الثالوث الأقدس

ليس الإيمان بالثالوث الأقدس عقيدة نظريّة أو فلسفيّة أو عقليّة مجرّدة، بل هو عقيدة قائمة على الكشف الإلهيّ الذي تمّ بتجسّد كلمة الله في التاريخ واكتمال سرّ التدبير الخلاصيّ بموت المسيح على الصليب وقيامته. لقد عرفت الكنيسة منذ نشأتها الإيمان بالثالوث الأقدس المؤسَّس على الكتاب المقدّس وتعاليم الرسل والجماعة الأولى. وإنْ لم تستعمل الكنيسة المصطلحات اللاهوتيّة السائدة اليوم مثل: الثالوث، الأقانيم، الجوهر، الطبيعة… إلاّ أنّ الكنيسة الفتيّة كانت ذات إيمان ثالوثيّ، فالأناجيل وكتاب أعمال الرسل ورسائل القدّيس بولس تضمّ تعابير وتسابيح ثالوثيّة كانت تُستخدم في العبادة الجماعيّة.

مواصلة القراءة

الله الخالق

“اؤمن باله واحد، آب ضابط الكلّ، خالق السماء والارض، كل ما يُرى وما لا يُرى”. بهذا الإعلان يبدأ دستور الايمان الذي وُضع لتحديد إيمان الكنيسة وصونه من الهرطقات. لم يعرِّف الآباء المشاركون في صوغ هذا الدستور اللهَ الآبَ الإ بكونه خالقاً وأبا ربنا يسوع المسيح الذي هو من جوهره. فهم، ونحن ايضا، لم نعرف الآب الا في حدود ما كشفه الابن ولهذا يسترسل دستور الايمان اكثر في الكلام عن الابن.

مواصلة القراءة

سر الثالوث المقدس بحسب إعلان العهد القديم

مقدمة:

ما يميز الكنيسة الأرثوذكسية أو المسيحية بصورة رئيسية عن سائر الديانات هو اعتقادها بسر الثالوث الغريب (صلب الإيمان) كما يقول القديس غريغوريوس اللاهوتي والذي عليه ترتكز بقية عقائدها. لا بل إن اللاهوت ذاته بحسب الآباء هو سر الثالوث. وحتى الإعلان الإلهي ما هو إلا إعلان بصورة خاصة لسر الثالوث ولهذا فسرّ الثالوث ليس فقط الأساس بل هو الهدف الأسمى للاهوت. لأنه بحسب تعبير القديس مكسيموس المعترف “أن نعرف كلياً سر الثالوث معناه أن نصير في وحدة كلية مع الله، أي أن نصل إلى تأله الكائن البشري، إلى الحياة الإلهية التي هي بحد ذاتها حياة الثالوث الأقدس، عندئذ فقط نصبح بحسب ما عبّر عنه القديس بطرس”شركاء الطبيعة الإلهية”. في دراستنا لهذا السر سوف نتبع ما أُعلن عنه بالتدريج في الكتاب المقدس ومن ثم نقدم ملخصاً عما علّلته الكنيسة في هذا الصدد.

مواصلة القراءة

سر الثالوث المقدس بحسب إعلان العهد الجديد

في العهد الجديد يعلن سر الثالوث الإلهي بجلاء تام من خلال آيات كثيرة وواضحة يمكن تقسيمها إلى المجموعات التالية التي تظهر:

  1. ثلاثة أقانيم حقيقيين معاً.
  2. ألوهية كل من الأقانيم الثلاثة.
  3. وحدانية جوهر الأقانيم الثلاثة.

مواصلة القراءة

التعليم الآبائي عن سر الثالوث

سر الثالوث الأقدس الذي تؤمن به الكنيسة لم يكن إذاً نتاج فكر بشري ولا حصيلة تأثيرات دينية أو فلسفية خارجية متأخرة، وإنما كان أساس بشارة الرسل ذاتها التي عاشوها ونقلوها هم أنفسهم كخبرة تأله وحياة “الذي رأيناه وسمعناه نخبركم به لكي يكون لكم أيضاً شركة معنا. وأما شركتنا نحن فهي مع الآب ومع ابنه يسوع. ونكتب إليكم هذا لكي يكون فرحكم كاملاً” (1يو1: 3-4).

1. تعليم كنيسة القرون الأولى:

دليلنا على هذا الكلام ليس فقط آيات الكتاب المقدس التي قدّمت نماذج عنها، بل أيضاً كل ما وصل إلينا من تعليم كنسي خلال القرون الأولى.

مواصلة القراءة

ملخص تعليم الكنيسة عن سر الثالوث

إننا نؤمن بحسب تعبير الدمشقي “بجوهر واحد وبألوهة واحدة في ثلاثة أقانيم متحدين بدون تشوّش، ومتميزين بدون انقطاع”.

وفي الحقيقية فالأقانيم الثلاثة المتساوون في اللاهوت والأزلية والمجد، ذوو الجوهر الواحد وغير المنقسمين، ليسوا بحسب تعليم الكتاب والآباء كما يمكن أن نتصور أجزاء للألوهة أو نوعيات مختلفة فيها أو مظاهر أو أوجه لها، بل إن كل منهم قائم في حد ذاته في الجوهر الواحد ذاته، فلا يحيا أو يعمل الواحد منهم بصورة خاصة أو منفردة بل باتحاد كلّي مع الآخرين. لهذا فهم ليسوا ثلاثة آلهة، إنما واحد.

مواصلة القراءة

نظرة على تعليم الكنيسة الكاثوليكية

– 1 –
تعليم الكنيسة الكاثوليكية عن سر الثالوث الأقدس

1. العهد القديم والظهورات الإلهية:

الكنيسة الكاثوليكية ترفض أو على الأقل تخفف حقيقة الظهورات الثالوثية في العهد القديم. ولا شك بأن أصول هذا الموقف ترجع إلى آراء المغبوط أوغسطين والمدرسيين (سكولاستيكيين) الذين كانوا يسلّمون بأن ملاك يهوه في ظهورات الله في العهد القديم ما هو إلا ملاك مخلوق استخدمه الكلمة الإلهي. بالرغم من إقرارهم أن الآباء رأوا فيه الكلمة الإلهي ذاته، استناداً، بصورة خاصة إلى ما جاء في (أشعياء9: 6) “ملاك الرأي العظيم أو المشورة العظيمة μεγάλης βουλής Άγγελος ” الترجمة السبعينية (LXX) أو النص العبراني “عجيباً مشيراً” قارن مع (قضاة13: 18-33 وفي ملاخي3: 1) “ملاك العهد”.

مواصلة القراءة

ميزات الطبيعة الإلهية

هي غير مخلوقة، لا مبدأ لها، لا تموت، لا تُحصى، أبدية، لا مادية، صالحة، خالقة، عادلة، مُنيرة، لا تتحوّل، لا تنفعل، لا يُحاط بها، لا تُوسع، لا تُحد، غير محدودة، لا تُرى، لا يستوعبها الفكر، لا ينقصها شيء، لها قوتها وسلطتها من ذاتها، قديرة، محيّية، كاملة القوة ولا حدَّ لقوّتها، تُقدس وتمنح ذاتها، تحيط بالكل وتضم الكل وتعتني بالكل، وكلّ هذه الميزات وما شاكلها هي لها من طبيعتها وليست مستجلبة من غيرها، بل هي نفسها تمنحُ مبروءاتها كل صلاح على قدر استيعاب كل منها.

مواصلة القراءة

في مكان الله وفي أن الله وحده غير محدود

المكان الجسماني: – المكان جسماني وهو نهاية الفضاء الواسع حيث يوسع الموسوع. مثلاً إنّ الهواء يتّسع للجسم والجسم يوسع فيه. وليس كل الهواء الواسع مكان الجسم الموسوع بل هي حدود الهواء الواسع التي تمسّ الموسوع. وذلك حتماً، لأن الواسع ليس في الموسوع.

مواصلة القراءة

في الصفات الجسمانية المقولة في الله

ولمّا كنّا نرى، في الكتاب الإلهي، الكثير من المقولات ترمز إلى الله بصورة جسمية أكثر منها روحية، فيجب أن نعلم، نحن البشر لابسي هذا الجسد الكثيف، أنه لا يمكننا أن نفهم أفعال اللاهوت الإلهية، السامية، اللامادية، ولا أن نعبّر عنها إلا إذا استعملنا الصور والأمثال والرموز المختصة بنا. وعليه كلّ ما يُقال في الله بصورة جسمية إنما يُقال بصورة رمزية، ومعناه أسمى من ذلك، لأن الإله بسيط ولا شكل له. إذاً يُراد بعيني الله وجفنيه ونظره قوته المشرفة على الكل ومعرفته التي لا خفيَّ أمامها، ذلك لما يحصل لنا من أكمل المعرفة واليقين بواسطة هذه الحاسّة. ويُراد بأذنيه وسمعه تعطّفه واستجابة سؤالنا، لأننا نحن أيضاً -بواسطة هذه الحاسة نفسها- نُؤخذ بالعاطفة فنُصبح أكثر استعداداً لنميل بأُذننا نحو من يتوسّلون إلينا. ويُراد بفمه وكلامه إعلان مشيئته، لأننا نحن أيضاً نُدلي بالفم والكلام عن مكنونات صدورنا. ويُراد بالأكل والشرب إسراعنا إلى تتميم مشيئته، لأننا بواسطة حاسّة الذوق نلبّي شهوة الطبيعة الضرورية. ويُراد بشمه إعلان فكرنا إليه.

مواصلة القراءة

في الإتحاد والتمييز الإلهين

وعليه يجب أن نرتضي بهذه التعابير كلّها شاملة اللاهوت ككلّ، هي هي، بسيطة، كاملة، إتحادية. أمّا التمييز فيكون في الآب والابن والروح، وفي غير المعلول والمعلول، وفي غير المولود والمولود والمنبثق، فإنّ هذه لا تدلّ على الجوهر، بل على نسبة أحدهم إلى الآخر، وعلى كيفية وجودهم.

مواصلة القراءة

المقولات في الله

إن الإله بسيط ولا تركيب فيه. والمركَّب هو المؤَّلف من أشياء مختلفة. وعليه إذا قلنا في الله إنه غير مخلوق ولا بدء له ولا جسميّ وغير مائت وأبدي وصالح وخالق وما شاكل ذلك، فإننا نجعل فيه اختلافات جوهرية -لأنّ المؤلف من هذه كلِّها لا يكون إلهاً بسيطاً، بل مركباً- وهذا أقصى الكفر-. وعليه يجب أن نعتبر كلاًّ من المقولات في الله لا يشير إلى ما هو جوهره تعالى، ولا يدلّ على شيء من ذلك، بل هو حالة تتعلّق بما يتميّز عنه، وهو شيء من توابع طبيعته وفَعَلَه.

مواصلة القراءة