Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


القدّيس يوحنّا اللاهوتيّ الإنجيليّ هو، بامتياز، رسول ألوهة السيّد المسيح وتجسّده أو تأنّسه (أي صيرورته إنساناً). فهو يؤكّد في فاتحة إنجيله أنّ كلمة الله، الإله الكائن منذ الأزل، صار بشراً وسكن في ما بيننا، وأصبح إنساناً تامّاً "فسمعناه، ورأيناه بأعيننا، وتأمّلناه، ولمسته أيدينا"، كما يقول يوحنّا نفسه في مستهلّ رسالته الأولى الجامعة (1: 1). فيجعل يوحنّا الإيمان بالتأنّس شرطاً أساسيّاً ومميّزاً للإيمان المسيحيّ الحقّ، فيتابع قائلاً: "بهذا تعرفون روح الله: إنّ كلّ روح يعترف بأنّ يسوع المسيح قد أتى في الجسد، هو من الله؛ وكلّ روح لا يعترف بيسوع ليس من الله" (4 :2-3).

يبدو جليّاً أنّ يوحنّا الإنجيليّ حين يؤكّد، في مطارح عدّة من إنجيله ورسائله، على التأنّس، ذلك أنّه كان داخلاً في صراع مع بدعة، ربّما تكون البدعة الأولى في تاريخ الكنيسة، هي بدعة "المظهريّة" التي رفضت حقيقة التأنّس، فأتباعها كانوا يعتبرون المادّة فاسدة، لذلك لا يمكن أن يتنازل ابن الله ليتّخذ جسداً فاسداً، لأنّ ذلك يتناقض مع ما يعتقدونه في فلسفتهم. فقالوا، انسجاماً مع تفكيرهم الفاسد، إنّ الكلمة اتّخذ "مظهر جسد" أو "شبه جسد" لا جسداً حقيقيّاً.

وقاوم آباء الكنيسة ومعلّموها الكبار منذ القرون الأولى كلّ مَن رفض الاعتقاد بحقيقة التأنّس، انطلاقاً من أهمّيّة هذا التأنّس في تحقيق الخلاص الناجز للإنسان. فالقدّيس إغناطيوس الأنطاكيّ الذي استشهد بين عامَي 105 و135 في رومية (انظر سيرته)، يؤكّد أنّ إنكار حقيقة بشريّة المسيح هو في الوقت عينه إنكار حقيقة الفداء، لأنّه إنّ لم يكن ليسوع سوى جسد ظاهريّ، فهو لم يتألّم إلاّ ظاهريّاً، ونحن لم نحصل على الفداء إلاّ في الظاهر. كذلك كان إغناطيوس أوّل مَن دعا المسيح بـ"حامل الجسد".

ثمّ أتى القدّيس إيريناوس أسقف مدينة ليون الذي استشهد عام 202 (انظر سيرته)، ووضع تآليف كثيرة في الردّ على الهرطقات. غير أنّه قال في صدد التأنّس عبارة قاطعة ما زالت تتردّد أصداؤها إلى يومنا هذا، وردّدها كلّ معلّم في الكنيسة من بعده، هي عبارة: "إنّ المسيح، لأجل محبّته اللامتناهية قد صار مثلنا لكي يجعلنا مثله". وانضمّ إليه معاصره العلاّمة أوريجانس الإسكندريّ (توفّي عام 253، انظر سيرته وأهمّ تعاليمه) مؤكّداً مركزيّة الإيمان بإنسانيّة المسيح الإله الكاملة، فيقول: "لو لم يكن المسيح إنساناً كاملاً، لاستحال خلاص الإنسان". وذهب القدّيس غريغوريوس النزينزي اللاهوتيّ (انظر سيرته وأهمّ أعماله) المذهب ذاته حين قال: "إنّ أيّ شيء فينا لا يمكن أن يشفى ويخلص إلاّ باتّحاده بالله". وهذا الاتّحاد بين الله والإنسان قد تمّ في شخص يسوع المسيح. فهو الإله الذي كشف لنا الإله الحقيقيّ، وهو الإنسان الكامل الذي باتّحاده بنا من خلال تأنّسه، أي من خلال جسده، قد جعلنا شركاء الطبيعة الإلهيّة.

في العام 325 أعلن الآباء الملتئمون في المجمع المسكونيّ الأوّل إيمان الكنيسة بيسوع ربّاً وإلهاً، "الذي من أجلنا ومن أجل خلاصنا نزل من السماء وتجسّد من الروح القدس ومن مريم العذراء وتأنّس". وتضمّن هذا الإعلان ردّاً على هرطقة أخرى نبتت في القرن الرابع، صاحبها آريوس الكاهن الإسكندريّ الذي أنكر الإيمان بألوهة الكلمة المتأنّس. لكنّ المجمع الأوّل، في حقيقة الأمر قد وضع الأمور في نصابها بعد بروز هرطقات عدّة رفضت مبدأ تأنّس الإله أو شوّهته، نذكر منها اثنتين: الشكلانيّة والتبنّويّة.

زعمت بدعة الشكلانيّة بأنّ الثالوث الأقدس ليس سوى أقنوم واحد ظهر في ثلاثة أشكال أو أحوال، فهو نفسه الآب، وتارةً الابن، وتارةً الروح القدس. ورفضت الكنيسة هذه البدعة لأنّها تخلط بين الآب والابن والروح القدس ولا تميّز بينهم، فالابن هو وحده الذي تجسّد لا الآب ولا الروح القدس، والروح القدس هو الذي حلّ على التلاميذ يوم العنصرة لا الابن ولا الروح القدس... أمّا بدعة التبنّويّة فقالت إنّ يسوع المسيح ليس سوى إنسان تبنّاه الله ومنحه سلطة إلهيّة لتتميم رسالته. ومن أتباع هذه البدعة الأبيونيّون الذين كانوا يقولون إنّ يسوع هو مجرّد إنسان وُلد من مريم ويوسف، وإنّه كان أقدس جميع الناس، وقد حلّ عليه في أثناء معموديّته كائن سماويّ هو المسيح. ويشير الكثير من العلماء والمؤرّخين إلى وجود هذه البدعة في الجزيرة العربيّة، وفي مكّة بخاصّة، إبّان فترة الدعوة المحمّديّة، وحتّى القرآن نفسه يرفض هذه البدعة، ممّا يشير إلى وجود أتباع لها في البيئة القرآنيّة.

ما أرادت الكنيسة تأكيده في رفضها تعاليم بدعة التبنّويّة وغيرها من البدع هو أنّ يسوع ليس مجرّد إنسان كسائر الناس، ولا مجرّد نبيّ كسائر الأنبياء. فلو كان يسوع مجرّد إنسان لاستحال عليه أن يوصلنا إلى الله، ولكن، لكونه إلهاً أيضاً، فهو يستطيع أن يوصلنا إلى الله، وأن يؤلّهنا بنعمته. من هنا، يمكننا القول بأنّ الإله نفسه حضر إلينا في شخص يسوع المسيح. فمَن رأى يسوع رأى الله، ومَن اتّحد بيسوع اتّحد بالله، ومَن آمن به إلهاً فقد آمن بالله.

عن نشرة رعيتي 2004

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع