Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


النص:

9 فَإِنِّي أَرَى أَنَّ اللهَ أَبْرَزَنَا نَحْنُ الرُّسُلَ آخِرِينَ، كَأَنَّنَا مَحْكُومٌ عَلَيْنَا بِالْمَوْتِ. لأَنَّنَا صِرْنَا مَنْظَراً لِلْعَالَمِ، لِلْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ. 10 نَحْنُ جُهَّالٌ مِنْ أَجْلِ الْمَسِيحِ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَحُكَمَاءُ فِي الْمَسِيحِ! نَحْنُ ضُعَفَاءُ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَأَقْوِيَاءُ! أَنْتُمْ مُكَرَّمُونَ، وَأَمَّا نَحْنُ فَبِلاَ كَرَامَةٍ! 11 إِلَى هذِهِ السَّاعَةِ نَجُوعُ وَنَعْطَشُ وَنَعْرَى وَنُلْكَمُ وَلَيْسَ لَنَا إِقَامَةٌ، 12 وَنَتْعَبُ عَامِلِينَ بِأَيْدِينَا. نُشْتَمُ فَنُبَارِكُ. نُضْطَهَدُ فَنَحْتَمِلُ. 13 يُفْتَرَى عَلَيْنَا فَنَعِظُ. صِرْنَا كَأَقْذَارِ الْعَالَمِ وَوَسَخِ كُلِّ شَيْءٍ إِلَى الآنَ. 14 لَيْسَ لِكَيْ أُخَجِّلَكُمْ أَكْتُبُ بِهذَا، بَلْ كَأَوْلاَدِي الأَحِبَّاءِ أُنْذِرُكُمْ. 15 لأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ لَكُمْ رَبَوَاتٌ مِنَ الْمُرْشِدِينَ فِي الْمَسِيحِ، لكِنْ لَيْسَ آبَاءٌ كَثِيرُونَ. لأَنِّي أَنَا وَلَدْتُكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ بِالإِنْجِيلِ. 16 فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَنْ تَكُونُوا مُتَمَثِّلِينَ بِي.

الشرح:

يعالج الرسول بولس في رسالته الاولى الى اهل كورنثوس موضوع الانقسامات في الكنيسة والتحزبات لهذا الرسول اوذاك. أساسه في ذلك " انتم كلّكم للمسيح". هذا هو المبدأ الذي سيحاول تطبيقه في الفصل المنشور هنا عند معالحة موضوع الرسول ورسالته وعلاقته بالجماعة.

في مطلع هذا النص يستعمل بولس كلمة رسول على انها تدل على الاثني عشر وعليه هو، ثم يقول ان ما يلازم الرسول انه انسان يتألم كثيرا. يشير بولس هنا الى العذبات التي يعانيها الرسول، اثناء بشارته، من الناس والجموع وعدم الايمان، ويعرّف وضع الرسول الذي يعرّض نفسه للموت كما حصل مع بولس في مناسبات وأماكن مختلفة مثل انسان حُكم عليه بالموت:"كأننا مجعولون للموت". يذكرنا ذلك بالمقطع الذي يقول:"لنا هذا الكنز في أوانٍ خزفية"، ثم بعدها:"محكوم عليه بالموت..."، الى قوله:"الموت يعمل فينا والحياة فيكم"(2 كورنثوس 4: 7 – 12).

"لأنا قدصرنا مش هدا للعالم والملائكة والبشر". يتذكر بولس هنا كيف كانت تُنفَّذ أحكام الإعدام في أيامه: يدخل المحكومون الى الحلبة ويوضعون امام الوحش المفترسة.بالتأكيد يصبحون هكذا منظرا يتفرّج الناس عليه. الرسل حملوا كلمة الكرازة، اتحدوا بالكلمة، صاروا هم كلمة. هكذا يجب ان نفهمهم.

"نحن جهّال من اجل المسيح، اما انتم فحكماء...". نحن يقصد بها الرسل. ابتداء من قوله "نحن جهّال من اجل المسيح" يعنف الاسلوب وتقسو الكلمات. كلمة جاهل المستعملة هنا تعني باليونانية مجنون. "من اجل المسيح"، اي طلباً للمسيح يُفهم ان يكون الرسول في "جنون او جهل او ضعف". "انتم مكرَّمون: " باليونانية انتم في المجد ونحن بلا كرامة، بلا شرف. كل هذا المقطع تهكّم، ويشير الى الموضوع الذي تكلم عنه في الاصحاح الثاني من الرسالة الاولى الى اهل كورنثوس: المجد البشري لا شيء امام الله.

ثم يستمر في وصف معاناة الرسل: "والى هذه الساعة نحن نجوع ونعطش ونعرى ونُلطم ولا قرار لنا (اي لا مسكن لنا بمعنى اننا مشرّدون)، ونتعب عاملين نشتَم فنبارِك، نُضطهد فنحتمل، يُشنَّع علينا فنتضرع...". يقوّي الرسول هنا مفهوم كلامه بتسارع الأفعال، ويوضح موقفه المتسامح تجاه عدوانية الناس. هذا الموقف مطلوب ايضا من المؤمنين ليس فقط من الرسل. المطلوب ان يتقبّل المؤمن الإهانة بالمحبة ولو اعتُبر كأقذار العالم، اي القمامة التي يرميها الناس.

"لست لأُخجلكم اكتب هذا وانما أعظكم كأولادي الأحباء". في هذه الآية يغير الرسول بولس اللهجة ويقول: زجرتكم كفاية لكي تفهموا وليس لكي اخجلكم. ويبتعد عن التعنيف ويستعمل الإنذار والنصح لأنه يحبهم كأولاده.

"لأنه لو كان لكم ربوة من المرشدين في المسيح ليس لكم آباء كثيرون لأني انا ولدتكم في المسيح بالإنجيل". يقصد بالمرشدين المعلمين او المربين، والأب هو غير المربي. يتكلّم هنا عن أبوّة روحية حقيقية للناس. يقول: انا ولدتكم بالمسيح، والمبدأ عنده ان كل شيء يصير بالمسيح، وكل شيء خارج هذا الإطار لا علاقة له بقضية الأبوة. بماذا ولدتكم؟ بالإنجيل، بالكرازة، بمضمون البشارة التي اعمل لأجلها لا بشيء آخر.

"اطلب اليكم ان تكونوا مقتدين بي"، اي ان تكونوا متمثلين بي، وهذا معنى اقوى من اتبعوني. يعني الرسول اسلكوا كما اسلك، اسلكوا مثلي لأني أسلك مثل المسيح. التلميذ يتمثل بمعلّمه ووالده، لكن بولس الرسول هنا لا يُظهر نفسه مثالا مسيحيا يٌقتدى به. هو مثال يٌقتدى به بمقدار ما هو ضعيف، بمقدار ما هو لا شيء. يكون لا شيء لأن المسيح يكون قد صار فيه كل شيء. الرسول الصائر الى هذا الامّحاء تتشبه انت به. يقول في الرسالة الاولى الى تسالونيكي: "انتم صرتم متمثّلين بنا وبالرب إذ قبلتم الكلمة" (1: 6).

كل ما يقوله في هذا المقطع: هذه الرسالة اي الانجيل انا حاملها وانا اتيتكم بها كاملة. عليكم ان تتمسكوا بمضمونها الروحي. يَقْبَل كل الاهانات لكنه لا يتنازل عن رسالته وعن ابوته بالمسيح لمن بشّرهم. ينهي مشكلة الانقسامات بآية جميلة تجمع كل ما كان يقوله:" ماذا تريدون؟ أبعصا آتي اليكم ام بالمحبة وروح الوداعة؟" (1كورنثوس 4: 21). 

نقلاً عن نشرة رعيتي
الأحد 30 حزيران 1996 / العدد 26

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع