Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


شرح تعبير القديس ديونيسيوس في هذا الباب: إن السعيد ديونيسيوس- في كلامه عن المسيح الذي استوطن بيننا- لم ينكر عليه أفعاله الطبيعية، لكنه قال فيه بفعلٍ ما جديد إلهي وبشري، حصيلة طبيعتيه الإلهية والإنسانية. وبهذا المعنى، يمكننا القول معه بطبيعة واحدة جديدة حاصلة من طبيعته الإلهية وطبيعته البشرية، لأنّ من لهم فعلٌ واحدٌ، على حسب رأي الآباء، لهم أيضاً طبيعة واحدة. لكنّ السعيد ديونيسيوس قد أراد بذلك أن يُظهر الطريقة الجديدة المعجزة البيان التي بموجبها صار ظهور أفعال المسيح الطبيعية نظراً إلى الطريقة المعجزة البيان - طريقة نفوذ طبيعتي المسيح كل منهما في الأخرى بالمبادلة- بما هو غريبٌ ومناقض للعرف البشري وتجهله طبيعة الكائنات وهو الطريقة المعجزة البيان في الاتحاد يتبادل العطاء الذاتي. فإننا لسنا نقول بفعلين منفصلين ولا بطبيعتين تعملان منفصلتين، بل إنّ كلاًّ منهما تشترك بالاتحاد مع الأخرى لتعمل ما هو من اختصاصها. فلم يكن المسيح يعمل البشريات بشرياً، لأنه لم يكن إنساناً بسيطاً، ولم يكن يعمل الإلهيات بصفته إلهاً فحسب، لأنه لم يكن مجرّد إله، بل كان إلهاً وإنساناً معاً. وكما نعرف اتحاد الطبيعتين والفارق الطبيعي بينهما، كذلك نعرف طبيعة المشيئتين وفعلهما.

فاعلمْ إذاً بأننا لمّا نتحدث عن ربّنا يسوع المسيح، يجري الكلام تارة عن طبيعتين وتارةً عن شخص واحد. وهذا وذاك مردُّهما إلى فكرة واحدة، لأن الطبيعتين مسيحٌ واحدٌ والمسيح الواحد طبيعتان: إذاً فسيّان أن يُقال بأنّ المسيح يعمل في كل من طبيعتيه أو أن يُقال كل طبيعة في المسيح تعمل بالاشتراك مع الأخرى. فمن جهة إذاً تشترك الطبيعة الإلهية في فعل الجسد، ذلك بارتضاء المشيئة الإلهية أن تسمح له بأن يتألم ويعمل ما يختص به وبأن يكون فعل الجسد دائماً خلاصياً، فإن ذلك ليس من الفعل البشري، بل الإلهي. والجسم من جهته يشترك في فعل لاهوت الكلمة، كأنما الجسم آلة تنجز الأفعال الإلهية، ولأن الفاعل هو واحد يعمل معاً الإلهيات والبشريات.

عقل المسيح البشري بالنسبة إلى اشتراكه بالكلمة: واعلمْ أنّ عقل المسيح الأقدس -فيما هو يفعل أفعاله الطبيعية- يفطن ويعرف أنه هو عقل الله، وأن الخليقة كلها تسجد له، فهو يذكر تصرّفاته على الأرض وآلامه وهو يشترك في أعمال لاهوت الكلمة الذي يُدبِّر ويسوس الكلّ. وتفكيره ومعرفته وتدبيره ليست كما يفعل عقل إنسانٍ بسيطٍ، بل بصفته متحداً أقنومياً بالله، قد أصبح عقله عقل الله.

فعل المسيح الإلهي-البشري: إذاً ما يُظهره الفعل الإلهي-البشري وهو أنّ الله -وقد تأنّس- فعله البشري كان إلهياً أي متألهاً وذلك ليس بمعزل عن فعله الإلهي، وفعله الإلهي ليس بمعزل عن فعله البشري، بل يُشاهد كل منهما مع الآخر. وتسمى هذه الطريقة تعريضاً في الكلام، ذلك عندما يجعل أحدُنا لفظتين بلفظة واحدة فكما نقول عن السيف المحمّى بالنار أن حرقه قاطع وقطعه مُحرق، مع أننا نميّز بين فعل القطع وفعل الحرق ناسبين هذا لطبيعة وذاك لأخرى -الحرق للنار والقطع للحديد-، كذلك عندما نقول فعلاً واحداً في المسيح إلهياً-إنسانياً، نفطن لفعلي طبيعتيه، فعلِه الإلهي للاهوته، وفعلِه الإنساني لناسوته.

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع