Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


وإن الطبيعتين قد اتحدتا إحداهما بالأخرى بدون تحويل ولا تغيير، فلا الطبيعة الإلهية تزحزحت عن بساطتها الخاصّة ولا الطبيعة البشرية قد تحوّلت إلى طبيعة اللاهوت أو زالت من الوجود أو أصبح كلاهما طبيعة واحدة مركبة، فإن الطبيعة المركبة لا يمكنها أن تكون مساوية في الجوهر لأي من الطبيعتين اللتين تركبت منهما، لأن اتحاد طبيعتين مختلفتين يأتي بطبيعة تختلف عن كل منهما، مثلهما مثل الجسم المركب من العناصر الأربعة، فهو لا يقال فيه إنه مساوي للنار في الجوهر ولا يسمّى ناراً، ولا يقال فيه إنه هواء ولا ماء ولا تراب، ولا إنه مساوٍ لأي منها في الجوهر. وعليه إذا سلّمنا مع الهراطقة أنًّ المسيح -بعد الإتحاد- قد صارت له طبيعة واحدة مركّبة، فتكون طبيعته البسيطة قد تحوّلت إلى طبيعةٍ مركبة ولا يظلًّ مساوياً للآب في طبيعته البسيطة، ولا لأمه التي ليست مركبة من لاهوت وناسوت. ومن ثم لا يكون في اللاهوت ولا في الناسوت، ولا يُسمّى إلهاً ولا إنساناً، بل المسيح لا غير وتكون كلمة مسيح، لا اسم الأقنوم بل اسم الطبيعة الواحدة كما يزعمون.

وإذا قال القائلون بطبيعة واحدة في المسيح بأنها بسيطة، فهم إمّا يعترفون بأنه إله وحسب -وبذلك يشطّون بمخيّلتهم فينكرون التأنس- وإمّا يقولون بأنه إنسان لا غير كما يزعم نسطوريوس، وحيئذ أين يتحقق القول بأنه كامل في لاهوت وكامل في ناسوته؟ ومتى يا ترى يقولون إن في المسيح طبيعتين اثنتين إذا قالوا الآن -بعد الاتحاد- بطبيعة مركبة واحدة؟ لأنه واضح جداً انه كان للمسيح طبيعة واحدة قبل الإتحاد.

ولكن الذي جعل الهراطقة يضلّون هو اعتقادهم بأن الطبيعة هي الأقنوم نفسه. ولما نقول بطبيعة واحدة في البشر، علينا أن نعرف أننا إنما نقول هذا القول بدون التفات في كلامنا إلى النفس والجسد. لأنه لا يمكن أن نقول في مقابلة النفس بالجسد إنهما من طبيعة واحدة. ولكن لمّا يكون لدينا كثرة من الناس وكلّهم تنطبق عليهم كلمة الطبيعة نفسها -لأنهم كلهم مركّبون من نفس وجس وكلهم ينعمون بطبيعة النفس وقد حصلوا على جوهر الجسد- فنقول بأنهم من نوع مشترك في طبيعة واحدة مؤلفة من أشخاص كثيرين ومختلفين. وواضح إذاً أن لكل شخص طبيعتين وأنه يكتمل في طبيعتين، نفس وجسد.

كيفية اتحاد الطبيعتين في المسيح: وإن كلمة نوع مشترك لا يمكن استعمالها في التعبير عن ربّنا يسوع المسيح، لأنه لم يكن قط ولا يكون ولا سوف يكون مسيح آخر من لاهوت وناسوت، هو نفسه إله كامل وإنسان كامل في لاهوت وناسوت. ولا سبيل للكلام عن طبيعة واحدة في ربّنا يسوع المسيح، بمعنى أنه كما الفرد من نفس وجسد كذلك يكون المسيح من لاهوت وناسوت. وإذا كان هناك فرد، فالمسيح ليس فرداً وهو لا يُصنّف في نوع من مسحاء. لذا فإننا نقول بأن الاتحاد صائر من طبيعتين كاملتين، إلهية وإنسانية، ليس بشكل انعجان أو اختلاط أو امتزاج كما يقول ديوسقوروس وأوطيخا وساويروس ومن سار سيرهم، ولا بإلفة شخصية أو ودية أو على سبيل الرتبة أو وحدة الرأي أو وحدة الكرامة أو وحدة الاسم أو وحدة الرضى كما يقول نسطوريوس ودروسورس وثاودورس المفصوصطي وجماعتهم، ولكننا نعترف بتركيب هو -في ما يخص الأقنوم- بلا تحويل ولا اختلاط ولا تغيير ولا انقسام ولا انفصال، في طبيعتين حاصلتين على كمالهما في أقنوم هو أقنوم ابن الله المتجسد، قائلين بأن هذا هو أقنوم لاهوته وناسوته ومعترفين بأن الطبيعتين تظلان سالمتين فيه بعد الاتحاد، دون انفراد كلٍّ منهما بميزتها، بل متحدتين إحداهما مع الأخرى في الأقنوم الواحد المركب. فنقول باتحاد جوهري -أي حقيقي لا خيالي- وجوهري، لا بحيث تحصل طبيعة واحدة مركبة من طبيعتين، بل بحيث تتحد الطبيعتان الواحدة بالأخرى في أقنوم واحد مركب هو أقنوم ابن الله، ونحدد بأنهما تحتفظان بتباينهما الجوهري. فالمخلوق منهما لا يزال مخلوقاً، وغير المخلوق، غير مخلوق. والمائت يبقى مائتاً والخالد، خالداً. والمحصور، محصوراً. وغير المحصور، غير محصور. والمنظور، منظوراً. وغير المنظور، غير منظور.

تبادل الاختصاصات في المسيح الإله والإنسان: ويختص الكلمة لذاته بشؤون ناسوته -لأنّ ما لجسده المقدس هو له- ويمنح جسده من خواصّه على سبيل التبادل، بسبب اتصال الطرفين أحدهما بالآخر واتحادهما في أقنومه، و "لأنه كان واحداً وهو هو نفسه فاعل الإلهيات والبشريات على هذا الشكل أو ذاك مع اشتراكه بالآخر" (طومس البابا لاون). لذلك نقول: إن رب المجد قد صلب (1كور2: 8)، مع أن طبيعته الإلهية لم تتألم. ونعترف أنّ ابن البشر كان في السماء قبل آلامه، كما قال الربّ نفسه (يو3: 13)، فإن رب العجائب والآلام، ولو كان هو نفسه يجترح العجائب بطريقة، ويحتمل الآلام بطريقة أخرى. ونفهم ذلك بأن وحدة أقنومه تحفظ تباين الطبيعتين الجوهري سالماً. وكيف يسلم التباين يا ترى إذا لم تسلم صاحبتا التباين؟ لأن التباين تباين بين متابينين. فنقول إذاً إن السبب الذي لأجله تتباين طبيعتا المسيح إحداهما عن الآخرى -وهو سبب جوهره- يرتبط بالأقاصي. فبالنسبة إلى يرتبط بالآب والروح، وبالنسبة إلى ناسوته يرتبط بأمّه وسائر البشر. ولهذا السبب عينه الذي لأجله ترتبط طبيعتاه، نقول بأنه في تباين مع الآب والروح وأمه وسائر البشر. فطبيعتاه ترتبطان بأقنومه -لأن لهما أقنوم واحد مركب- يكون في تباين مع الآبا والروح القدس وأمه ومعنا نحن.

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع