Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


تبدو رسالة يوحنا الحبيب الثالثة بمثابة بطاقة شخصية تعالج أمر اهتم به الرسول اهتماما كبيرا، وهو يتعلّق بموضوع معاملة المبشّرين المتجولين في الكنيسة الأولى.

يوجّه يوحنا "الشيخ" (أنظر رسالة يوحنا الثانية ) رسالته الأخيرة إلى رجل اسمه "غايس" (هو اسم كان شائعا في القديم، ولذلك يستبعد مفسرون عديدون أن يكون غايس هذا، الذي استلم رسالة يوحنا الثالثة، هو أحد الذين حملوا هذا الاسم وورد ذكرهم في العهد الجديد، أنظر أعمال الرسل 19: 29، 20: 4؛ رومية 16: 23؛ 1 كورنثوس 1: 14). لا نعرف بوضوحٍ مدى علاقة الرسول به، ما نستشفّه من الرسالة ذاتها أنه كان محببا على قلبه وأنه اختاره لأنه يتمتع بثقة تخوّله أن يستلم رسالة موجّهة إلى الكنيسة التي هو عضو فيها، ومما يقوله له: "أرجو أن توفّق في كل شيء وأن تكون صحتك جيدة (قد تكون هذه الأمنية التقليدية إشارة إلى ضعف في صحة غايس عَلِمَ به الرسول) كما أنك موفّق في نفسك" (1و2).

ثم يُدخلنا يوحنا في السبب الذي جعله يخطّ هذه الرسالة. وذلك أن بعض الاخوة المتجوّلين الذين انطلقوا ليعلنوا "الاسم الكريم" (إن "الاسم" الذي كثيرا ما كان يدّل على الله في العهد القديم، يُطلَق، في الكنيسة الأولى، على الرب يسوع)، أخبروا الرسول أن غايس أَحسنَ معاملتهم ("مع أنهم غرباء")، وزوّدهم ببعض الحسنات "على وجه يليق بالله". في حين أن مسؤولا – أو المسؤول – في هذه الكنيسة المحلية، وهو ديوتريفوس، لم يقبلهم...(3- 8). ينطلق يوحنا من هذه الواقعة، فيشجع غايس (والجماعة التي ينتمي إليها) على عمله، بقوله له: "قد فرحتُ كثيرا بقدوم الاخوة"، وهم الذين أخبروا الرسول عن تصرف غايس الحسن، وشهدوا له بما هو " عليه من الحق"، ويتابع: "فإنك تسلك سبيل الحق، وليس أَدْعى إلى الفرح عندي من أن أبنائي (تدل لفظة "أبنائي"، في هذا السياق، عموما، على المسيحيين الذين هم تحت سلطة يوحنا الشيخ) يسلكون في الحق" (3و4). ويبيّن له إنه بهذا السلوك يعمل "عمل المؤمن"، خصوصا أن هؤلاء الاخوة "لم يأخذوا شيئا من الوثنيين"، ولذلك وجب على الجماعات المسيحية أن "يرحّبوا بأمثال هؤلاء"، أي أن يحسنوا استضافتهم، ليكونوا "معاونين للحق"، وهذا يعني أن يقبلوهم بفرح وكرم، ويساعدوهم في نقل كلمة الله والتعريف باسمه، لأنهم بذلك يعاونون الله نفسه.

هذا ما يريده الرسول من الكنيسة. غير أن ديوتريفوس يرغب في "أن يكون رئيسا عليهم" (9)، أي أن يمارس سلطته بزهو وغرور. وهو لا يعترف بسلطة يوحنا الشيخ "ويهذي بأحاديثه الخبيثة" عنه، ويتجاهل "الاخوة" المبشرين المتجولين ويرفض استضافتهم ومساعدتهم وتسهيل أمورهم، "ويمنع الذين يريدون أن يقبلوهم ويطردهم من الكنيسة". بيد أن هذا التصرف الرديء لن يستمر على حاله، وذلك أن الرسول يَعِدُ الكنيسة بالقدوم إليها في القريب العاجل ليذكّر هذا الرجل المستهتر والمتعجرف (ديوتريفوس) الذي لا يطيع الحق – ويظن إنه لا يستغنى عنه – بما "يعمل من سيئات" (10).

لقد أدرك يوحنا خطورة هذا الموقف الذي يمثله ديوتريفوس، ولذلك ينبّه غايس بأن لا يتأثر بِشَرّه، يقول له: "أيها الحبيب، لا تمتَثِلِ الشر، بل الخير. مَن يعمل الخير فهو من الله ومن يعمل الشر لم يرَ الله" (11). ثم يذكر يوحنا اسم رجل آخر ويشهد له، وهو ديمتريوس الذي "جميع الناس يشهدون له ويشهد له الحق نفسُهُ" وسلوكه الصالح. لا نعرف تماما من يكون هذا الرجل، لعلّه هو مَن حمل هذه الرسالة إلى غايس، أو أنه أحد هؤلاء المبشرين المتجولين، أو عضو في الكنيسة التي استلمت هذه الرسالة... ما يهمّنا أن نعرفه أن ديمتريوس هذا الذي يعرفه جيدا مستلمو الرسالة، هو رجل صالح، وذلك إنه يسهم في نشر كلمة الله ويعاون الحق أصالة، ويريد الرسول أن يُقتدى به (12).

ثم ينهي يوحنا الرسالة بطريقته التقليدية، فهو يرجو أن يرى غايس "بعد قليل"، ويتكلم معه مشافهة. وبعد أن يسلّم عليه ويهديه سلام الأصدقاء يطلب منه أن يسلّم "على الأصدقاء، كل واحد باسمه"، ويقصد أعضاء الكنيسة الذين هم أوفياء للرسول وتعليمه (أمثال غايس...)، وتاليا الذين يعارضون ديوتريفوس المنحرف (13و 14).

تشدّد هذه الرسالة على تصرّف المؤمنين في حياتهم وأفعالهم وقبولهم للغرباء...، فهم بهذا يدلّون على محبّتهم لله وإن كانوا حقا معه أو ضده. وهي تدعونا إلى أن نفرح بكلمة الله وحامليها، وتحثنا على نقل تعاليم الكنيسة الصحيحة، بأمانة كلية، بالقول وطاعة الحياة.

نشرة رعيتي
الأحد 18 نيسان 1999
العدد 16

بحث جوجل في كل الموقع

للأعلى
للأسفل

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع