Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


الواقع أن الكنيسة ومنذ البداية، لم تحتفظ بتقليدها الرسولي كتراث جامد بل استعملته ليس فقط كقاعدة للإيمان ولتفسير الكتاب المقدس بل أيضاً كوسيلة بناءة تساعدها في مجابهة الصعوبات التي تعترضها، والتأقلم فيما يتعلق بحياتها الخارجية مع الزمان والمكان بحسب تلك السلطة المعطاة لها من السيد والمسماة التدبير.

هكذا استطاعت، عامة، اتخاذ المواقف التي تثبت قدرتها على التصرف بحسب مواهبها الممنوحة، وظهر تقليدها حياً نابعاً من تمخضها ومعاناتها من أجل تطابق إيمانها مع ترتيباتها الخارجية كالطقوس والقوانين الكنسية.

لهذا يمكن القول أن التقليد لم يتوقف عند موت آخر الرسل، ولا عند انتهاء آخر مجمع مسكوني، بل استمرت الكنيسة في تمثل الجوهر الإلهي فيه. لذلك مع تشديدنا على أهمية الفترة الرسولية وما تلاها في زمن المجامع المسكونية من بلورة لعقائد الكنيسة وقوانينها، نستطيع القول أن التقليد لم يجمد بعد هذه الفترة ولا يجب أن يجمد. لأنه ليس فقط حق لكل مسيحي أن يحيا ويعبّر بطريقة عصرية، بل هو واجب أن يكون له دور رئيس في تطوير المجتمع الذي يحيا فيه نحو الأفضل. هذا يحمّل الكنيسة كلها رسالة مجابهة العصر بطرق تتلاءم مع متطلباته، مجيبة عن مشاكله وتساؤلاته انطلاقاً من الحقائق الإيمانية المحفوظة عندها.

في القرون الثمانية الأولى استطاعت الكنيسة الجامعة التغلب على الهرطقات والشقاقات التي انتشرت في ذلك الزمن معلنة عقائدها الصحيحة عبر المجامع المسكونية، وكذلك إن تنظيم حياتها وإدارتها وصلواتها بشكل يتناسب مع واقع تلك العصور. وبعد توقف آخر مجمع مسكوني (787)، وكذلك بعد الانشقاق الكبير في القرن الحادي عشر تابعت الكنيسة الشرقية الطريقة ذاته الذي سارت عليه الكنيسة منذ البداية رغم الظروف القاسية التي مرت على أقطارها. ولهذا استطاعت كنيستنا الأرثوذكسية الحفاظ على نقاوة التعليم المأخوذ عن المسيح والرسل، وعلى الوحدة غير المنثلمة لكنائسها (رغم استقلالها الإداري). كذلك وصلت التوسع في المجال الطقسي والشروحات الكتابية والترتيبات القانونية معتمدة سلطتها على التدبير كصمام أمان، ليس فقط مع التقليد المحفوظ، بل وحتى مع الأناجيل نفسه (مثال القسم في المحاكم والطلاق). أما بالنسبة للعقائد فلقد استمرت الكنيسة الشرقية في عيش وشرح وتعميق وتقديم الإعلان الإلهي بطريقة تنسجم مع الأسئلة الجديدة التي نشأت في سيرتها الحياتية. هكذا ثبتت الكنيسة عدد الأسرار السبع، كذلك عقدت عدة مجامع أرثوذكسية للنظر في قضايا إيمانية نشأ خلاف حولها، مثل قضية السكينة والقوى الإلهية غير المخلوقة. أما في الظروف الصعبة التي كانت تمنع عقد مثل هذه المجامع فقد كان يكفي إجماع آراء الكنائس الأرثوذكسية لاقتبال حق إيماني وحياتي على أساس موثوق من الكتاب المقدس والتقليد الشريف. كما ظهرت عدة اعترافات إيمان تشرح وتحدد العقيدة الأرثوذكسية في العصور التي تعرضت فيها الكنيسة الشرقية لضغط شديد من الكاثوليك والبروتستانت. مثل اعتراف إيمان المطران بطرس موفيلا الذي قدمه في مجمع باش (1942)، ووافقت عليه سائر الكنائس الأرثوذكسية.  

نتيجة لما سبق يجدر بنا أن نشدد من جديد على أن الذي يتغير في التقليد ليس جوهر الإيمان ولا الشريعة الأدبية اللذين لا يعرفان زيادة ونقصانا، بل أوضاع الكنيسة الخارجية المتصلة بأمور زمنية. وحتى هذه يجب أن تتبدل وتتغير بموجب سلطة شرعية عليا كي يبقى كل شيء منسجماً مع إرادة الله والجماعة الواحدة الممثلة بسائر الكنائس الأرثوذكسية.

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع