Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


لماذا صار ابن الله إنساناً وليس الآب ولا الروح؟ وماذا أصلحَ الابنُ بتأنسه

إنَّ الآب أبٌ وليس الابن. والابنُ ابنٌ وليس الآب. والروح روحٌ قدسٌ وليس الآب ولا الابن. فإنّ الاختصاص ثابت لا يخضع للحركة. وإلاّ فكيف يبقى الاختصاص إذا كان متحركاً ومنتقلاً إلى الغير؟... لأجل ذلك فقد صار ابن الله ابن الإنسان لكي يبقى اختصاصه غيرَ متحرِّك، لأن الابن كان ابن الله وصار ابن الإنسان بتجسّده من العذراء القدّيسة ولم يزل اختصاصه بالبنوّة الإلهية قائماً.

صفات الطبيعة الإلهية وميّزاتها.- لماذا تجسّد الابن: - وقد تأنّس ابن الله لكي يُعيد الإنسان إلى ما كان عليه قبلاً. فقد كان خلقه على صورته، عاقلاً وحرّاً، وكمثاله، أي كامل الفضائل على مقدور طبيعة الإنسان. وهذه الصفات هي بمثابة سماتٍ للطبيعة الإلهيّة وهي التنزُّه عن الهمّ والاضطراب والتشويش مع الصلاح والحكمة والعدل والتحرّر من كل شرّ. وعليه كان الله قد أقام الإنسان في شركته - فإنّه لمّا خلقَهُ بمعزل عن الفساد قد اجتذبه بشركته إلى عدم الفساد - ولكننا بتجاوزنا الوصيّة سوَّدنا سمات الصورة الإلهية ومحوناها. ولمّا آلات بنا الحال إلى الشرّ، تجرّدنا من الشركة الإلهيّة، لأنه "أية شركة للنور مع الظلمة" (2كور 6: 14)؟... ولمّا صرنا خارج الحياة سقطنا في فساد الموت. ولمّا كان المسيح قد أشركنا بما هو أفضل ولم نحتفظ به، اتخذ هو الأدنى -أعني طبيعتنا- حتى يُعيدَ بذاته وفي ذاته تجديد ما كان على صورته وكمثاله وأرشدنا إلى السيرة الفاضلة، جاعلاً إيّاها في ذاته سهلة المنال لنا. وأعتقنا من الفساد بشركة الحياة إذ صار هو بدءَ قيامتنا، وجدَّد فينا الإناء المهملَ والمتصدِّع لينقذنا من طغيان إبليس بدعوته إيّانا إلى المعرفة الإلهيّة ويقوّينا ويهذّبنا بالثبات والاتضّاع لنغلب الطاغية.

حصيلةُ التجسُّد - قوّة الصليب: - وعليه فإنّ عبادةَ الأصنام قد زالت، والخليقةَ تقدّست بالدم الإلهيّ، وهياكل الأصنام ومعابدها قد انهدمتْ، وانغرست المعرفة الإلهيّة بالثالوث المتساوي الجوهر، وقامتْ العبادة للاهوت غير المخلوق، الله الواحد الحقيقي. وإنّ الشياطين يرتجفون من الناس الذين كانوا قديماً تحت حوزتهم. والعجيبُ في الأمر أنّ هذا الإصلاح كلّه قد تمَّ بصليبِ المسيح وآلامه وموته. والبشارة بالمعرفة الإلهيّة قد انتشرت في الأرض كلّها، لا بحرب ولا بسلاح ولا بجيوش مدرَّبةٍ لمقاتلة العدوّ، بل بشرذمة من أُناس عراة، محتقرين، أُميّين، مشرَّدين ومضطهدين ومحكوم عليهم بالموت وهم يُبشِّرون بمن صلب بالجسد وحكم عليه بالموت. وقد انتصروا على الحكماء والمقتدرين، لأنّ قدرةَ الصليب -وهي الأقوى- كانت تتبعهم. والموت الذي كان قديماً الموضوع الأكبر للخوف والحذر والكراهية، وقد أضحى اليوم أفضل من الحياة. وهذه هي الإصلاحات الناتجة من مجيء المسيح وهذه هي الأدلّة على قوّته، فإنه لم يفعل الآن -كما بموسى- أن فلق بحراً فأنقذ شعباً واحداً من مصر ومن عبودية فرعون، بل بالأحرى إنه قد انتشل البشريّة من فساد الموت ومن المغتصب العاتيّ ومن الخطيئة. وهو في ذلك لم يغتصبْ اغتصاباً إلى الفضيلة، فلم يوارِ الخطأة في الثرى، ولا أحرقهم بالنار ولا رجمهم بالحجارة. لكنه -بوداعته ورحابة صدره- قد جذب الناس إلى الفضيلة فصاروا يتسابقون إلى الأتعاب في سلبيها ويستلذّونها. وقد كان الخطأة قديماً يعاقبون ويستمرّون في خطيئتهم وكانت لهم الخطيئة بمثابة إله. أما اليوم ففي سبيل التقوى والفضيلة يتكبّدون الأعذبة والعقوبات والموت.

فشكراً لك أيها المسيح كلمة الله وحكمته وقوّته والإله القدير! ماذا نقرّب لك نحن البائسين عن هذه الإحسانات كلها؟ فإنّ الكلّ لك وأنت لا تطلب منّك سوى خلاصك، مع علمك أنك -في صلاحك المعجز البيان- وفيما أنت تهب هذا الخلاص، تشكر لمن يقتبلونه. فلك الشكر يا مَنْ أعطانا الوجود وأعطانا حسن الوجود وأعادنا إليه بعد سقطتنا في تنازله المعجز البيان.

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع