Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


"رسالة برنابا"، وهي غير "إنجيل برنابا" المزعوم، من المؤلّفات التي راجت في المسيحيّة الأولى. وهي من الرسائل المنحولة، أي تلك الرسائل التي تنتمي إلى أدب الرسائل المنحول أو المنسوب إلى غير كتّابه. ودرجت العادة أن تصنَّف رسالة برنابا بين مؤلّفات الآباء والكتّاب الرسوليّين. وفي بعض الأحيان بين الأسفار القانونيّة، في حين عدّها البعض الآخر من الكتابات المنحولة. ليس في رسالة برنابا من اسم لمؤلّف، وقد نسبها إكليمنضس الإسكندريّ (+216) إلى القدّيس برنابا رفيق الرسول بولس، وتبعه التقليد في هذه النسبة. ولكنّ العلماء، اليوم، يستبعدون أن يكون برنابا هو الكاتب، لأنّ الرسالة دوّنت حوالى العام 115 وكان برنابا حينئذ قد توفي. أمّا مكان كتابة الرسالة فيرى البعض أنّه في الإسكندريّة، والبعض الآخر يميل إلى الاعتقاد بأنّ موطنها آسية الصغرى أو سورية أو فلسطين.

تتألّف رسالة برنابا من واحد وعشرين فصلاً، وتنقسم إلى قسمين. فيستهلّ الكاتب رسالته بتحيّة ومقدّمة عامّة، ثمّ يستعرض في القسم الأوّل التعاليم الواردة في الكتاب المقدّس عن الله والمسيح وشعب الله الجديد وواجباته؛ ويتكلّم في القسم الثاني على الطريقين، طريق النور وطريق الظلمة؛ ويدعو في الفصل الأخير القرّاء إلى الخضوع لوصايا الربّ، ويختم بالتحيّة والبركة.بركة.

إنّ الأهمّيّة اللاهوتيّة لرسالة برنابا تكمن في أنّها أوّل مَن أعطى تفسيراً رمزيّاً وروحيّاً لكلّ العهد القديم، ورأى فيه نبوءة عن المسيح والحياة المسيحيّة. والكاتب يرى، في القسم الأوّل من رسالته، أنّ ما رسمه الله عن الذبائح والختانة والأطعمة ينبغي أن نفهمه فهماً روحيّاً. فعوض الذبائح يطلب الله قلباً تائباً، وعوض ختانة الجسد ختانة القلب والأذنين. ويعتبر الكاتب أنّ اليهود أساءوا فهم إرادة الله إذ فهموا وطبّقوا الشريعة بالحرف، فيقول: "لقد تكلّم موسى بالمعنى الروحيّ فتقبّل اليهود كلامه بحسب شهوة الجسد. لقد فهمنا نحن معنى الوصايا الصحيح. لا شكّ أنّ الله أعطى العهد لليهود إلاّ أنّهم لم يكونوا أهلاً لتقبّله من جرّاء خطاياهم". لذلك، يعتقد كاتب الرسالة أنّ العهد والكتاب أُعطيا للمسيحيّين من دون سواهم، ولهذا استطاعوا أن يكتشفوا المعنى الروحيّ خلف المعنى الحرفيّ، فيعلن: "إنّ الربّ قد أعطانا هو نفسه العهد على أنّنا الشعب الوريث، بعد أن تألّم من أجلنا".

في القسم الثاني، وهو أخلاقيّ، يصف الكاتب الطريقين، طريق النور وطريق الظلمة. يتّصف هذا القسم بالنمط السائد في كتب الحكمة من العهد القديم، أي بالعبارات القصيرة الناصحة والهادية إلى السلوك الحسن والابتعاد عن الشرّ: "أحبّ كبؤبؤ عينك كلّ مَن يعظك بكلام الله. إعترف بخطاياك. لا تذهب إلى الصلاة بضمير سيّئ. هذا هو طريق النور. طريق السواد هو، على خلاف ذلك، ملتوٍ ومليء باللعنة".

تعاليم الرسالة تتمحور حول تأكيد تعالي السيّد المسيح وألوهته. فالمسيح، "يسوع المحبوب" ابن الله الذي تجسّد وافتدانا، هو وحده السيّد: "لقد احتمل السيّد أن يدمّر جسده لكي يطهّرنا بمغفرة الخطايا، التي تتمّ بالنضح بدمه. لقد احتمل السيّد أن يتألّم من أجل نفوسنا على الرغم من أنّه هو سيّد الكون الذي قال له الله منذ نشأة العالم: لنصنع الإنسان على صورتنا وشبهنا". الجدير بالذكر أنّ الكاتب يستعمل عبارة "سيّد الكون" حين يتكلّم على الآب أيضاً، ممّا يدلّ، عنده، على مساواة الآب والابن بالألوهة والأزليّة. ومن الملاحظ كذلك أنّ الكاتب يفسّر كلام سفر التكوين عن خلق الإنسان ناسباً الفعل إلى الآب والابن، وهذا التفسير هو الأوّل في هذا المنحى.

يتناول كاتب الرسالة موضوع المعموديّة كونها خلقاً جديداً وتجديداً: "إذ قد جدّدنا بمغفرة الخطايا، جعل لنا ختماً آخر بحيث باتت لنا نفس أولاد صغار، وكأنّه قد خلقنا من جديد". والمعموديّة تحدث فينا تحويلاً، فنمسي هياكل لله: "ننزل في الماء مملوئين خطايا وأدناساً، بيد أنّ نخرج منه محمّلين ثماراً، في قلبنا مخافة وفي فكرنا رجاءٌ بالمسيح (...) إنّا، بتقبّلنا مغفرة الخطايا وبرجائنا باسم السيّد، نصبح أناساً جدداً، يعاد خلقنا رأساً على عقب. على هذا النحو يسكن الله حقّاً فينا، في داخلنا".

تتّسم رسالة برنابا بلغة بسيطة مؤثّرة، محورها أنّ حياة المسيحيّ متجذّرة كلّها بالمسيح وكنيسته. أمّا الأخلاق فمطبوعة بطابع اجتماعيّ يهتمّ بالآخر: "لا تعيشوا منعزلين، منزوين في ذواتكم، كما لو كنتم قد برِّرتم، بل تجمّعوا لكي تبحثوا معاً عمّا يعود إلى الفائدة العامّة". غير أنّ ما يطبع هذه الرسالة بشكل خاصّ فهو طابع الفرح المسيحيّ، الذي يتجلّى أكثر ما يتجلّى في يوم الأحد: "لذلك نعيّد بفرح اليوم الثامن الذي قام يسوع فيه وصعد إلى السموات بعد أن أظهر ذاته". ولا عجب في دعوة الكاتب المسيحيّين إلى الفرح، فهم، بالنسبة إليه، أولاد المحبّة" و"أولاد الحبّ والسلام"، تنبع حياتهم من "ينبوع الربّ الفيّاض" وتتوق إلى التقرّب منه.

عن نشرة رعيتي 2002

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع