Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


واحدة من مجموعة لثلاث رسائل متناسقة (أَضِفْ اليها الرسالتين الى ثيموثاوس)، جرت العادة، منذ القرن السابع عشر، أن يُطلَق عليها عنوان عام، وهو: "الرسائل الرعائية"، وذلك لما تتميز به من مدلولات خاصة متشابهة وأسلوب واحد يتضمن تعليما واحدا.

ولعلّ أهم ما تتميّز به هذه الرسائل الثلاث جملة - بالنسبة الى الرسائل المقدّسة الأخرى- هو انها تضع تحديدا واضحا لشروط اختيار الخدام في الكنيسة المحلية وطبيعة وظيفتهم ومداها، وأنها، تاليا، تتطرّق باهتمام بالغ الى الفضائل والواجبات المطلوبة من المسؤولين فيها، وتعنى بتربية ضميرهم الرعوي. غير أن هذا الأمر لا يمنع كون الرسائل الرعائية هي، في مداها الطبيعي، كتابات موجَّهة الى كنائس مؤسَّسة حديثا، وذلك أن بولس، في ما خطّها، توجَّه - من خلال تلميذَيْه تيموثاوس وتيطس - الى كل أعضاء الجماعة (الأساقفة والكهنة والشمامسة والرجال والنساء والمتزوجين والشيوخ والشبان والعذارى والأرامل والعبيد والأسياد) الذين كان يعرف وضعهم جيداً، وحضّهم على القيام بواجباتهم وممارسة الفضيلة والثبات فيها كـ "كنيسة الله الحي" (1تيموثاوس 3: 15) المنتظِرة "الرجاء السعيد" (تيطس 2: 13). 13).

لا نقع، في كتاب أعمال الرسل، على ذِكْر ل"تيطس الرسول" - كما تسميه كتبُنا الطقسية في يوم عيده غداً (25 آب) - غير أن اسمه يظهر جليا في بعض رسائل معلمه، ونرى الى انه واحد من رفاق بولس الأخصاء الذين كان يثق بهم جدا. ولد تيطس من أبوين وثنيين (غلاطية 2: 3)، واهتدى الى الإيمان الحقيقي عن طريق بولس الذي يسميه ابنه (تيطس 1: 4). ونعلم من الرسالة الى كنيسة غلاطية أن الرسول اصطحبه الى اورشليم، وذلك لتوضيح قضية المهتدين الجدد الآتين من الأمم، ولمَ يُلزَم الختان كما تيموثاوس.

تحلى تيطس بشخصيّة قويّة وجذابة، مما حدا ببولس أن أسند اليه بعض المهمات الصعبة، ومنها انه اختاره لحل بعض المشاكل العالقة في كنيسة كورنثوس، فسعى، بشكل لافت وحاسم، لإزالتها، اذ قلب الوضع رأسا على عقب، وذلك لصالح بولس، وأنشأ علاقات طيبة مع الكورنثيين، حتى إن الرسول شهد له تلك الشهادة الرائعة، اذ قال فيه: "الله الذي يعزي المتضعين عزّانا بمجيء تيطس. وليس بمجيئه فقط بل ايضا بالتعزية التي تعزى بها بسببكم... ولكن فرحنا اكثر جدا بسبب فرح تيطس، لأن روحه قد استراحت بكم جميعا... وأحشاؤه هي نحوكم بالزيادة، متذكرا طاعة جميعكم، كيف قبلتموه بخوف ورعدة" (2 كورنثوس 7: 6-15، راجع ايضا في الرسالة عينها 2: 31، 8 : 16، 17 و23). قدّر بولس إمكانات الرجل ومواهبه، فأسند اليه رعاية الجماعة الناشئة في كريت، وهي جزيرة في جنوب اليونان، وقد تركه فيها: "لكي يُكمل ترتيب الأمور الناقصة، ويقيم في كل مدينة شيوخا" وفق ما أوصاه (1: 5).

عرف الكريتيون، بحسب ما يذكر كتاب أعمال الرسل، الإنجيل باكرا (2: 11)، غير أن الدعوة لم تلقَ عندهم آذاناً صاغية، فأهل كريت كما قال أحد شعرائهم القدماء وهو ابيمنيدس الكنوسي (القرن السادس ق.م.): "دائما كذّابون وحوش رديّة بطون بطّالة".

كتب بولس هذه الرسالة، وفق ما يُظن، في آخر حياته، وقد دعاه الى الكتابة "التفكير في أهل كريت وكذبهم" (راجع: المرشد الى الكتاب المقدس، ص623)، فأكّد، في أول إصحاحاتها، على أهمية الاعتماد على الله الصادق الذي نفعل حسناً إن آمنا بمواعيده ونقلناها بثقة وبلا تلكؤ. ويتابع بولس فيهاجم المعلّمين الكذبة "ولا سيّما الذين من الختان" الذين يعلّمون ما لا يجب "من أجل الربح القبيح"، ويوصي تلميذه المسؤول بأن "يكمّ أفواههم". هذا الموقف القوي يستكمله الرسول بكشفه الإيمان الحقيقي فينتقد الذين لا تتوافق حياتُهم ومعرفةَ الله.

في الإصحاح الثاني يتابع بولس وصاياه الى الجماعة فيدعو تلميذه تيطس الى أن يتكلم "بما يليق بالتعليم" وأن يقدم نفسه "قدوة" في كلّ شيء، مما يُلزم أعضاء الكنيسة جميعاً بأن يتحلّوا بسلوك جديد يتوافق مع مقتضيات دعوتهم ووعيهم لحقائق الإنجيل. ويحضّ الشيوخ على أن يكونوا "ذوي وقار متعقلين أصحاء في الإيمان والمحبة والصبر"، والعجائز على السيرة المقدّسة، والحدثات على الإخلاص في المحبة لرجالهن وأولادهن، وعلى الصلاح والعفّة لكي "لا يجدَّف على كلمة الله"، والأحداث على التعقل، وينهيهم عن السكر الذي كان يتعاطاه البعض الى أقصى حدّ... ويورد في الإصحاح الأخير بعض الفرائض العامّة التي يعتبرها ملزِمة، وأوّلها الخضوع "للرئاسات والسلاطين".

يختم بولس هذه الرسالة ببعض التوصيات الأخيرة، فيطلب الى تيطس ان يعلّم مؤمني كنيسة كريت ممارسة الأعمال الصالحة وتجنّب المباحثات الغبية ... والمنازعات الناموسية لأنها "غير نافعة وباطلة"، ولا ينسى الفقراء والحضّ على محبّتهم حتى لا يكون الإيمان بلا ثمر" (3: 14).

رسالة صغيرة نسبيّاً تُظهر قراءتها بوضوح كليّ مسؤولية الجميع في كنيسة اتّخذها الله باللطف والإحسان، ونقاها بالنعمة الغنية التي وحدها تمكن الأبرار من أن ينتظروا ميراث الحياة الأبدية برجاء كبير (3: 4-7).

نشرة رعيتي
الأحد في 24 آب 1997
العدد 34

 

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع