح درسا في جحودهم الدائم على مرّ التاريخ، وبأنهم، برفضهم المسيح، لا يختلفون عن أجدادهم الذين رفضوا الله. إن رجم اسطفانس كرّس في نظر كاتب أعمال الرسل القطيعة بين الكنيسة والعالم اليهودي في اورشليم. رفض اليهود خلاص الله فقتلوا المسيح، وبقتلهم اسطفانس يكونون قد رفضوا النداء الى التوبة.

نقلاً عن نشرة رعيتي
الأحد 27 كانون الاول 1998 / العدد 52

بحث جوجل في كل الموقع

للأعلى
للأسفل

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع