Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


يستند الإيمان بالمسيح يسوع إلى مجموعة تعاليم وعقائد ومعلومات تتناول حياة المسيح والأحداث التي جرت معه. أمّا التقليد فهو، من جهة، قبول جيل معيّن مجموعة التعاليم والعقائد والمعلومات تلك، الأمر الذي يجعله يتواصل مع الأجيال السابقة، ومن جهة أخرى، هو الطريقة التي يتمّ فيها تناقل تلك المجموعة. وفي الوقت ذاته، يتّصل التقليد بإيمان حيّ يعيشه المؤمنون في ظروف متغيّرة. لذلك ليس هو مجرّد نقل معلومات فحسب. سنحاول أن نرى أهمّيّة التقليد في تاريخ شعب الله من العهد القديم إلى العهد الجديد فعصر الآباء.

إنّ الوحي التاريخيّ في العهد القديم هو، في الآن عينه، تقليد. ذلك أنّ تاريخ شعب العهد القديم قد استمرّ أكثر من ألف وخمسمائة سنة. وروايات هذا التاريخ المدوّنة في العهد القديم هي تدوين للأحداث وتفسير لها. فالأسفار المقدّسة تتضمّن حقائق إيمانيّة عاشتها جماعة المؤمنين وتناقلتها قبل أن تدوَّن. كما أنّ العلاقة بين الأحداث المؤسّسة للإيمان (كالخروج من مصر مثلاً) وواقع الشعب المعاش أدّت إلى نشوء حركة تفسير مستمرّة لما يمكن تسميته "وديعة الإيمان". وفضلاً عن ذلك، يندمج التقليد أيضاً في الممارسة العباديّة التي تعيد التذكير بالأحداث المؤسّسة للإيمان ذات المفعول الخلاصيّ الحاضر.

يجمع علماء الكتاب المقدّس على أنّ نصوص الأناجيل الأربعة تعبّر عن إيمان الجماعات المسيحيّة الأولى. وتالياً هي تقليد، بمعنى أنّ التقليد يفترض إيماناً عاشته الكنيسة، أي جماعة المؤمنين، فنما فيها وتبلور في ضوء الخبرة المعاشة. أمّا الإنجيليّون الأربعة، بصفتهم أفراداً ألهمهم الروح القدس وقادهم في عمليّة التدوين، فهم يعبّرون عن إيمان جماعاتهم بأسلوبهم الشخصيّ، ذلك الإيمان الذي يقوم على إيمان رسل السيّد المسيح أنفسهم. والجدير بالذكر أنّ نواة تقليد العهد الجديد تتكوّن من أقوال المسيح نفسه، ومن روايات شهود عيان عن حياته ولا سيّما قيامته من بين الأموات التي هي أساس البشارة الجديدة. لذلك، علّم الرسل المهتدين الجدد عن طريق شرح الكلمة والطقوس والصلوات أيضاً: "وكانوا مواظبين على تعليم الرسل والشركة وكسر الخبز والصلوات" (أعمال الرسل 2: 42).

نجد بداية التقليد المسيحيّ أيضاً في رسائل العهد الجديد. فالقدّيس بولس شديد الحرص على إخضاع تعليمه للذين كانوا قبله رسلاً. فهو لا يكتفي بأن يؤسّس تعليمه على ما أوحي إليه فقط، بل على ما أصبح يؤلّف تقليداً في الكنيسة: "وعرضت عليهم (أي على الرسل) البشارة التي أعلنها بين الوثنيّين، وعرضتها في اجتماع خاصّ على الأعيان، مخافة أن أسعى أو أن أكون قد سعيت عبثاً" (غلاطية 1: 2-3). فلا عجب أن نجد الرسول بولس قد أدرج في رسائله صيغاً إيمانيّة وأناشيد وأقوالاً للربّ نفسه، تسلّمها من الجماعات المسيحيّة الرسوليّة التي اتّصل بها. غير أن قناعة الرسول بأنّ ثمّة تناقلاً رسوليّاً لأسس الإيمان ترتبط أيضاً بإيمانه أنّ الربّ يسوع نفسه يفعل كلّ شيء في كنيسته. ففي نظر القدّيس بولس، لا يزال المسيح حاضراً في جسده، الذي هو الكنيسة، وفاعلاً فيه. وتنطبق هذه الحقيقة الإيمانيّة على الكنيسة في كلّ زمان. فهنالك تقليد يرتقي إلى الرسل يتمّ تناقله تاريخيّاً، وهنالك حضور حقيقيّ للربّ يرافق الكنيسة في مسيرتها التاريخيّة.

لم يفرّق الآباء بين الأسفار المقدّسة والتقليد، بل جمعوا بينهما، لأنّهما طريقان تصل من خلالهما الوديعة الرسولية بملئها وصحّتها. فالتقليد يحمل معنى الأسفار الحقيقيّ، تلك الأسفار التي هي كلمة الحقيقة والخلاص. لذا، فالتقليد والأسفار معاً يمثّلان إيمان الكنيسة. يمكن تلخيص فكر الآباء في هذه المسألة على أنّه لا يمكن فهم الكتاب المقدّس فهماً صحيحاً من دون الكنيسة، كما أنّه لا كنيسة من دون الكتاب المقدّس. وكذلك، برز دور العبادات كمكان مميّز يظهر فيه التقليد حيّاً. فالمسيح نفسه يتكلّم ويفعل في أثناء الطقوس، ما دامت تشمل كلمة الله وتمثّل مشاركة فعليّة بين المسيح والمؤمنين.

كتب القدّيس إيريناوس أسقف ليون (+ 202): "إنّ هذا الإيمان، الذي يسلّم في الكنيسة، إيّاه نحفظ. وهذا الإيمان، الذي يأتي من روح الله، يشبه كنزاً في وعاء ثمين لم يزل يجدّد نفسه ويجعل تالياً أن يتجدّد الوعاء الذي يحمله على نحو مماثل... فحيث هي الكنيسة، هنالك روح الله أيضاً، وحيث هو روح الله، فهنالك الكنيسة وكلّ نعمة، والروح هو الحقيقة". وقال القدّيس غريغوريوس النيصيّ (+ 394): "إنّ التقليد هو أكثر من ضمانة لحقيقة تعليمنا، فهو الحقيقة التي وصلت إلينا كإرث، منذ الرسل، بواسطة التعاقب". يركّز الآباء، إذاً، على كون الكنيسة مؤتمنة على الإيمان الصحيح الذي تسلّمته من الرسل، والذي يستمرّ فيها بفضل عمل الروح القدس.

ليس التقليد جامداً، بل هو حيّ لأنّه مقاد من الروح القدس. لقد اعتبر خومياكوف (+ 1860)، وهو أحد اللاهوتيّين الروس الأرثوذكس المجدّدين، أنّ الشعب الأرثوذكسيّ نفسه يحمل الروح القدس، الذي هو مبدأ التقليد. فالتقليد ليس مجرّد تواصل، بل هو تواصل حيّ يعاش في شركة الكنيسة فقط. وتالياً، لا يمكن أن يكون التقليد إلاّ عمل الروح القدس الذي يقود الكنيسة في ملء الحقيقة.

عن نشرة رعيتي 2003

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع