Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


إن نفس المسيح-نتيجة لاتحادها بلاهوت الكلمة-قد تحرَّرت من كل جهل: واعلمْ أنّ الكلمة قد اتخذ طبيعتنا الجاهلة والمستعبَدَة. لأن طبيعة الإنسان عبدةٌ لله صانعها وليس لها معرفة المستقبلات. إذاً فعلى حسب قول غريغوريوس اللاهوتي، إذا فصلتَ المنظور عن المعقول، نعتَّ الجسد حينئذٍ بالعبودية والجهل. أمّا نفس المسيح فبسبب وحدة هويتها مع الأقنوم واتحادها به اتحاداً يستحيل فصله، فقد اكتسبت معرفة المستقبلات كما اكتسبت المقدرة على صُنع سائر الآيات الإلهية. فكما أنّ جسد البشر ليس محيياً بحسب طبيعته الخاصة، وجسد الربّ المتحد أقنومياً بالله الكلمة-من جهة، وبحسب طبيعته ليس معصوماً عن الموت، ومن جهة، قد صار محيياً بسبب اتحاده أقنومياً بالكلمة- لا يمكن القول بأنه لم يكن ولا يزال دائماً محيياً، كذلك النفس البشرية، فمن جهة هي في جوهرها لا تملك معرفة المستقبلات، أمّا نفس المسيح فبسبب اتحادها بالله الكلمة نفسه، قد اكتسبت، كما قلنا، معرفة المستقبلات أيضاً مع صنع سائر الآيات الإلهية.

لا يمكن القول بأنّ المسيح عبدٌ.-رغم أنّ الطبيعة التي اتخذها عبدةٌ بحد ذاتها. والقولُ بأن المسيح عبدٌ هرطقة نسطوريّة: واعلمْ بأننا لا نستطيع تسمية المسيح عبداً، لأن كلمتي عبوديّة وتسلّط ليستا تعريفاً لطبيعة، بل لنسبةٍ. وشأنهما شأن الأبوة والبنوة. فإنّ هذا لا يدلّ على جوهر بل على حالة. إذاً، فعلى نحو ما قلناه عن الجهل، إذا أمكنك الفصل فيه بين المخلوق وغير المخلوق باجتهادات سامية وتصورات عقلٍ دقيقة، يكون جسد المسيح عبداً لو لم يكن متحداً بالله الكلمة. أمّا الذي اتحد دفعةً واحدةً في الأقنوم، فكيف يكون عبداً؟-لأن المسيح لمّا كان واحداً، فلا يمكنه أن يكون عبدَ ذاته وربّاً. وهذه الألفاظ لا تصحُّ عمن كيانهم مستقلّ، بل عمّن ينتسبون إلى غيرهم. إذاً فالمسيح عبدُ من يكون؟- هل يكون عبد الآب؟- بالحقيقة كلاّ! وإلا لما كان كلّ ما هو للآب هو للابن، إذا كان عبداً للآب، ولا يمكن أن يكون عبداً لنفسه. ثم كيف يقول الرسول عنّا: "لستً بعبدُ بل ابن" (غلاطية4: 7)، نحن الذي صرنا به بنين، إذا كان هو عبداً؟ - إذاً فإن اسم عبد يُطلق على المسيح، ليس لأنه هو نفسه كذلك، بل لأنه اتخذ لأجلنا صورة عبد يسمّى عبداً معنا. ورغم أنه غير قابلٍ الآلام، فقد استسلم للآلام وصار خادمَ خلاصنا. والذين يُسمّون الرب عبداً يشطرون المسح الواحد إلى اثنين، على نحو ما فعل نسطوريوس. أمّا نحن فنعلن بأنه المتسلّط، رب الخليقة كلّها، المسيح الواحد، الإله والإنسان معاً والعالم بكل شيء، "المكنونُ فيه جميع كنوز الحكمة والعلم" (كولوسي2: 3).

بحث جوجل في كل الموقع

للأعلى
للأسفل

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع