Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


مع انطلاق بشارة ربّنا يسوع المسيح كانت الديانة اليهوديّة منقسمة، على الأقلّ، إلى أربع شيع كانت تعتمد كلّ منها مذهباً فكريّاً مختلفاً ضمن اليهوديّة الواحدة، وذلك بعد استثناء السامريّين الذين كانوا يُعتبرون من الخوارج. وقد ذكر المؤرّخ اليهوديّ فلافيوس يوسيفُس، وهو المرجع الأساس في شؤون يهود ذلك الزمان، هذه الشيع الأربع: الصدّوقيّون، والفرّيسيّون، والأسّينيّون-الأسانيون، والغيورون. وكانت مجموعتا الفرّيسيّين والصدّوقيّين تؤلّفان ما يمكن لنا أن نسمّيه الديانة اليهوديّة الرسميّة. أمّا المجموعتان الأخريان فكانتا أقلّ نفوذاً على المستوى الرسميّ، وإنْ لم تكونا أقلّ تمثيلاً لفئات واسعة داخل الديانة ذاتها.

في ذلك الحين ساد على تاريخ اليهوديّة الرسميّة التنافس بين الصدّوقيّين والفرّيسيّين. وكان الصدّوقيّون لسان حال الأرستقراطيّة الكهنوتيّة، لذلك كانوا حريصين على حفظ النظام القائم، ومتواطئين مع الاحتلال الرومانيّ للبلاد. ومن المؤكّد أنّهم كانوا من كبار الذين عارضوا يسوع وحرّضوا الوالي بيلاطس البنطيّ على اتّخاذ القرار بصلبه. وكتب يوسيفُس أنّهم كانوا ينكرون وجود أيّ حياة آتية، وهذا ممّا أفادنا به العهد الجديد بوضوح حين ذكر أنّهم ينكرون القيامة. ويبدو أنّ الصدّوقيّين لم يؤثّروا في الشعب تأثيراً بالغاً، بل الفرّيسيّون هم الذين كانوا قادة الشعب الروحيّين في أيّام يسوع.

كانت جماعة الفرّيسيّين اليهوديّة تعدّ في زمن يسوع حوالى ستّة آلاف عضو. ولفظ "الفرّيسيّين"، بالعبريّة "فروشيم"، يعني بالعربيّة "المنفصلين"، وقد ورد في بعض المخطوطات العربيّة القديمة للأناجيل لفظ "المعتزلة" كبديل للفرّيسيّين. وبدايات هذه الشيعة، مثل شيعة الأسينيّين، ارتبطت بثورة المكابيّين (القرن الثاني قبل المسيح) الذين قاوموا بعنف التأثير الوثنيّ على ديانتهم الأمّ. فتكتّل الفرّيسيّون في مجموعة متشدّدة منطوية على نفسها، وكان هذا شكلاً من أشكال الاحتجاج على فتور مواطنيهم. ثمّ خرجوا تدريجيّاً من عزلتهم وتمكّنوا من مدّ نفوذهم إلى مجمل العالم اليهوديّ، في فلسطين وخارجها. وبعد دمار أورشليم عام 70 غدت الفرّيسيّة واليهوديّة شيئاً واحداً، ولا شكّ في أنّ اليهوديّة مدينة ببقائها إلى اليوم للفرّيسيّين.

تصف الأناجيل الفرّيسيّين بأنّهم مراؤون ومتمسّكون بالشكليّات ومدقّقون في أصغر الأمور. وهذه الدقّة المفرطة والعقيمة كانت تخنق التقوى. ولشدّة تمسّكهم بحرف الشريعة، كانوا يهملون روحها ويساوون بين الواجبات الأخلاقيّة والإنسانيّة الكبرى وتفاصيل الأحكام العباديّة. وكانوا، اعتداداً بمعرفتهم للشريعة، يُبطلون وصية الله تحت وطأة تقاليدهم البشريّة، ويحتقرون الجهلةَ، باسم قداستهم الشخصيّة، كما هو وارد في القراءة الإنجيليّة لهذا اليوم المعروف في كنيستنا باسم "أحد الفرّيسيّ والعشار" (لوقا 10:18-14).

وكان الفرّيسيّون يستنكرون كلّ اتّصال بالخطأة والعشّارين (جباة الضرائب)، ويقصرون محبّة الله في حدود جماعتهم. بل وصلوا إلى حدّ الاعتقاد بأنّ لهم حقوقاً على الله بمقتضى أدائهم الممارسات الدينيّة. وينتقدهم الرسول بولس، الذي كان منهم قبل أن يهتدي إلى المسيح (أعمال الرسل 5:26)، انتقاداً شديداً إلى حدّ اتّهامهم بأنّ "اسم الله يجدََّف عليه في الأمم بسببكم" (رومية 24:2). ويسعنا القول أنّ الفرّيسيّين كانوا يمثّلون عن حقّ تلك الجماعة المتزمّتة المقيّدة بحرفيّة الشريعة، تلك الجماعة التي قال عنها الربّ يسوع: "إنّكم تشبهون القبور المجصّصة التي تُرى للناس من خارجه حسنةً، وهي من داخلها مملوءةٌ عظامَ أموات وكلّ نجاسة" (متّى 27:23).
لكن لا بدّ أيضاً من الإشارة إلى أنّ العديد من أوائل المهتدين إلى المسيحيّة كانوا من الفرّيسيّين الذين وجدوا في يسوع اكتمال الناموس وتحقيق وعود الله لهم بمجيء المخلّص. ونذكر من هؤلاء على سبيل المثال بولس الرسول ونيقوديمُس الذي جاء إليه ليلاً (يوحنّا 3). كما ذكر سفر أعمال الرسل "قوماً من الذين آمنوا من مذهب الفرّيسيّين" (5:15). غير أنّ عدداً كبيراً منهم قد قاوموا بشدّة تعليم يسوع وشخصه. وهذه المقاومة هي التي كانت لها أهمّيّتها، لأنّها هي التي كان بها يتميّز الصراع والفراق بين اليهوديّة والمسيحيّة. لقد أدان الربّ يسوع في مواضع عديدة سلوك الفرّيسيّين، ودعانا قائلاً: "إنْ لم يزد برّكم على الكتبة والفرّيسيّين فلن تدخلوا ملكوت السموات" (متّى 20:5). والنزعة الفرّيسيّة في مناهضة روح الإنجيل ما زالت مستمرّة إلى اليوم. فيحمل وصمة "الفرّيسيّة" كلّ مَن يتستّر وراء قناع البرّ بقصد إعفاء نفسه من سلوك المحبّة والرحمة والعطاء، أو من الاعتراف بأنّه خاطئ (كإنجيل اليوم)، أو حينما يحبس محبّة الله داخل حدود معرفته الدينيّة الضيّقة. الفرّيسيّة ما زالت تهدّد المسيحيّين بقدر ما يتقهقر المسيحيّون إلى مستوى التمسّك بالناموسيّة الجامدة ويتماهون مع الحرف ناسين الروح المحيي.

عن نشرة رعيتي 2006

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع